لم يكن مستغرباً على كيانٍ قام على الغدر والمجازر أن يستهدف آلية علنية للجيش اللبناني صباح اليوم على طريق “الخردلي – النبطية”، ليُسفر هذا العدوان الغاشم عن ارتقاء ثلة من أبطال المؤسسة العسكرية شهداء، وعلى رأسهم ضابط كبير برتبة “عميد”. إن هذه الجريمة النكراء ليست مجرد حادث تكتيكي في جغرافيا الجنوب، بل هي طعنة صهيونية مباشرة ومقصودة في قلب السيادة اللبنانية، وصفعة مدوية لكل من راهن — أو لا يزال يراهن — على “الضمانات الدولية” وأكاذيب الوسطاء.
إن هذا الاستهداف السافر يُمثّل منعطفاً استراتيجياً يُسقط ورقة التوت عن نوايا العدو الحقيقية، ويُثبت بالملموس أن الدم اللبناني واحد، وأن هذا الكيان لا يميّز بين بَذلة مرقطة للمؤسسة الشرعية وجسد مقاوم يحمل بندقيته في الخندق.
التوقيت الخبيث: رسائل إرهاب صهيونية لكسر الموقف الرسمي
يأتي هذا الاعتداء الغادر في توقيتٍ سياسيّ بالغ الحساسية، وتحديداً غداة المواقف والمقابلة التلفزيونية الأخيرة لرئاسة الجمهورية اللبنانية، وفي ذروة الحراك التفاوضي الحثيث. يحاول العدو الصهيوني من خلال هذا القصف المباشر تحقيق أهداف مكشوفة:
الابتزاز بالنار على طاولة المفاوضات: يسعى الاحتلال إلى فرض إملاءاته الأمنية وشروطه التعجيزية على الدولة اللبنانية تحت وطأة الترهيب، ميعززاً رسالته بأن أي موقف سياسي لا يخضع لمطالبه سيُترجم قتلاً وتدميراً في الميدان.
تقويض الموقف السيادي للعهد الجديد: إن ضرب الجيش اللبناني غداة كلام الرئيس هو محاولة صهيونية وقحة لإحراج الدولة وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية ضباطها وجنودها، وبالتالي كسر هيبة المفاوض اللبناني وجعله يدخل قاعات التفاوض مكبلاً بالخوف.
اغتيال رتبة “عميد”: سقوط خطوط الحماية الوهمية
إن تعمد استهداف واغتيال ضابط برتبة “عميد” (Brigadier General) يحمل دلالة أمنية خطيرة. فالعدو يبعث برسالة إلى العقيدة الوطنية للجيش اللبناني مفادها: لا توجد “حصانة سيادية” ولا خطوط حمراء، ولا مظلة دولية يمكنها حماية أحد في لبنان إذا قرر الكيان الاستباحة.
أمام هذه الدماء الزكية، لا مكان للرمادية أو للخطاب الحيادي العقيم. إن الفكر النهضوي المقاوم يفرض اليوم قراءةً جذرية تُحول هذه الفاجعة الوطنية إلى محطة تاريخية لاستنهاض الهمم وتثبيت عناصر القوة الحقيقية:
ترسيخ ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”: هذه الدماء الطاهرة تعمّد باليقين القاطع صوابية المعادلة الذهبية. فالجيش والمقاومة يلتقيان في خندق التضحية نفسه أمام عدو يستهدف الهوية والسيادة اللبنانية ككل. تلاحم الدم في ميدان الجنوب يجب أن يترجم فوراً تلاحماً سياسياً وطنياً شاملاً، يقطع الطريق على الأبواق التي تحاول زرع الفتنة بين رفاق السلاح.
رفض التفاوض تحت النار: على الموقف اللبناني الرسمي أن يزداد صلابةً وتمسكاً بعناصر القوة. إن دماء شهداء الخردلي يجب أن تكون الرد اللبناني الصارم والوحيد على طاولات الدبلوماسية: “لا تفاوض تحت وطأة الإرهاب، ولا تنازل عن ذرة تراب أو قطرة دم”.
بناء الوعي السيادي الحقيقي: إن النهضة الحقيقية تبدأ من الإيمان بأن القوة هي الضمانة الوحيدة للحق. سلاح المقاومة المتلاحم مع عقيدة الجيش الوطنية هو الدرع الفعلي الذي يمنع العدو من استباحة العاصمة والمدن، وهو القوة التي تجبر المحتل على الانكفاء، وليس الوعود الدبلوماسية المهترئة.
إن طريق “الخردلي – النبطية” المعمّد اليوم بدماء شهداء الجيش اللبناني، سيبقى شاهداً على حقيقة واحدة: هذا الوطن لا يحميه الضعف ولا تحرسه الاستجداءات على أعتاب المنظمات الدولية. من هذا المنطلق، يتبيّن أن الرد الحقيقي على هذه العربدة الصهيونية ليس بتقديم الشكاوى العقيمة، بل بتجذير خيار الصمود، ومواصلة مراكمة عناصر القوة، وضرب اليد التي تطاولت على حماة الديار. إن دماء العميد ورفاقه هي وقود لنهضة وطنية جامعة، تحرق أوهام التسويات المذلة، وتُعبد الطريق نحو سيادة حقيقية تُنتزع انتزاعاً بصمود الشعب وبسالة المقاومة وعقيدة الجيش.
د. نبيلة عفيف غصن
