قراءة إستراتيجية جيوسياسية في الدوافع والأسباب
د. فاضل الشرقي_عضو المكتب السياسي لأنصار الله
تثير مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران تساؤلات جوهرية: هل هي مسار دبلوماسي حقيقي أم خيار اضطراري فرضته تداعيات الحرب؟في الوقت الذي تشن فيه إدارة ترامب حربًا وعدوانًا على إيران، يبرز تناقض صارخ في سلوكها؛ فهي من جهة تواصل الضربات والتهديد، ومن جهة أخرى تمارس ضغطًا سياسيًا متصاعدًا لاستئناف المفاوضات، وتلجأ إلى وساطات إقليمية ودولية، وفي مقدمتها الوساطة الباكستانية، التي رعت مهلًا ترامبية تصاعدية: بدأت بخمسة أيام، ثم عشرة، وثلاثين، وخمسة وأربعين، وانتهت مؤخرًا بخمسة عشر يومًا، قبل أن تنتهي مهلة ترامب وتنفيذ تهديده بضرب مصادر الطاقة الإيرانية وإبادة حضارتها بلحظات.
ما الذي يفسر هذا الإصرار الأمريكي على الحوار في خضم الحرب؟الظاهر أن واشنطن تخشى طول أمد الحرب وتداعياتها على أهدافها السياسية والعسكرية، وما قد يترتب عليه من خروج الصراع عن سيطرتها لصالح طهران.
لذلك، تسعى إلى نقل المعركة إلى مجالات أخرى يسهل التحكم بها، عبر طاولة مفاوضات شكلية تميل كفتها بالكامل لصالح أمريكا، ولا تترك مجالًا للأخذ والرد بقدر ما هي مصممة لانتزاع التنازلات فقط.صحيح أن المهل والتهديدات الأمريكية تظل —في جوهرها— جوفاء على المستوى العملياتي، فلا قيمة لها في ظل حرب مشتعلة وضربات متواصلة، إذ إن التهديد بالمهل يفقد معناه بعد فوات أوان الحرب. لكن هذه المهل، رغم فراغها العسكري، تحمل أبعادًا أخرى على المستويات السياسية والإعلامية والنفسية، في إطار ما يُعرف بـالحرب الهجينة (Hybrid Warfare)، سعيًا لتحقيق أهداف عسكرية تعذر بلوغها بالوسائل المباشرة.
واللافت أن واشنطن هي من بدأت الحرب، ثم عادت منذ الأسبوع الأول للضغط من أجل وقف مؤقت لإطلاق النار وإبرام صفقة تفاوضية، واستمرت في مطالبها لما يقارب الشهر —بحسب بيان مجلس الأمن القومي الإيراني— وهو ما تجلى بوضوح في خطابات ترامب اليومية وتغريداته ومؤتمراته المتكررة.هذه المعطيات تدفع إلى التساؤل عن العوامل والأسباب الجيوسياسية والغايات الجيوإستراتيجية التي دفعت النظام الصهيوني-الأمريكي إلى الإصرار على التهدئة المؤقتة واستئناف المفاوضات.
كما تطرح تساؤلات حول جدوى هذه الدبلوماسية: هل هي مجرد تكتيك مؤقت ضمن استراتيجية الحرب، أم أن لورقة هرمز والضربات الإيرانية الصاروخية وجبهات المحور الدور الأبرز في الجنوح نحو المسار الدبلوماسي؟
لذلك، تقوم هذه المقالة التحليلية على بحث ثلاثة محاور رئيسية، المحورين الأولين اللذين تسعى واشنطن من خلالهما لتحقيق أهدافها، والثالث يبحث فرص آفاق السلام والتسوية السياسية المتوقعة وعدمها.
المحور الأول: العوامل والأسباب المتعلقة بأمريكا وإسرائيل وحلفائها مباشرة.
المحور الثاني: الأهداف التي تسعى أمريكا وإسرائيل إلى تحقيقها في إيران والمحور.
المحور الثالث: آفاق المسار الدبلوماسي والحلول المتوقعة
أولاً: العوامل والأسباب المتعلقة بالأمريكيين والإسرائيليين
من المتعارف عليه دوليًا وإنسانيًا انتهاج سياسة الحوار والتفاوض لحلحلة الأزمات والمشكلات العالقة والطارئة، أياً كانت سياسية أو عسكرية أو أمنية أو اقتصادية إلخ. لكن السلوك الأمريكي الصهيوني ابتداءً يقوم على خيار العنف والقوة بديلاً عن المسارات السياسية والدبلوماسية. وهذه المسارات لا يعتمد عليها إلا للدخول في حرب جديدة أو للخروج منها عند التعثر والإخفاق، للتحضير والإعداد لها مجددًا ما لم يكن تحقيق الأهداف ممكنًا.
وهذا هو السلوك الأمريكي الإسرائيلي الثابت في المنطقة، وفي المقدمة التعامل القائم مع طهران مؤخرًا بعد سلسلة طويلة ومعقدة من الضغوط والعقوبات القصوى؛ وهنا تتهم واشنطن بالنكث والغدر بالدبلوماسية مرتين حسب تعبير الوزير الإيراني عراقتشي، والآن وفي الجولة الثالثة يسود الحذر والترقب من الغدر بها مجددا، إذ لا أفق واضح حتى الآن، ولا مؤشر بماذا ستبدأ وبماذا ستنتهي وفي أي الاتجاهات تسير. والذي عليه ظاهر الأمر وربما باطنه أن ثمة عوامل وأسبابًا وأهدافًا فرعية متعلقة بالأمريكيين والإسرائيليين أنفسهم، دفعتهم إلى الإصرار على ضرورة التهدئة واستئناف المفاوضات. ويمكن القول: بأن أمريكا وإسرائيل في أمس الحاجة إلى وقف إطلاق نار مؤقت، لأسباب وأهداف ضاغطة لا يمكن تحمل الاستمرار فيها، ويمكن تلخيص أهمها وأبرزها فيما يلي:
• تراكم عوامل الضغط
هناك عدد من العوامل الضاغطة على ترمب ونتنياهو لم تعد تسمح حالًا بأخذ مزيد من الوقت للاستمرار في خيار الحرب أبدًا، وتفرض الذهاب اضطرارًا نحو وقف مؤقت لإطلاق النار والعودة إلى مسارات الحوار والتفاوض. وتتوزع هذه الضغوط بين أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية إلخ. ومن أبرزها:
– الضربات الإيرانية اليومية:
ضربات صاروخية ومسيرة على كل القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، مما أدى إلى تدمير بعضها وإخراج أغلبها عن الخدمة، والإضرار بعدد كبير من الطائرات والبارجات الاستراتيجية، وتكبّد خسائر بشرية ومادية ومعنوية.
– إغلاق مضيق هرمز:
مثل إحكام طهران قبضتها وسيطرتها على مضيق هرمز الورقة الجيوإستراتيجية الأهم والأخطر، وما نتج عنها من أزمة عالمية في الوقود والطاقة والأمن الغذائي، لا يقوى ترمب على مواجهتها وتحمل تبعاتها وتكاليفها.
– الضغط السياسي والشعبي:
على المستويات الأمريكية والدولية والإقليمية، حيث اتجه سياسيون وقانونيون ودستوريون أمريكيون نحو خيار عزل ترمب وإدارته، بتهمة الانحراف بالسلطة وسوء استغلال المنصب والإخلال الجسيم بمسؤولياته، وخرج ملايين الأمريكيين —قدروا بعشرة ملايين— في مظاهرات واحتجاجات واسعة في أكثر من ثلاثة آلاف تجمع احتجاجي ضمن حملة “لا ملوك” المناهضة للحرب والعدوان على طهران.
– التأزم مع الحلفاء:
نشبت أزمة خطيرة في العلاقة بين واشنطن وحلفائها وأصدقائها الاستراتيجيين مما قد يؤدي إلى انهيارها، والأكثر خطرًا وضررًا الأزمة مع الناتو التي قد تؤدي حالاً أو تتسبب مستقبلاً في تفككه بعد أكثر من ثمانين عامًا من التحالف الوثيق.وبالنظر إلى تعدد هذه الأوراق وضغطها، فإنها لا تترك للإدارة الأمريكية أي مجال آخر غير الذهاب الاضطراري نحو وقف إطلاق نار مؤقت، والاتكاء على الدبلوماسية الاضطرارية وخياراتها ولو إلى حين.
