في تحذير هو الأول من نوعه بهذا التفصيل، كشفت محافظة القدس عن مخطط ميداني متكامل الأركان يستهدف تهويد المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى المبارك، عبر تحويل “باب الرحمة” ومحيطه إلى نقطة صلاة يهودية دائمة، في سيناريو يُعيد إلى الأذهان ما جرى مع حائط البراق بعد عام 1967.

جاء التحذير في بيان رسمي صدر عن محافظة القدس، أمس الأحد، محمّلاً بمعطيات ميدانية دقيقة تكشف عن انتقال الدعوات الدينية من دائرة الترويج الرقمي إلى خطوات عملية منظمة، تقودها شخصيات صهيونية معروفة بانتمائها إلى جماعات “الهيكل” المزعوم.

وبحسب البيان، فإن ما يجري عند باب الرحمة ليس طقساً عابراً مرتبطاً بالأعياد اليهودية الموسمية، بل “مسار منظم لفرض واقع جديد في محيط المسجد الأقصى”، يبدأ بتطبيع الطقوس وتكرارها، ثم تحويلها إلى حضور دائم وممارسة اعتيادية، وصولاً إلى تكريس وقائع جديدة على الأرض تهدف إلى تغيير هوية المكان الدينية.

المرحلة الأولى: التأصيل الرقمي

تكشف المعطيات التي رصدتها محافظة القدس أن المرحلة الأولى من المخطط تقوم على خلق بنية تحتية دعائية رقمية، تمهّد لاحقاً للتحرك الميداني.

فقد رصدت المحافظة منشورات دعائية واسعة تنشرها جماعات “الهيكل” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب إنشاء مجموعة عبر تطبيق “واتساب” تحمل اسم “أبواب الرحمة افتحي لنا”.

ويقوم الخطاب الدعائي على ترويج رواية دينية يهودية تعتبر الجهة الشرقية من سور المسجد الأقصى، ولا سيما باب الرحمة، ذات قداسة وأهمية خاصة.

وتربط هذه الجماعات الباب بما يسمى “الهيكل” و”الشكيناه” (الحضور الإلهي وفق المعتقد اليهودي)، بالإضافة إلى معتقدات حول “المسيح المنتظر” وعودة “الشكيناه” من هذه البوابة تحديداً.

الهدف من هذا التأصيل الرقمي، بحسب التحذير، هو “إعادة تقديم باب الرحمة باعتباره موقعاً دينياً يهودياً يمكن الوصول إليه والصلاة فيه”، في محاولة لخلق شرعية زائفة قبل الانتقال إلى الخطوات العملية.

المرحلة الثانية: التطبيع الميداني

الانتقال من الفضاء الرقمي إلى الأرض بدأ فعلياً في 27 أغسطس الماضي، وفق رصد محافظة القدس.

وتقف خلف هذه الخطوة شخصية صهيونية تُدعى “أوري أوحيون”، وهو ضابط سابق في جيش الاحتلال، بدأ الترويج للفكرة في 16 أغسطس، ثم نظّم أول تجمع ميداني في 27 من الشهر ذاته، تلاه تجمعان آخران في 3 و10 سبتمبر الجاري.

وشهدت هذه التجمعات أداء صلوات وطقوس جماعية، بينها النفخ في “الشوفار” (البوق اليهودي) بمحاذاة قبور المسلمين في مقبرة باب الرحمة الملاصقة للسور الشرقي.

وقد وثّق أوحيون نفسه هذه المشاهد بنشر مقاطع فيديو وصور عبر منصاته، قائلاً إن المشاركين “نفخوا في الأبواق وصوت الشوفار، ورفعوا هتافاً أمام الرب الملك”.وتكمن خطورة هذه المرحلة في أنها تحوّل الدعوة الافتراضية إلى فعل ميداني متكرر.

