أعلن الرئيس النيكاراغوي دانييل أورتيجا في خطوة تاريخية وجريئة لحماية السيادة الوطنية عن إلغاء النظام الانتخابي التقليدي لضمان استقرار البلاد الدائم ومنع أي محاولات مستقبلية لزعزعة استقرار الحكم، وجاء هذا القرار الاستراتيجي خلال خطابه بمناسبة الذكرى الـ47 لـ”ثورة الساندينيستا” المجيدة، مؤكداً أن الإجراء يهدف صراحة إلى قطع الطريق أمام القوى المعارضة المدعومة خارجياً ومنعها من استغلال الصناديق لتنفيذ أجندات انقلابية أو الاستيلاء على مقدرات الدولة الشعبية.

ومن يقرأ هذا الإعلان للوهلة الأولى قد يظنه تكريساً للدكتاتورية، لكن من يتابع جغرافيا سياسية أوسع ويتأمل “الغول الإمبريالي” الذي عاد ليجثم بثقله على صدر أمريكا اللاتينية والوسطى، يوقن أن هذا القرار يمثل ذروة الحسم الثوري وحائط صد حتمي لحماية استقلال الشعوب، فالسقوط في وحل اللعبة الديمقراطية المصممة في دهاليز واشنطن لم يجلب للقارة سوى التبعية والانتكاسات، وها هو صعود خافيير ميلي في الأرجنتين أواخر عام 2023، وتحوّل عدة دول لاتينية نحو اليمين المتطرف، يشكل مؤشراً خطيراً على عودة الارتماء الكامل في أحضان الإمبراطورية وتفكيك المكتسبات الشعبية.

لقد تحولت الصناديق الانتخابية إلى حصان طروادة تستخدمه الإمبريالية لاختراق الدول وتدمير استقرارها من الداخل، وتم هذا بعد التآمر الشرس على القائد الأممي نيكولاس مادورو في فنزويلا، والذي خطفه المتآمرون الإمبرياليون لأنه كان يمثل قلعة عنيدة ضد الهيمنة والغطرسة، واليوم يمتد الخطر المحدق ليدق أبواب البرازيل التي تواجه تهديداً حقيقياً بعودة اليمين عبر مرشح مدعوم من إدارة دونالد ترامب في واشنطن وصديق حميم لبنيامين نتنياهو، مما يهدد بنقل قلب القارة إلى محور التبعية الكاملة للمخططات الصهيونية والأمريكية، وحتى المكسيك، فرغم صبغتها اليسارية، إلا أنها بقيت محكومة بسقف يسارية على قياس اليمين الإمبريالي، عاجزة عن الخروج الكامل من عباءة الهيمنة الشمالية.

ولم تقف موجة الردة اليمينية عند هذا الحد، بل برزت الخيانة الكبرى من الداخل لتثبت زيف الشعارات وسقوط الأقنعة، وتجلى ذلك بوضوح في طعن ديلسي رودريغز للثورة البوليفارية في الظهر؛ هذه الخائنة التي ارتضت أن تكون أداة منصّبة في كراكاس عقب اختطاف مادورو لتنفذ بالحرف إملاءات واشنطن، فعمدت إلى تفكيك المكتسبات والبرامج الاجتماعية التي أسسها تشافيز ومادورو، وفتحت الأبواب للقوات الأمريكية ولقاء الوفود الصهيونية لإعادة بناء العلاقات مع الاحتلال تحت غطاء المساعدات، مما يبرهن على أن هذه الوجوه خانت القضايا التحررية وارتمت في أحضان المحور الصهيو-أمريكي، وأن الديمقراطية الليبرالية في أمريكا اللاتينية باتت الأداة المفضلة لشرعنة الاحتلال المقنع وصناعة الطابور الخامس.

ولقد هبطت على أمريكا اللاتينية أيضاً المزيد من لعنات الارتداد نحو اليمين الإمبريالي الفاشي، ولا سيما في كولومبيا وتشيلي؛ حيث سحقت المؤامرات الاستعمارية مكاسب الشعوب، وأحيت روح التبعية والعمالة لواشنطن بعد سنوات من الأمل والتحرر. إن هذا الانتكاس العميل لم يكن مجرد هزيمة سياسية عابرة، بل ضربة قاصمة لقلب المقاومة العالمية؛ إذ خسرنا في فلسطين قلاعاً ثورية وتاريخية صلبة ومنابر حرة، وخسرنا ظهيراً ثورياً استثنائياً مثل غوستافو بيترو، الذي طالما صدح بالحق الفلسطيني وزلزل عروش الاحتلال في المحافل الدولية.
وهذا كله حصل نتيجة الديمقراطية الزائفة؛ تلك الألعوبة المصممة في دهاليز الاستعمار لتزييف وعي الجماهير وإعادة تدوير الطغاة والعملاء باسم “صناديق الاقتراع” الملوثة بالمال الأسود والإعلام المضلل. واليوم تتبدد هذه الحصون وتُباع مواقف تلك الدول في سوق النخاسة الإمبريالي، ليُترك شعبنا في عراء المواجهة أمام آلة الإبادة والغطرسة بعد أن فُككت القلاع اللاتينية المناصرة التي هزت الإمبريالية وذراعها الكولنيالي.

ولا ننسى في خضم هذه المعركة المصيرية حجم المؤامرات الشرسة والحصار الجائر المتواصل الذي تتعرض له الآن القلعة الكوبية الشامخة؛ كوبا الصمود التي دفع شعبها ولا يزال يدفع ثمن تمسكه بخياره الاشتراكي السيادي ورفضه الركوع أمام الحصار الاقتصادي الأمريكي الخانق، لتؤكد هافانا بمقاومتها التاريخية الأسباب الحقيقية التي تدفع حركات التحرر في المنطقة إلى التخلي عن الأوهام الليبرالية واتخاذ التدابير الثورية القاسية لقطع يد التخريب الإمبريالي.

بناءً على هذه المعطيات، فإن الخطوة النيكاراغوية هي أعلى درجات “الدكتاتورية الثورية المحقة”؛ سلطة حازمة تقطع الطريق على الخونة وتصون دماء الشهداء، ولتذهب الديمقراطية التي تجلب التبعية والاحتلال إلى الجحيم، فالحرية الحقيقية لا تصنعها صناديق تملك مفاتيحها واشنطن، بل تحميها البنادق والقرارات السيادية الشجاعة التي ترفض الركوع أمام طغيان رأس المال والامتداد الصهيوني في القارة الثائرة.

ولأن بوصلتنا فلسطين، نحب أورتيجا حيث يمتد تحالفه التاريخي مع الثورة الفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي كجزء لا يتجزأ من النضال العالمي ضد الإمبريالية، وحيث تجسد هذا الدعم بقراره الحاسم بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني بالكامل رداً على حرب الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في غزة، رابطاً هذا الإجرام بالدعم والغطرسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بل وتوجت نيكاراجوا هذا الموقف الثوري الشجاع بمقاضاة حلفاء الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية ورفع دعوى ضد ألمانيا بتهمة تسهيل الإبادة، معلنة من على منصات الأمم المتحدة والمحافل الدولية دفاعها المطلق عن الحق الفلسطيني؛ فماذا ستفرز هذه الانتخابات في ظل هذه المؤامرات غير نعال جديد ترتديه الصهيوإمبريالية إن جرت؟!

أبو الأمير_القدس