• إعادة التموضع والانتشار: في ظل الأوضاع المتسارعة والظروف الضاغطة، لا يوجد أمام واشنطن أي خيار آخر، فقد باتت في أمس الحاجة إلى أخذ نَفَسٍ مؤقت يمكنها من إعادة التموضع والانتشار، وتجميع جنودها المبعثرين والمتفرقين في الفنادق والشقق السكنية في دول الخليج والعراق. وذلك بعد استهداف قواعدها وضربها، وتعرضها لتدمير واسع أخرج أغلبها عن الخدمة، حسب تقارير دولية واستخباراتية وتصريحات رسمية وصور أقمار صناعية، تفيد بأن أكثر من ست عشرة قاعدة أمريكية (برية، بحرية، جوية)، بالإضافة إلى رادارات ومنصات رقابة متقدمة وغرف عمليات تكنولوجية، أصبحت خارج الخدمة وغير قابلة للتشغيل.هذا إلى جانب خسائر كبيرة في أهم الوسائل والتجهيزات العسكرية واللوجستية في المنطقة، وفي غرف عمليات الحرب والقيادة والتحكم والسيطرة (C³ – Command, Control, and Communications)، بالإضافة إلى استهداف عدد لا يستهان به من القيادات والضباط والجنود.إذن، لم تعد أمريكا قادرة على الاستمرار في الحرب والقتال بهذه الجاهزية والقدرات المضروبة، وتحتاج إلى نَفَسٍ مؤقت تعيد فيه بناء قدراتها القتالية وإعادة تأهيل قواتها. ومن هنا، تسعى إلى الاستفادة من أي طاولة مفاوضات للحصول على فرصة زمنية محددة لتحقيق هذا الهدف.
• استنزاف المخزون الاستراتيجي ونقص البنية العسكرية: يواجه الجيش الأمريكي ضغطًا متزايدًا بسبب اقتراب مخزونه الاستراتيجي من صواريخ توماهوك والصواريخ الاعتراضية من النفاد، مما اضطر واشنطن إلى سحب أعداد كبيرة من منصاتها وقواعدها في دول أخرى مثل أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية.تمتلك أمريكا بطاريات اعتراض (منظومات دفاع جوي) منتشرة في كل دول الخليج، والعراق، وفلسطين المحتلة، وعلى متن حاملات الطائرات. ومع ذلك، يتحدث الإعلام منذ أكثر من أسبوعين على بدء العدوان عن وجود مشكلة حادة في مخزون الصواريخ الاعتراضية، نظرًا لكلفتها الباهظة ومدد تصنيعها الطويلة، وحجم الضربات والهجمات الإيرانية الواسع جدًا الذي شمل كل القواعد الأمريكية في المنطقة، بالإضافة إلى الهجمات المستمرة على كيان الاحتلال، مما تسبب في استنزاف هذه المنظومات بشكل كبير. وكذلك الأمر بالنسبة لمنظومات العدو الإسرائيلي.كما تعاني واشنطن الآن من نقص خطير في البنية الاستراتيجية العسكرية. فمثلًا، هناك خسائر وأضرار لحقت بالرادارات المتطورة، والطائرات المسيرة، وطائرات التزويد بالوقود، وطائرات F-35 وغيرها. فبعضها أُسقِط، وبعضها استُهدِف في قواعدها العسكرية، وبعضها لم يعد لديها مهابط أو مدارج صالحة للاستخدام. وحتى مقاتلات العدو الإسرائيلي تعتمد على طائرات التزويد الأمريكية.وخلاصة القول: أن أمريكا مضطرة إلى الحصول على وقت كافٍ يساعدها على إصلاح هذه الأضلاع وإعادة بناء هذه الهياكل والقدرات.
• ضغط الاقتصاد العالمي وأزمة الطاقة: يشكل إغلاق طهران لمضيق هرمز —الذي تسببت به واشنطن بعد أن كان مفتوحًا بلا رقيب— ضغطًا هائلًا على الاقتصاد العالمي، وتهديدا مباشرا للأمن الغذائي والصناعي والتكنولوجي العالمي، وأزمة جيواستراتيجية (geostrategic crisis)، خاصة في مجالي الوقود والطاقة، ويمتد تأثيره إلى ما هو أبعد ذلك.
وقد أدى الإغلاق إلى ضغط عالمي شديد جدًا على واشنطن: ضغط الحلفاء، وضغط الشارع الأمريكي نفسه، وضغط لوبيات المال والتجارة والاقتصاد. وهو ما بدا واضحًا في تصريحات ترامب غير المنضبطة وتهديداته المتوترة جدا، لأنه يعد أهم شريان إقتصادي لعبور الوقود والطاقة وتصديرها من العراق والخليج وإيران عالميا.لقد مثل (مضيق هرمز) أهم ورقة جيوإستراتيجة (geostrategic card) بيد طهران، تسبب فيها ترامب بنفسه، فخنق العالم بأسره. وهناك تقارير تحدثت عن مشاكل أخرى —غير الوقود والطاقة— أضرت بكثير من الدول، وخاصة أمريكا نفسها، مثل استيراد بعض المواد النترونية والإشعاعية، وفي مقدمتها الكبريت الذي يدخل في الصناعات العسكرية بنسب كبيرة.كما تسبب في أزمة عالمية كبرى هددت الاستقرار المالي والاقتصادي العالمي، وأسواق البورصة والأسهم، ولم تكن هناك خطط لمواجهة كل هذه الأزمات والضغوط. ولهذا، تحتاج الإدارة الأمريكية —إدارة الحرب والعدوان— إلى هدنة وتهدئة مؤقتة.ولا سيما مع فشل كل مساعي واشنطن والخليج في تدويل أزمة مضيق هرمز، والإخفاق المتكرر في إشراك الناتو في الحرب والعدوان على إيران، الأمر الذي ولد ضغطًا شديدًا على ترامب وإدارته، واضطره إلى الذهاب نحو خيارات سياسية ودبلوماسية لا تقبل التأخير.ونظرا لهذه الأهمية بالغة الحساسية التي يمثلها مضيق هرمز فحري بنا أن نفرد لها مساحة مختصرة تبرزها وتقربها للقارئ والمطلع وتضعها أما ناظريه.
مضيق هرمز: الأهمية الاستراتيجية وتأثير الإغلاق على الصناعات العسكرية
بناءً على التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة (UNCTAD) والبنك الدولي وتحليلات الأسواق المالية، فإن إغلاق مضيق هرمز يُحدث تداعيات متباينة على مستوى العالم. وقد حذرت المؤسسات الدولية من أنه سيخفض النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.6% في 2026، ويتسبب في أزمة نقص غذاء عالمية بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة التي تعبر نفس الممر.تتحمل دول آسيا العبء الأكبر من الإغلاق وتدفع الثمن اقتصادياً وإنسانياً، بينما ستدفع أمريكا الثمن سياسياً واقتصادياً وعسكريا، إضافة إلى ضربة قاسية لهيبتها العسكرية، ونفصل أبرز صور هذه الأهمية فيما يلي:
أولاً: المواد الأساسية التي تعبر المضيق (ما وراء النفط والغاز)
بالإضافة إلى النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، يعبر المضيق عدد من المواد الأساسية التي لا يمكن تعويضها، ومنها:· الأسمدة (Urea, Ammonia, DAP): يمر عبر المضيق حوالي 30-46% من تجارة الأسمدة البحرية العالمية، خاصة “اليوريا”. ويؤدي نقصها إلى ارتفاع أسعار الغذاء وانخفاض غلة المحاصيل (كالقمح والذرة) في أفريقيا وآسيا، مما يهدد المجاعات.