فالتجمعات الأسبوعية التي تتخذ شكل “صلوات سليحوت” تهدف إلى خلق روتين ديني يهودي في موقع حساس للغاية، يقع خارج أسوار المسجد الأقصى لكنه ملاصق لها، ما يمنحها غطاءً من “الطقوس الدينية العابرة” التي يمكن التطبيع معها تدريجياً.

المرحلة الثالثة: الهدف النهائي

المخطط، بحسب التحذير الرسمي، لا يتوقف عند حدود الطقوس المتكررة، بل يمتد إلى ما هو أخطر: “انتزاع نقطة صلاة دائمة عند السور الشرقي”، لتكرار سيناريو اقتطاع “حائط البراق”.ويستدعي هذا السيناريو المقارنة مع ما جرى في الجزء الغربي من سور المسجد الأقصى.

فحائط البراق، الذي يقع في الجزء الجنوبي من السور الغربي، كان وقفاً إسلامياً خالصاً، ولم يتخذه اليهود مكاناً للعبادة إلا بعد وعد بلفور عام 1917، قبل أن يستولي عليه جيش الاحتلال مع احتلال القدس عام 1967 ويحوّله إلى ما يُسمى “حائط المبكى”.

الآن، تريد جماعات “الهيكل” تكرار النموذج ذاته على الجهة الشرقية: بدأت بالدعاية الرقمية، ثم انتقلت إلى الصلوات الأسبوعية، وهدفها النهائي تحويل باب الرحمة إلى “حائط براق” جديد، نقطة صلاة يهودية دائمة على السور الشرقي للمسجد الأقصى.

السياق الأوسع: تصعيد متعدد الجبهات

يأتي هذا المخطط في سياق تصعيد صهيوني أوسع ضد المسجد الأقصى.

ففي اليوم نفسه الذي صدر فيه تحذير محافظة القدس، اقتحم نحو 240 مستوطناً متطرفاً باحات المسجد الأقصى من باب المغاربة، ونفذوا “جولات استفزازية وأدوا طقوساً تلمودية” بمناسبة “رأس السنة العبرية”.

وتزامنت هذه التحركات مع حشد واسع للمصلين اليهود في محيط حائط البراق، حيث أفادت وسائل إعلام صهيونية بمشاركة أكثر من 50 ألف مصلٍّ في مراسم “السليحوت” المركزية.

على الصعيد الدبلوماسي، كانت الأردن قد دعت في وقت سابق من أغسطس إلى اجتماع طارئ لوزراء خارجية دول عربية وإسلامية، محذرة من أن المسجد الأقصى يواجه “تهديداً وشيكاً” بالسيطرة الصهيونية الكاملة، وأن “العبث بالوضع القائم… قد يفتح الباب أمام صراع ديني ستمتد آثاره إلى ما هو أبعد من فلسطين والأردن”.

الخلاصة: هندسة جغرافية ودينية

ما يجري عند باب الرحمة، وفق التحذير الفلسطيني، ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل هندسة جغرافية ودينية مدروسة تهدف إلى تقسيم محيط المسجد الأقصى وفرض واقع جديد على أسواره. المخطط يبدأ بالكلمة على الشاشات، ويمر بالطقوس على الأرض، وينتهي بنقطة صلاة دائمة تُغيّر خريطة الحرم القدسي إلى الأبد.

وتحذر محافظة القدس من أن التعامل مع هذه الممارسات باعتبارها “طقوساً دينية عابرة” من شأنه تشجيع جماعات “الهيكل” على توسيع تحركاتها، وتحويل نقاط جديدة في محيط المسجد الأقصى إلى مواقع للتجمع والطقوس والصلاة، في تجاوز خطير ومتعمد للوضع التاريخي والقانوني القائم.

فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يُكتب لباب الرحمة ما كُتب لحائط البراق، أم أن الوعي المبكر بالمخطط يُشكّل حائط صدّ أمام تكرار السيناريو؟