تظل بيروت عبر التاريخ الحديث ذلك المختبر الجيوسياسي الأضخم والأكثر تعقيداً في الشرق الأوسط، نقطة تقاطع الصراعات الدولية وحلبة تصفية الحسابات الإقليمية. وفي حقبة السبعينيات، تحولت العاصمة اللبنانية إلى بؤرة اشتعال كبرى مع اندلاع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية.

من أروقة السفارة السوفيتية، راقب الدبلوماسي والمستشرق البارز فيتشسلاف ماتوزوف تفاصيل تلك التفاعلات العاصفة، ليقدم لاحقاً شهادة تاريخية تفكك الكثير من الأساطير وتكشف خفايا صراع طحنت أرحامه الدولة اللبنانية. إن استنطاق هذه الذاكرة الدبلوماسية يفتح الباب أمام قراءة استراتيجية مغايرة لطبيعة الصراع، بعيداً عن السرديات السطحية الموجهة.

ثنائية عظيموف – ماتوزوف: حجر الأساس للسياسة السوفيتية في بيروت

شهدت حقبة السبعينيات وصول فيتشسلاف ماتوزوف إلى الساحة الدبلوماسية في بيروت ليعمل تحت إمرة السفير السوفيتي الاستثنائي سرور عظيموف. لم يكن عظيموف دبلوماسياً عادياً؛ فهو شخصية مرموقة من أصول إسلامية (من جمهورية أوزبكستان السوفيتية)، وهو ما منح السفارة قدرة فريدة على نسج خيوط تفاهم عميقة وموثوقة مع الحركات الوطنية والتحررية في المنطقة العربية ولبنان.

تحت إشراف هذا الثنائي، وُضعت اللبنات الأساسية والرصينة للعلاقة الاستراتيجية بين الاتحاد السوفيتي من جهة، وكل من منظمة التحرير الفلسطينية وقوى الحركة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى. لم تكن هذه العلاقة مجرد تحالف عابر، بل كانت مظلة سياسية ودبلوماسية كبرى أرادت من خلالها موسكو موطئ قدم راسخ في الخاصرة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط في أوج الحرب الباردة مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة.

هندسة التحالفات: موسكو في عمق المحور الوطني والفلسطيني

بصفته مسؤولاً رفيع المستوى في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، انخرط ماتوزوف بشكل مباشر وميداني في إدارة العلاقات المعقدة مع القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها ياسر عرفات، فضلاً عن فصائل المقاومة الفلسطينية المتعددة كـ “فتح”، والجبهة الديمقراطية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

ولم تقتصر الاتصالات على الفلسطينيين فحسب، بل امتدت لتشمل مختلف قوى الحركة الوطنية اللبنانية اليسارية والتقدمية. لقد أدرك ماتوزوف بحسه التحليلي أن بيروت تمثل “طاولة خوارزميات” سياسية لا يمكن فك طلاسمها إلا بالاقتراب المباشر من نبض الشارع اللبناني والفصائلي.

كانت السفارة السوفيتية خلية نحل تدير توازنات دقيقة تحمي حلفاءها وتضمن موطئ قدم سوفيتي لا يستهان به في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.

الحقيقة الكبرى: براءة سوريا من دم كمال جنبلاط”

استناداً إلى تقارير استخباراتية دقيقة ورسمية كانت ترد مباشرة إلى طاولة اللجنة المركزية في موسكو في عهد الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف، فإن النظام السوري بقيادة الرئيس حافظ الأسد لم يكن متورطاً مطلقاً في اغتيال الزعيم اللبناني التاريخي كمال جنبلاط عام 1977.”

هذه الشهادة التي يقدمها ماتوزوف تعتبر نسفاً جذرياً لواحدة من أكثر السرديات تداولاً وتأجيجاً للعداء التاريخي في الوجدان اللبناني. فمن خلال قنوات الاستخبارات السوفيتية الموثوقة وشبكة رصدها الأخطبوطية في الإقليم، أكدت التقارير الحصرية أن دمشق بريئة تماماً من هذه الجريمة الزلزالية التي هزت لبنان وأطاحت بأحد أبرز أعمدته الفكرية والسياسية.

هذا الكشف يزيح الستار عن حجم التضليل الإعلامي والمخابراتي الذي رافق تلك المرحلة، والذي ههدف إلى توريط أطراف إقليمية في صراعات دموية مصطنعة.

المصلحة الإسرائيلية الخالصة: تدمير لبنان ونهب المياه

إذا لم تكن سوريا متورطة، فمن المستفيد الحقيقي من اغتيال كمال جنبلاط وتفجير الحرب الأهلية اللبنانية؟

يجزم ماتوزوف بأن الطرف الأوحد الذي امتلك مصلحة استراتيجية مباشرة ومطلحة في هذه الجريمة هو إسرائيل.لقد رمت تل أبيب من وراء اغتيال جنبلاط وإشعال الفتنة الداخلية إلى تحقيق أهداف خبيثة متعددة الأبعاد:

تدمير الاستقرار اللبناني: وتحويل بلد العيش المشترك إلى دويلات طائفية متناحرة تعجز عن تشكيل أي تهديد أمني أو عسكري.طرد الوجود الفلسطيني: وتفريغ الساحة اللبنانية من الحاضنة السياسية والعسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

الهيمنة على الموارد المائية: وهو الأهم استراتيجياً، حيث سعت إسرائيل للسيطرة على مصادر المياه الحيوية في جنوب لبنان، وتحديداً نهري الليطاني والحاصباني، لتحقيق أطماعها التاريخية في تأمين المياه لمشروعها التوسعي.براغماتية الكواليس: الانفتاح السوفيتي على اليمين والكتائب

لم تكن الدبلوماسية السوفيتية في بيروت حبيسة الأيديولوجيا الصلبة أو منغلقة على حلفائها اليساريين فحسب، بل أظهرت مرونة وبراغماتية عالية أثبتت عمق القراءة السياسية لماتوزوف وعظيموف.

تشير الشهادة إلى أن السفارة السوفيتية بادرت إلى الانفتاح على مختلف القوى اللبنانية، بما فيها أحزاب وشخصيات اليمين اللبناني وحزب الكتائب وشخصيات بارزة مثل أمين الجميل.كان هذا الانفتاح ضرورة استخباراتية ودبلوماسية قصوى لفهم الخريطة اللبنانية المعقدة بمختلف مكوناتها الفسيفسائية. أرادت موسكو أن تبني صورة متكاملة لا تنحاز لطرف على حساب الآخر كلياً، بل تسعى لتثبيت دعائم توازن دولي يحول دون سقوط لبنان الكامل في الفخ الأمريكي – الإسرائيلي.

الخلاصة الاستراتيجية

تقدم شهادة فيتشسلاف ماتوزوف قراءة عميقة لدفاتر الأرشيف السوفيتي حول لبنان، كاشفة أن ما جرى في السبعينيات لم يكن مجرد صراع محلي أهلي، بل كان حرباً عالمية مصغرة دارت رحاها على أرض الأرز.

إن إسقاط تهمة اغتيال كمال جنبلاط عن سوريا، وتوجيه أصابع الاتهام بوضوح نحو المشروع الصهيوني الاستعماري الساعي للسيطرة على المياه وتفتيت الجغرافيا، يمنحنا مفاتيح حقيقية لقراءة تاريخ لبنان الحديث بموضوعية ونقدية لا تزييف فيها.

د. نبيلة عفيف غصن