· الكبريت (Sulfur): يعبر المضيق حوالي 44-50% من تجارة الكبريت البحرية، وهو ضروري لصناعة حامض الكبريتيك. ويؤدي نقصه إلى تعطل استخراج بطاريات السيارات الكهربائية (النيكل والكوبالت والليثيوم)، مما يعرقل تحول الطاقة.· غاز البترول المسال (LPG): يعبر المضيق حوالي 29% من تجارة الغاز المسال العالمية. وقد يتسبب الإغلاق في تعطل إمدادات وقود الطهي في الهند والصين، مما يجبر الملايين على العودة إلى الفحم والحطب.
· المواد البتروكيماوية (Methanol, Ethylene, Naphtha): الممر مسؤول عن حوالي 30% من تجارة الميثانول البحرية، مما يؤثر سلباً على توفر المواد الخام للأدوية والتغليف الطبي والمنسوجات.
· الهيليوم (Helium): تنتج قطر حوالي 30-33% من إمدادات الهيليوم العالمية، وجميعها تمر عبر المضيق. ويؤدي نقصه إلى تعطل صناعة الرقائق الإلكترونية وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، التي لا يوجد بديل لها.
· الألومنيوم (Aluminium): تنتج دول الخليج حوالي 9-10% من الألمنيوم الأولي عالمياً، مما يعني أن الإغلاق يؤدي إلى ارتفاع أسعار السيارات ومواد البناء والتغليف.
· الجرافيت والحديد (Graphite feedstocks & Iron Pellets): يؤدي الإغلاق إلى تعطل إمدادات “فحم البترول” (لصناعة أنودات بطاريات السيارات الكهربائية) وكرات الحديد عالية الجودة، مما يبطئ صناعة السيارات الكهربائية ويرفع تكاليف البنية التحتية.
ثانياً: التأثير المباشر على الصناعات العسكرية وأمريكاإلى جانب هذه التداعيات الاقتصادية والغذائية، فإن إغلاق مضيق هرمز يضرب بشكل مباشر قدرات الدول الغربية وأمريكا على إنتاج الأسلحة المتطورة، وفي المقدمة أمريكا التي ستدفع ثمناً باهظاً على مستوى هيبتها العسكرية وقدرتها على إعادة التسليح، ومن أبرز هذه الآثار والتحديات ما يلي:
أ. تعطيل صناعة الرقائق الإلكترونية (بسبب نقص الهيليوم):
تعتمد الأسلحة الحديثة (الصواريخ، الطائرات بدون طيار، أنظمة الرادار) على الرقائق الإلكترونية. ويُستخدم الهيليوم كغاز تبريد أساسي في تبريد الرقائق أثناء التصنيع، ولا يوجد بديل له. وسيؤدي نقصه إلى تعطل خطوط إنتاج الرقائق الحيوية للصناعات الدفاعية.
ب. تعطيل استخراج المعادن الأرضية النادرة (بسبب نقص الكبريت):
يُستخدم الكبريت في صناعة حامض الكبريتيك، وهو مادة حيوية تستخدم في استخراج المعادن الأرضية النادرة (مثل النيوديميوم) المستخدمة في المغناطيسات القوية للمحركات في الصواريخ والطائرات بدون طيار. وهذا الإغلاق سيؤدي إلى تعطل هذا الاستخراج، مما يهدد سلاسل توريد الصناعات العسكرية.
ج. انهيار هيبة أمريكا العسكرية وتعطيل إعادة تصنيع الرادارات المتطورة:
– تعرضت أنظمة رادار أمريكية متطورة في المنطقة (مثل رادار SPY-7 الموجود في قطر، المستخدم في أنظمة الدفاع الجوي) لأضرار بالغة جراء الاستهداف الإيراني أو العمليات العسكرية المرتبطة بإغلاق المضيق.- كارثة إعادة التصنيع: بسبب النقص الحاد في الرقائق الإلكترونية والمواد الخام (الهيليوم والكبريت) القادمة من هرمز، تشير تقديرات خبراء عسكريين إلى أن استبدال رادار واحد متطور قد يستغرق 8 سنوات بدلاً من أشهر.وهذا يعني أن أمريكا لن تكون قادرة على تعويض خسائرها العسكرية في المنطقة بسرعة، مما يشل قدرتها على الردع ويوجه ضربة قاسية لهيبتها أمام حلفائها وأعدائها على حد سواء.
د. شح الطاقة يهدد مصانع أشباه الموصلات:
مصانع أشباه الموصلات في تايوان وكوريا الجنوبية تستهلك كميات هائلة من الكهرباء. ونقص الغاز الطبيعي (الذي يمر 29% من تجارته عبر هرمز) يؤدي إلى تقنين الكهرباء، مما يهدد عمليات التصنيع الحساسة للرقائق العسكرية، بما فيها تلك الموجهة للجيش الأمريكي
.هـ. تعطيل أسطول “الهياكل” الأمريكية:
تعتمد قطع الغيار للطائرات الحربية الأمريكية (مثل F-35 و F-15) والمروحيات والمركبات العسكرية على الألومنيوم والحديد والمواد البتروكيماوية التي تعبر هرمز. والإغلاق يؤدي إلى تعطل إمدادات هذه المواد، مما يهدد قدرة الأسطول الأمريكي على الصيانة والتشغيل.وبينما توجد احتياطيات نفطية استراتيجية لمواجهة أزمة الطاقة، لا توجد احتياطيات مماثلة للأسمدة أو البتروكيماويات أو الهيليوم أو الكبريت. ولهذا السبب، يعتبر إغلاق المضيق أزمة جيواستراتيجية (geostrategic crisis)، خاصة أن توقيت الإغلاق قد يتزامن مع مواسم الزراعة الحرجة، مما يعني أن الضرر الذي يلحق بالمحاصيل قد يستمر لمواسم كاملة.
أما بالنسبة للصناعات العسكرية، فإن الإغلاق لا يهدد أسعار الطاقة فقط، بل يكشف ثغرة قاتلة في سلاسل توريد الصناعات العسكرية الغربية والأمريكية، وستجد الجيوش الغربية نفسها أمام معضلة حقيقية لا يمكن تجاوزها دون التوصل لحل سياسي يؤدي لفتح المضيق، وأي تصعيد عسكري سيضاعف التهديدات والمخاطر لأمد طويل. فبينما تفقد أمريكا قدرتها على إعادة تصنيع راداراتها المتطورة لسنوات، وتنهار هيبتها العسكرية، تجد إيران أن إغلاق هرمز قد يكون سلاحها الأكثر فاعلية ليس فقط ضد الاقتصاد العالمي، بل ضد التفوق التكنولوجي الأمريكي نفسه.
• مخاطر الإغلاق المزدوج للبحر الأحمر وباب المندب: أدى الإغلاق الكلي للبحر الأحمر من قبل قوات المحور في اليمن (الجيش اليمني) أمام أي استعمال عسكري تجاه إيران —بالإضافة إلى التلويح بورقة باب المندب الذي كان على وشك الإغلاق أيضًا— إلى ضغطٍ شديدٍ على واشنطن والكيان الإسرائيلي والحلفاء لا تحتمل تبعاته.فالولايات المتحدة غير قادرة على تحمل نتائج الإغلاق المتزامن لمضيقين استراتيجيين عالميين (هرمز في الشرق، وباب المندب في الغرب)، بعد أن تسببت في إغلاق الأول وكادت أن تؤدي إلى إغلاق الثاني.يعد هذا الضغط الاقتصادي والأمني الخانق من أهم العوامل التي دفعت واشنطن للمسارعة نحو وقف فوري لإطلاق النار والتفاوض السياسي قبل أن تتفاقم الأزمة عالميًا إلى أبعاد لا يمكن التنبؤ بمخاطرها، وكارثة يصعب احتواؤها أو التمكن من السيطرة عليها.
• فشل تشكيل تحالف دولي ضد طهران: كان ترامب يراهن على جلب العديد من الدول —وفي مقدمتها حلف الناتو— للمشاركة في الحرب والعدوان، وذلك تحت عنوان: فتح مضيق هرمز وحماية الممرات الدولية (تأمين حرية الملاحة).لكنه سرعان ما عبَّر عن خيبة أمله واستيائه الشديد من حلف الناتو وبريطانيا وألمانيا وغيرهما، لعدم استجابتها لمطالب الإنخراط المباشر في الصراع وتقديم المساعدة المطلوبة منها، وتطور الأمر إلى مهاجمتها والسخرية منها وتهديدها بوقف الدعم والتمويل وصولا للتلويح بالإنسحاب من الناتو ما لم ينخرط في الحرب والعدوان على طهران، وهو ما لم يتحقق منه شيء حتى الآن.أضر هذا الفشل والإخفاق بموقف أمريكا وأضعفها على المستويات الداخلية ثم الإقليمية ثم الدولية. وبالتالي، لم تعد واشنطن قادرة على الاستمرار لوحدها في تحمل كلفة الحرب والعدوان على طهران، الأمر الذي أسهم في الدفع نحو ادعاء خيارات التهدئة والحلول السياسية.
• ضغط الخسائر المادية والبشرية والمالية: ألحقت الحرب على طهران خسائر مادية جسيمة بالمصالح الاقتصادية المشتركة لواشنطن وحلفائها في دول الخليج الخمس، وأضرت بها ضررا فادحا، حيث تعرضت لهجمات صاروخية ومسيّرة إيرانية شديدة أدت لتعطيلها وإخراجها عن الخدمة ووقوعها بين التدمير الكلي والجزئي، وتحتاج إعادة تأهيلها وإصلاحها إلى سنوات.كذلك، التكلفة المالية الباهظة والخسائر البشرية الفادحة التي تكبدتها واشنطن وحلفاؤها. فهناك أعباء تقنية ولوجستية ومادية في المعدات والأجهزة والقواعد والمطارات، وهناك خسائر بشرية فادحة (Heavy Casualties)، وهناك أعباء مالية مباشرة.ومنذ الأسبوع الأول للحرب، تقدم البنتاغون (The Pentagon) إلى الكونغرس بطلبات تمويل طارئة بمئات ملايين الدولارات. وهذه جميعها عوامل ضاغطة أجبرت ترامب وإدارته على السعي إلى الهدنة بطرق متعددة: سياسيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا وعسكريًا.
• فشل خطط تثوير الشارع الإيراني: فشلت أمريكا وإسرائيل في خطط تثوير الشارع الإيراني وإذكاء الاحتجاجات الشعبية ضد النظام، وإثارة أعمال الشغب والفوضى، وتقويض الأمن والإستقرار، رغم كل الخطابات التحريضية والوعود الترامبية والأموال التي بذلت في سبيل تحقيق هذا الهدف الذي كانت تعول عليه كثيرًا.فقد تقدم ترامب ونتنياهو بتوجيه خطابات مباشرة —متلفزة— إلى الشعب الإيراني أكثر من مرة، يحرضون فيها على الخروج ضد النظام ويدفعونه نحو زعزعة الأمن والاستقرار. كما تم إرسال شحنات أسلحة ضخمة (اعترف بها ترامب مؤخرًا) للقيام بتنفيذ أعمال عسكرية داخلية، وهجمات واغتيالات لكبار القادة ورجال الأمن وقوات الباسيج، واستهداف المراكز والنقاط والحواجز الأمنية.وكان المتوقع والمؤمل —وربما الشيء المتيقن في تقديدراتهم— أن النظام لن يصمد لأكثر من أسبوع، ثم يتحرك الشعب بالنزول إلى الشوارع، وتبدأ الفوضى الداخلية، مما يعجل بإسقاط النظام الإسلامي والحكومة من الداخل.لكن الذي حصل كان عكس ذلك تمامًا. فقد خرج ملايين الشعب —ولا يزال— يوميًا وليليًا في أغلب الشوارع والميادين والساحات في مشهد تضامني وتوحدي، مؤيدًا للقيادة الإيرانية وللنظام وللحرس الثوري، ومطالبًا على نطاق واسع بالرد الحازم والحاسم على العدوان الأمريكي الإسرائيلي.وبهذا، وعندما خسرت أمريكا في كل هذه النقاط، تشكل لديها ضغط شديد دفعها إلى المطالبة باستئناف جولات الحوار والمفاوضات، والتوسط عبر دول إقليمية حليفة وصديقة لإيران، مع التهديد المتكرر بالمهل (الإنذارات المتواصلة) لتوليد ضغط سياسي على إيران يدفعها إلى قبول التهدئة والعودة إلى المفاوضات.
• خسارة شبكات التجسس: نقطة أخرى مهمة جدًا: أن أمريكا، ومعها إسرائيل وأجهزة مخابرات إقليمية ودولية، خسرت أغلبية عملائها في الداخل الإيراني. فشبكات التجسس والعملاء في تهاوٍ وتساقطٍ يوميًا على يد أجهزة الأمن الإيرانية والاستخبارات والحرس الثوري.وبهذا، فقدت واشنطن وحلفاؤها أهم عناصر القوة (الأصول الاستخباراتية – Intelligence Assets) التي كانت تراهن عليها في التقدم نحو تحقيق أهدافها أو بعضها. ومع التعثر في تحقيق الإنجازات، وعند التقييمتظهر نقاط الضعف التي تتطلب معالجات سريعة.لذلك، لم يكن أمام واشنطن خيار بديل إلا الضغط للذهاب نحو الخيارات السياسية، والحصول على هدنة —ولو مؤقتًا— تتيح فرصة زمنية للإصلاح والترميم، وتعويض الفاقد بالحد الأقصى والقدر الممكن.
• ضغط الهجمات الإيرانية المكثفة:
مثل زخم الهجمات الإيرانية الصاروخية والمسيرة —التي لم تتوقف يومًا واحدًا— على قواعد أمريكا ومصالحها ومعداتها وقطعها البحرية في المنطقة، بالإضافة إلى الضربات المستمرة الموجعة إلى عمق كيان الاحتلال الإسرائيلي، ضغطًا شديدًا على استمرار العمليات العسكرية الأمريكية. فقد أدت هذه الهجمات إلى تضرر الكثير من القواعد العسكرية الأمريكية بشكل لم يعد معها صالحة للاستعمال، مما اضطر القيادة العسكرية إلى إعادة تموضع قواتها ونقل بعضها إلى مواقع أقل خطورة.
ولم تقتصر الأضرار على القواعد البرية، بل امتدت لتشمل البوارج الحربية الأمريكية في الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي والتي تعرضت لضربات مباشرة من صواريخ إيرانية بعيدة المدى، مما كبد البحرية الأمريكية خسائر في المعدات والأفراد. كما أن استمرار الهجمات دون توقف جعل من المستحيل على أمريكا إجراء أي عمليات صيانة أو إصلاح للقواعد والمعدات المتضررة، وهو ما يتطلب وقتًا كافيًا من التهدئة لإعادة بناء ما تم تدميره.
إضافة إلى ذلك، فإن الضربات المستمرة على عمق كيان الاحتلال الإسرائيلي زادت من تعقيد المشهد العسكري، حيث لم تعد إسرائيل قادرة على حماية مجالها الجوي بالكامل، وأصبحت صفارات الإنذار تدوي في تل أبيب وحيفا وغيرها من المدن بشكل يومي، مما زاد من الضغط النفسي والعسكري على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وبهذا، فإن استمرار زخم الهجمات الإيرانية بدون انقطاع جعل من المستحيل على أمريكا وإسرائيل مواصلة الحرب بنفس الوتيرة، وخلق حاجة ماسة إلى نافذة عملياتية (Operational Window) تسمح بإصلاح القواعد والمعدات وإعادة توزيع القوات.
• ضغط جبهات المحور
شكل توحد جبهات محور الجهاد والمقاومة (Axis of Resistance) وتضامنها العسكري المشترك خلال فترة الحرب والعدوان ضغطًا إضافيًا هائلًا على واشنطن والكيان الإسرائيلي، وذلك خلافًا لما كانت ترغب فيه واشنطن كهدف من أهداف الحرب المعلنة (وهو تفكيك المحور). فبدلاً من أن تنهار الجبهات أو تنفصل عن بعضها، ازداد تنسيقها وتكاملها العملياتي، مما أربك حسابات البنتاغون والموساد، وبالأخص الدور المحوري والريادي لحزب الله، درة التاج في هذه المعركة، وأيقونة الصبر والصمود، ورمز العنفوان والثبات. فقد كانت هجمات حزب الله القوية وضرباته المستمرة التي شملت كيان الاحتلال بمثابة مفاجأة استراتيجية (Strategic Surprise) صادمة للجميع، إذ ولدت ضغطًا شديدًا لم يكن متوقعًا لا من قبل أمريكا ولا من قبل إسرائيل. فقد كان التقدير السائد لدى المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن حزب الله لن يجرؤ على الدخول في الحرب بشكل واسع، أو أنه سيكتفي بضربات رمزية محدودة. لكن الذي حدث كان عكس ذلك تمامًا.فقد أربكت هجمات حزب الله توازن الكيان وخططه وأهدافه، بل وأخلت ببوصلة استراتيجيته بالكامل.
فبينما كانت إسرائيل تستعد لحرب قصيرة وخاطفة على جبهة واحدة (إيران)، وجدت نفسها مضطرة للقتال على جبهات متعددة في وقت واحد: جنوب لبنان، الجليل الأعلى، الجولان المحتل، وأيضًا الجبهة الداخلية التي تعرضت لضربات صاروخية دقيقة.
لقد أثبتت قدرات حزب الله الصاروخية والدقيقة أنه قادر على إصابة أهداف استراتيجية في عمق الإحتلال الإسرائيلي بدقة عالية، كما أثبتت منظوماته الدفاعية الجوية قدرتها على التصدي للطائرات الإسرائيلية بدون طيار والمسيرات. كما أن خبرته القتالية المتراكمة جعلت منه قوة لا يستهان بها، قادرة على إدارة عمليات عسكرية معقدة، والتنسيق مع غرفة عمليات المحور الموحدة.
لم يكن حزب الله وحده في الميدان، بل كانت هناك جبهات أخرى نشطت بشكل متزامن، مما أدى لضغطٍ شديدٍ جدا أربك خطط الحرب والعدوان وشتت جهود وقدرات التركيز على طهران وحدها، فقد دخلت الجبهة اليمنية في صنعاء على خط النار في توقيت خطير بالغ الخطورة، ووجهت ضربات مشتركة مع المحور إلى مناطق واسعة ونقاط إستراتيجية في عمق الأراضي المحتلة، كما أنها أضافت بُعدًا بحريًا خطيرًا على المعركة في حال استمرارها.كذلك، نشطت فصائل المقاومة العراقية في استهداف القواعد الأمريكية في العراق وسوريا والأردن ودول الخليج بالصواريخ والمسيرات، وألحقت بها أضرارا فادحة وخسائر كبيرة جدا.
وفي نفس الوقت تم استخدام الأراضي السورية كنقطة انطلاق لبعض العمليات العسكرية ضد أهداف إسرائيلية، الأمر الذي أضاف بعدًا خطيرًا للحرب وتهديدًا جديًا لم يكن متوقعًا على الإطلاق.
وبهذا، فإن توحد جبهات المحور وتكاملها العملياتي، وفي المقدمة حزب الله، شكل ضغطًا استراتيجيًا غير مسبوق على أمريكا وإسرائيل، وأثبت فشل الهدف الأمريكي المعلن بتفكيك المحور. بل على العكس، خرج المحور أكثر قوة وتماسكًا مما كان عليه قبل الحرب.
وبالعودة لحزب الله الذي شكل مفاجأة استراتيجية (Strategic Surprise) صادمة لإسرائيل، بقدراته وأدائه وثباته وهجماته وضرباته، واستعادة تموضعه وانتشاره السريع المباغت على كافة حدود الجبهة الشمالية والجنوبية في لبنان، فقد فرض على الكيان هو ضرورة إعادت التفكير في أولويات الحرب وتنظيمها، وفي مقدمتها التفرغ لخطر حزب الله المباشر والعمل على إبعاده عن الحدود المحتلة وفرض منطقة أمنية عازلة، وهو ما يؤمل في التمكن من تحقيقه من خلال تركيز الضربات والهجمات وتكثيف الاستهداف لحزب الله، وتوسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان. وهذا غير ممكن في ظل استمرار ضغط الحرب واستمرارها، ولذا فإن الدخول في هدنة مؤقتة خيار إضطراري لا يحتمل التأخير، تؤيده كل المستويات السياسية والأمنية والشعبية في إسرائيل.
فالإعلام الإسرائيلي وما صدر من تصريحات معلنة تقول: إن استراتيجية الحرب ومستوى النقاش في المؤسسة الأمنية كان يرى ضرورة الحرب على حزب الله أولاً قبل أي عدوان على إيران، إلا أن المستوى السياسي رفض الأخذ بتوصيات المؤسسة الأمنية والعسكرية، إذ قلل من خطر حزب الله وقدراته، ظنًا منه بضعفه وعجزه وعدم قدرته على الدخول في الحرب أو المشاركة فيها.
• المأزق الاستراتيجي لكيان الإحتلال:
أدت العوامل والمتغيرات السابقة إلى نتائج ضاغطة جدًا على كيان الاحتلال الإسرائيلي، تمثلت في ضعفه وعجزه عن الاستمرار في حرب طويلة. ففي هذه الحرب، تتعرض بيئته الأمنية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والمالية لهجمات وضربات وخسائر مباشرة يوميًا، مما يحولها إلى بيئة معادية للاستمرار لا يقوى على تحمل تبعاتها وأضرارها.
فمنذ أكثر من شهر، والملايين في الملاجئ بدون أي نشاط اقتصادي أو وظيفي، والمؤسسات والشركات معطلة، والاقتصاد شبه مشلول، والحالة الأمنية لا تكاد تتوقف فيها صفارات الإنذار وحالات الطوارئ. والبيئة الجغرافية المحدودة لا تتحمل كل هذا الوضع الأمني والاقتصادي المستمر.لم يكن الزمن المخطط له من قبل أمريكا وإسرائيل يتجاوز عملية خاطفة ومباغتة (الحرب الخاطفة – Blitzkrieg) تؤدي إلى تسارع تحقيق الأهداف المعلنة في ظرف زمني لا يتجاوز الأسبوع في الأغلب، وذلك بالنظر إلى عدد من العوامل التي كانت تراهن أمريكا أنها ستحسم بها خياراتها سريعًا.ولكن حصلت نتائج عكسية، أدخلت أمريكا والكيان في مأزق استراتيجي (Strategic Quagmire) وظروف ضاغطة يصعب تجاوزها في ظل استمرار الحرب. وهذا ما ظهر جليًا في خطابات ترامب ومنشوراته وتهديداته الخارجة عن السيطرة، وخلال شهر كامل ظل يهدد طهران تارة ويتوسلها أخرى للقبول بوقف مؤقت لإطلاق النار واستئناف المفاوضات.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير استخباراتية وصحفية إسرائيلية وأمريكية إلى ضغوطات شديدة يمارسها نتنياهو على ترامب، ويطلب منه ضرورة التعجيل بطرح شروط التفاوض، والبحث عن أي فرصة لوقف إطلاق النار ولو مؤقتًا، وهو ما يؤكد أن التهدئة والحوار كانت خيارات إضطرارية أكثر منها سياسية.
• فشل الغزو البري والعمليات النوعية: تقوم استراتيجية واشنطن العسكرية على شن هجمات مباغتة وتنفيذ عمليات عسكرية خاطفة ونوعية تمنحها التفوق والانتصار المبكر، وبحيث تؤدي إلى تغيير الكثير من الحسابات والمعادلات بدون أي خسائر وفي وقت قياسي، وهو ما لم تتمكن من تنفيذه في إيران حتى الآن، ورغم كل المحاولات والتكتيكات إلا أنها منيت بفشل غير مسبوق، وتجلى في عملية (أصفان) الفاشلة التي كبدتها خسائر فادحة في قواتها الجوية. كما فشلت كل محاولاتها للغزو البري لأي من الجزر والأراضي الإيرانية، وهو ما يجعل الاستمرار في الحرب عبثيًا ما لم تتغير طرقها وأدواتها.
وعليه، وكما يرى الكاتب، فإن ما تم سرده من نقاط تمثل أبرز العوامل والأسباب في المحور الأول المتعلق بالإدارة الأمريكية نفسها وبإسرائيل نفسها، والآن ننتقل إلى المحور الثاني المتعلق بإيران والمحور.
ثانياً: الأهداف التي تريد أمريكا وإسرائيل تحقيقها من التهدئة (المتعلقة بالشأن الإيراني)
إضافة إلى ما سبق، هناك أهداف فرعية أخرى تريد أمريكا وإسرائيل تحقيقها فيما يتعلق بالشأن الإيراني نفسه من خلال استغلال فرصة وقف إطلاق النار. والتي يتوقف تحقيقها على ضرورة الدخول في تهدئة مؤقتة، ومن خلال —إذا أمكن مجددًا— العودة إلى طاولة الحوار والتفاوض مع طهران وتمديد جولاتها لحين الفرصة المناسبة، الأمر الذي قد يساعد على التوسع في تحقيق أهداف الحرب المعلنة بأقصر وقت ممكن.وهذا ما ضغط ترامب والبنتاغون —بكل الطرق والوسائل— من أجل تحقيقه والوصول إليه. والذي يبدو لي أن من أبرز الأهداف وأهمها في هذا الجانب تتمثل فيما يلي:
• الإستفادة من عامل الوقت:
تسعى أمريكا من خلال الحصول على تهدئة مؤقتة إلى نقل المعركة من ميدان الحرب المباشرة (حيث الحذر واليقظة) إلى ميدان الحوار والتفاوض (حيث يمكن الغدر والخديعة)، بغرض التمكن اغتيال القيادة والقيادات الجديدة، وتنفيذ ضربات وهجمات مباغتة ضد الأهداف التي لم تتمكن من الوصول إليها حتى الآن. وذلك نظرًا لاختلاف وضعي الحرب والسلم؛ فعادة ما تتسم الأولى بالحذر واليقظة والانتباه، بينما تتيح ظروف السلم (أو التهدئة) فرصًا أكبر للاختراق.
ونظرًا لأهمية عامل الوقت لدى واشنطن في البحث عن فرص وقدرات ووسائل بديلة، عند عدم التمكن من تحقيق الأهداف المطلوبة بأقل الخسائر والتكاليف، فإن هذا يفرض ضرورة التحول نحو استراتيجية التهدئة المؤقتة، وتكثيف أساليب الخداع والمكر، والتفاوض الأمريكي الترمبي باعتباره الطريق الأقرب للوصول إلى هذه الأهداف، على أمل التمكن من تكرار سيناريو الجولتين السابقتين.
• كسب أداة ضغط دولية:
تعتقد واشنطن أنها بهذا الأسلوب تمارس ضغطًا نفسيًا —سياسيًا وإعلاميًا— على طهران، يؤدي إلى إرباك المشهد السياسي والوطني، واستفراغ الجدية العسكرية والأمنية والحماس الشعبي. ولذا تضغط بشكل مباشر وغير مباشر على ضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى مسار الحوار والتفاوض مجددًا، في ظل ظرف لا يسمح لطهران بالجلوس مع الأمريكيين تحت ضغط الإملاءات والتهديدات. ولأن هذا الضغط قد يضع طهران أمام خيارين صعبين:
الخيار الأول: أن تذهب مكرهةً مرغمةً إلى طاولة التفاوض تحت ضغوط ترامب وتهديداته، وكما يريد هو. وهذا ينتقص من هيبتها وسيادتها واستقلالها وحرية قرارها، ويؤثر سلبًا على تماسك الشعب الإيراني، والرأي العام العربي والإسلامي والدولي.
الخيار الثاني: أن تتمنّع وترفض، فتظهر بمظهر المتعنت الذي لا يريد السلام والأمن والاستقرار.
وهذا يضعف موقفها الدفاعي داخليًا وخارجيًا، ويضعها في مواجهة مباشرة مع الإرادة الدولية التي رفضت المشاركة في الحرب والعدوان حتى الآن، وتطالب بضرورة وقف الحرب والذهاب إلى صفقة أو تسوية سياسية مرضية. وربما يوفر هذا الأمر لواشنطن أداة ضغط دولية على طهران، تبدأ بالعمل على إقناعها بضرورة الإستجابة للمسار السياسي والدبلومسي باعتباره الحل الوحيد، والذي قد يتطور إلى إنتزاع أهم المكاسب من يد طهران، أو تستغله واشنطن للدفع بهذه الدول إلى الإنخراط العسكري المباشر في العدوان بذريعة حماية حرية الملاحة، دون النظر إلى الظروف التي جاء فيها التحول الأمريكي الإسرائيلي، وسياقات الحرب والعدوان، ومناخات الحوار والتفاوض غير المتوفرة حالاً، والتي يسعى ترامب لفرض أجندتها كما يريد، رغم تعارضها مع أسس الفطرة والمبادئ والأخلاق، والمواثيق والقوانين الدولية، والأعراف والتقاليد السارية، والسيادة والحقوق المعترف بها دوليا.
وهذا الضغط —لا شك— يخلق وضعًا قد يربك المشهد السياسي والوطني في طهران، ويؤثر على القيادة (أو بعض القيادات السياسية) ذهنيًا وفكريًا ونفسيًا، وقد يمزق وحدة القرار، وكأنه جزء من خطة الحرب الحرب النفسية والمعنوية (الحرب الإدراكية – Perception Warfare)، بما يؤدي إلى تشتيت الجهود والطاقات، وتباين وجهات النظر بين المسؤولين، والإنشغال عن إدارة الحرب ومواجهتها بأمور ثانوية مفروضة.
وهذا ما تأمل أمريكا أن ينعكس سلبًا على إدارة الحرب العسكرية والأمنية.وبهذا تكون أمريكا —كما تعتقد— قد وضعت إيران أمام معضلة مزدوجة: إما القبول بالتفاوض تحت الضغط (فيُنتقص من هيبتها)، أو الرفض (فتُصوَّر على أنها مانعة للسلام). وكلا الخيارين يخدم الأهداف الأمريكية، سواء من خلال كسب أداة ضغط دولية، أو من خلال إرباك المشهد السياسي الإيراني داخليًا.
• تقييم الرؤى والقدرات الإيرانية: نقطة أخرى تهم واشنطن قياسها والتحقق منها، وهي تقدير الموقف الحالي لطهران:
هل هي في حالة تراجع وضعف واستسلام أم لا؟ وهل هناك فرضية للاستجابة وتقديم التنازلات؟ وهل هناك أي تغير في رؤية القيادة والسياسيين الإيرانيين للتعامل مع أمريكا؟ودراسة هذا التقدير خيارًا ضروريًا لدى القيادة العسكرية للحرب، وتُوكَل مهمة استنباطه للمستوى السياسي. ولذا عادة ما يترافق مع أي صراع دعوات مستفيضة للحوار والتفاوض، وضرورة بحث وجهات النظر وتبادل الأفكار والمقترحات وخرائط الحلول، وعلى ضوئها يستطيع كل طرف أن يقيم مستوى وضع الآخر.
ولهذا تسعى أمريكا من خلال التهدئة والمفاوضات إلى أن تقيّم الموقف الإيراني بدقة: هل هناك ضعف أو تراجع؟ هل هناك استعداد لتقديم تنازلات؟ هذا التقييم مهم للعسكريين والسياسيين على حد سواء، لأنه يحدد الخطوات القادمة.
• تحديث بنك الأهداف: تحتاج واشنطن إلى تحديث بنك الأهداف والمعلومات (Targeting Database) مجددًا.
بعد أن تعطلت لديها أهم منصات الرقابة الإلكترونية وتقنيات الرصد والتتبع الرقمي والتكنولوجي والذكاء الإصطناعي، التي استهدفتها طهران لثبوت استخدامها في الإغتيالات التي نفذتها أمريكا والكيان الصهيوني في إيران والمنطقة، وهو ما أعلن عنه في حينه. وبعد أن فقدت الكثير من مواردها البشرية التي تم تعقبها وضبطها، وهو ما عطّل عملية الرصد والتحديث المستمرين، وصعّب الإستمرار في عمليات الإستهداف.ولا سيما في ظروف الحرب، التي تختلف كثيرًا عن ظروف السلم، حيث تفرض الحرب الكثير من الإجراءات الاحترازية والتدابير الأمنية المشددة، والتحفظ والتمويه والتخفي، وإعادة التموضع الأمني والعسكري باستمرار، وفقًا لخطط الحرب والطوارئ التي تقتضي إعادة الانتشار الأمني دون توقف.
وقد أدت هذه العوامل إلى خروج الكثير من الأهداف عن الرصد والمتابعة، وإبعادها عن الاستهداف. مما أفقد أمريكا وإسرائيل القدرة على الاستمرار في تنفيذ العمليات الدقيقة، وهذا الأمر يحتاج إلى تهدئة تسمح بإعادة بناء وتجهيز الموارد والقدرات.
• تفكيك الوحدة الوطنية الإيرانية:
تهدف واشنطن إلى الاستفادة من نتائج الهجمات والضربات العسكرية والاغتيالات وتداعياتها، في تفكيك الوحدة الوطنية والسياسية التي ساهمت في تقوية الموقف السياسي والعسكري الإيراني، وأضعفت الموقف الأمريكي الصهيوني. وذلك على أمل التمكن من إضعاف الساحات الشعبية وتفريغها، والتأثير على حالة التعبئة العامة والحماس الثوري، والتهيئة لاستئناف الإحتجاجات المعارضة للسلطة والنظام.
وهذه نقطة مهمة وخطيرة جدًا، تحسب لها واشنطن وإسرائيل ألف حساب. لذا يجري العمل على استغلال تداعيات الحرب لتفكيك الوحدة الوطنية الإيرانية، من خلال احتواء الغضب الشعبي وإعادة توجيهه ضد النظام، والتعويل على الخلاف والتناقض والتباين في وجهات النظر على أجندة التفاوض المقترحة، وإحداث انقسامات وصدامات داخل النخبة السياسية والعسكرية، مما قد يؤدي إلى التأثير على ثبات واستقرار مركز القرار الإيراني ووحدته. وهذا ما كانت تراهن عليه واشنطن ابتداءً.
• إعادة بناء الشبكات الاستخباراتية: تحتاج واشنطن إلى وقت إضافي من التهدئة، تعمل فيه على إعادة بناء وترميم ما خسره الموساد وأجهزة التخابر الأمريكية والحليفة. لأنها تلقت ضربة أمنية أضرت بها كثيرًا، لا تقل فداحة عن الضربات الصاروخية بعد عقود من الإستثمار والبناء والتحضير والإعداد.فالوضع إذن معقد ومشتبك من عدة اتجاهات، وتحتاج أمريكا إلى وقت زمني لفكفكة هذه التشابكات وحلحلة عقدها.
وأعتقد أن هذا كان خيارًا اضطراريًا للمخابرات والبنتاغون دفع إلى الضغط على الإدارة الأمريكية للعمل على استئناف التفاوض والدخول في تهدئة مؤقتة، تساعد على تجنيد عملاء وجواسيس جدد (تجنيـد أصول جديدة – New Asset Recruitment) لتعويض النقص الكبير الذي أصابها. ولهذا استمر ترامب في ضغطه وإصراره على ضرورة الدخول في هدنة مؤقتة اختلفت مددها من ورقة لأخرى، ثم استقرت على خمسة عشر يوما بوساطة باكستانية.
• منع انتصار طهران: تتخوف الإدارة الأمريكية والصهيونية من حصول طهران على مكاسب ميدانية تمثل نقاط قوة، تؤدي لخروجها من الحرب ولو بشبه انتصار (انتصار معنوي – Moral Victory) في حال استمرار الحرب طويلاً، لأن ذلك يصب في مصلحة طهران بلا إشكال، ويفيدها في بناء الخبرات وتعزيز القدرات وتطويرها، ومراكمة المكاسب والإنجازات، وهذا حقيقة تاريخية وحديثة ومعاصرة.فعندما تستمر الحروب طويلاً يتعذر حسمها عسكريًا، وتنتهي بتسوية سياسية غير مرضية للطرف الأقوى (المعتدي غالبًا)، وفي صالح الطرف الأضعف المعتدى عليه، الذي يستفيد من طول أمد الحرب في تحسين وضعه وقدراته وشروطه. ولهذا تجارب ونماذج كثيرة في الماضي والحاضر، ومنها:· الحروب الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والعراق· الحرب العراقية الإيرانية· الحرب العدوانية الأمريكية السعودية على اليمن (منذ عشر سنوات)· الحرب الروسية الأوكرانية
• لماذا لا تريد أمريكا حربًا طويلة؟
بما أن كل العوامل تشير إلى أن الحرب ذاهبة نحو التوسع وعدم الحسم —الأمر الذي يخدم طهران— فليس من مصلحة واشنطن والكيان الاستمرار طويلاً فيها. كما أنه لم يعد من سياسة أمريكا الاستمرار في حروب طويلة غير ممكنة الحسم ولا مضمونة النتائج.فأمريكا لا تريد قيادة حرب طويلة تتطلب مواجهة مباشرة تخاطر فيها بجنودها وتستنزف قدراتها وتضر بهيبتها. إذ لا مصلحة لها أن تتموضع وتغرق في حرب بلا أفق ولا نهاية. وفي مثل هذه الحالة فإن خيارها المفضل تبني الحروب بالوكالة (Proxy Wars) التي لا تعدم متبرعوها، فيما تبقى في الخلف، تديرها وتغذيها وتستثمر في مبيعاتها، ثم تستفيد من مكاسبها السياسية والأمنية والاقتصادية.
من أبرز أمثلة هذه الإستراتيجية الأمريكية الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ أربعة أعوام، حيث عملت أمريكا على تغذية كل عوامل استمرارها، ودفعت بأوروبا والغرب إلى تمويلها، فيما هي تبقى تشرف وتبيع السلاح، وبما يؤدي إلى إغراق روسيا واستنزافها وإضعافها دون كلف وخسائر تتورط أمريكا فيها مباشرة.ولهذا عملت على استثمارها ضد أوروبا وروسيا معا، وفرضت تقديم كل أوجه الدعم الكبير والشامل لأوكرانيا (ماليًا وسياسيًا واقتصاديًا وتقنيًا وعسكريًا وأمنيًا)، بما يستغرق أطول مدة ممكنة تستنزف “الدب الروسي” وتنهكه بطريقة غير مباشرة، مع فرض عقوبات اقتصادية ومالية شاملة أضرت بموسكو واقتصادها. وهذا أخطر مستنقع أرادته أمريكا لأوروبا وروسيا معا، منذ ما بعد الحرب الباردة، وبما يعزز من هيمنتها السياسية والإقتصادية والعسكرية.
• خشية التورط في حرب استنزافية:
تدرك واشنطن أن هناك أطرافًا دولية تعمل على توريطها في حرب استنزافية بلا أفق ولا أهداف ولا نهاية، ومن مصلحتها أن تعمل على تغذيتها وتوسعتها بما من شأنه تحقيق كل ذلك، وبما يؤدي إلى استنفاد قدراتها واستنزاف خبراتها وكشفها في مجالات أمنية وعسكرية واستخباراتية مهمة جدا، وانشغالها عن ملفات أساسية في المنطقة والعالم. وهذا ما يدفعها للحذر من التورط في هذا المستنقع الخطير.
ولذا، لا أعتقد أنها توقعت الاستمرار في الحرب ولا حتى لشهر واحد. وسبق وأن صرحوا في البداية —ولا يزالون— بأن الحرب ستنتهي في ظرف قصير ومؤقت بأسرع مما هو مخطط لها.
ولما لم تسير الأمور وفق هذه العقيدة والتقديرات ضغطت وتضغط للحصول على أي مخرج منها، ولو بمقدمات شكلية تبعد عنها شبح الفشل والإخفاق، وبما يبقي على الوضع دون أي تسوية نهائية وشاملة، أو مكاسب تحرزها طهران، وبما لا يخرج عن سيطرتها، وهو ما يبدو متعذرًا حتى الآن.
• الاستراتيجية الأمريكية المفضلة:تقوم سياسة أمريكا واستراتيجيتها العسكرية على الحروب الخاطفة (Blitzkrieg) والعمليات السريعة والحاسمة. ولذا تعتمد على استغلال نقاط الضعف والثغرات لدى خصومها، لتنفيذ هجمات مباغتة وخاطفة وعمليات نوعية في الأماكن الحرجة والضعيفة، ثم تصنع منها نصرًا استراتيجيًا كبيرًا مهيبًا مرعبًا، على نحو ما عملته في فنزويلا.والآن، حاولت وما زالت تحاول الحصول على أي تموضع أو ثغرة تستغلها لتنفيذ عملية خاطفة ومباغتة في إيران، لتصنع منها نصرًا استراتيجيًا يمكنها من إنهاء الحرب بالطريقة التي تريدها. وهذا يعني أن أمريكا ليست مع إطالة أمد الحرب أبدًا، وستبقى تبحث عن أي فرصة متاحة تساعدها على ذلك.
ثالثاً: آفاق المسار الدبلوماسي والحلول المتوقعة
بالنسبة لآفاق المسار الدبلوماسي والحلول المتوقعة فلا يوجد رصيد إيجابي يعتمد عليه لبناء الثقة مع أمريكا أبدًا، وستكون الكلمة الفصل والأخيرة لمكتسبات وإنجازات الميدان فقط، ولأن منهجها وأسلوبها يقوم على الخداع والحيل بشكل متواصل ومتلاحق، وبالذات في سياستها مع إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية وإلى اليوم، ولهذا سبق للإمام الخميني أن وصفها بـ “الشيطان الأكبر” من منطلق معرفته بها وبتاريخها وسياستها.وهكذا هي طرق الشيطان ووسائله وأساليبه في التغرير والخيانة والمخادعة، التي تقوم على قدر من الدبلوماسية الناعمة والحوار والتفاوض من خلال ما نسميه بالوسوسة الدائمة والمستمرة، وهذا هو أسلوبه الاستراتيجي منذ آدم (ع) وإلى اليوم.
لهذا فقد يكون لأي حوار وتفاوض مع الأمريكيين انعكاسات سلبية إذا لم يُبنَ على خطوات صحيحة وقوية وموثوقة، وإلا فإنه —في هذا التوقيت بالذات— يحمل أضرارًا كثيرة وخطيرة ينبغي التنبه والحذر الشديد من الوقوع فيها، والتنبه كذلك لخطر ممثلي أطراف التفاوض، وهناك نماذج وتجارب سياسية —تاريخية وحديثة— ينبغي الاستفادة من أساليبها ونتائجها، وفي مقدمتها مفاوضات الشيطان مع أبينا آدم التي أوقعته في الخطيئة والندم، ولهذا تكرر ذكرها في القرآن المريم، وذكرت في الكتب السماوية، وكذلك مفاوضات صفين التاريخية بين الشاميين والكوفيين والتي انتهت بخديعة وانتكاسة كبرى لا تزال تأثيراتها وتداعياتها مستمرة إلى اليوم.
• نقاط القوة الإيرانية وإمكانية التسوية:
لا يوجد ما يبعث على التفاؤل والثقة في أمريكا ابدا، ألا أنه لا ينبغي تجاهل حقيقة وجود مكتسبات ثمينة لطهران تمثل نقاط قوة وضغط شديد ينبغي حراستها والحذر من التفريط بها، وبالإضافة إلى قبول ترامب العلني بالنقاط العشر الإيرانية، ومستوى التمثيل الرفيع للوفدين— الأمر الذي قد يفتح بصيص أمل نحو تسوية شبه مرضية لكل الأطراف ولو بعد حين وإلى حين، ما لم يستجد ما يمنع ذلك.وكذلك، بالمثل، لا نغفل مسألة وجود أهداف وتجارب أخرى معاكسة، لا تبعث على التطمين ولا تفتح أي باب للتفاؤل أو التنبؤ بنتائج إيجابية. وبين هذه وهذه، تبقى العبرة بالإنجازات والمكتسبات على أرض الميدان ونتائجها وخواتيمها.
• التحديات الوجودية:
بيد أنه ينبغي التنبه إلى وجود عدد من التحديات الوجودية التي تتطلب أعلى درجات الحذر والإنتباه، إذ أن حجم الهجوم والعدوان وأهداف العدو وسوء نواياه المعلنة تنبئ بمخاطر كبيرة وصعبة وتحديات وجودية (Existential Threats)، تتطلب من طهران والمحور بالذات —قيادة وحكومة وشعبًا وجيشًا ومقاومة— البناء على أسوأ الاحتمالات (Worst-case Scenario Planning)، والتوقف —بوعي وتركيز— عند قاعدة أمريكا “الشيطان الأكبر”، التي جاءت على يد الإيرانيين ابتداءً، وأن تبقى حاضرة في البال وفي كل الأعمال والمهام.
• لا مجال للثقة:
وبالنظر إلى ما سبق فإنه لا يوجد إطلاقًا ما يشجع أو يرغّب ولا ما يمكن الوثوق به والاطمئنان إليه حتى الآن. ولا يُلمس أي توجه جدي لدى الإدارة الأمريكية والصهيونية لإحلال السلام والهدوء والاستقرار في المنطقة. بل كل التجارب والمؤشرات تشير إلى أنها تهدئة اضطرارية خاطفة وانتقالية (Tactical Temporary De-escalation)، يتموضع فيها الأمريكيون والإسرائيليون لإعداد خطط جديدة وتنفيذ هجمات مباغتة نحو أمر ما، كما هو المعهود في الجولات السابقة.وعليه، فإن ما تم استعراضه وتحليله من معطيات تمثل —حسب استنتاج الكاتب— أبرز الدوافع والأسباب المتعلقة بإصرار ترامب اليومي والمتكرر والمتشنج، وضغطه وتهديده وتوسله، على ضرورة موافقة طهران على تهدئة مؤقتة واستئناف للحوار والتفاوض، والتوصل لإتفاق وصفقة بأي وسيلة كانت، حسب تصريحاته.
وخلاصة القول:
أن كل إخفاق أمريكي هو إخفاق إسرائيلي، والعكس صحيح. وأن كل الإخفاقات الأمريكية الصهيونية تمثل —في نفس الوقت— عوامل نجاح وقوة لطهران والمحور، قد تؤدي —بعون الله وتأييده— إلى تثبيت معادلات جديدة في المنطقة وخارجها، خلافًا لما تسعى إليه واشنطن والصهيونية.
ولله عاقبة الأمور.وأخيرا، ينبغي التأكيد على أن ماتم مناقشته وتحليله لا يعني —بأي حال— عدم إدراك إيران —قيادة وشعبًا— لخطورة ما يحيك الأمريكي من خطط ومكائد، ويعده من أضرار وتحديات، بالنظر إلى سوء إستغلاله للدبلوماسية ومبادرات حسن النوايا التي لا تتفق وسوء نواياه وأهدافه، فالإيرانيون أصحاب ذكاء وفطنة ومهارة وتخصص وخبرة وتجربة طويلة في التعامل مع الأمريكيين بالذات، ولديهم رصيد كبير يؤهلهم للتعامل مع كل الأبعاد والتوقعات، وعدم السماح لأن يتحول عامل الوقت إلى فرصة يستغلها العدو للتعويض عن فشله وإخفاق والإجهاض على ما تحقق من مكتسبات وإنجازات، وفي نفس الوقت —كذلك أيضا— لا ينبغي تفويت فرصة الإستغلال الذكي للتهدئة والإستفادة منها. كما أن الكثير من تجارب ودروس الحاضر والماضي لا تزال حاضرة وراسخة في العقيدة والعقلية الإيرانية وقيادات المحور، وطلائعه ونخبه وأنصاره وجماهيره الأوفياء، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
والجريمة الشنيعة والكبرى التي أقدم عليها الأمريكيون والإسرائيليون باغتيال المرشد الإيراني والقيادات العليا في طهران والمحور، ليست بالأمر السهل والبسيط الذي يمكن التقليل من مخاطره وتحدياته، أو عدم إدراك الأهداف الكبرى من ورائه، واستشعار مسؤوليتنا التاريخية والمفصلية في ضرورة التصدي له وإفشاله.
