زياد حافظ

رئيس منتدى سيف القدس والامين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

الامة العربية غارقة في مواجهة العدوان الاميركي الصهيوني على فلسطين واحتلال الارض في فلسطين ولبنان وسورية. كما أن قواعد عسكرية اجنبية تتواجد في عدد من الاقطار العربية ما يجعل السيادة العربية منقوصة لاعتبارات امنية مصطنعة لم تف بغرض “حماية” الدول المستضيفة بل لتمكين أي عدوان على دول إقليمية وعربية تتصدّى للكيان الصهيوني، أي اليمن، العراق، وسورية، والجمهورية الاسلامية في إيران. ومواجهة الامة للعدوان الصهيواميركي على كل من يقاوم الكيان المحتل امر مستمر منذ نشأة الكيان وقد مرّ بمراحل مدّ وجذر إلى أن أصبحت الجبهة المقاومة للكيان الصهيوني رقما اساسيا إن لم يكن الاهم في المعادلات السياسية والعسكرية والامنية في غرب آسيا وخاصة في المشرق العربي. ونجاح جبهة المقاومة يأتي على أعقاب فشل الدولة القطرية بكأفة تشكيلاتها على تأمين الحماية للحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية وحتى حماية الجغرافيا في العمق العربي. لكن صمود جبهة المقاومة في المشرق العربي لم يعد كافيا لاستكمال عملية التحرير ومن بعد ذلك النهضة المنشودة للامة.

هناك تحوّلات كبيرة مطلوبة في البنية السياسية والاقتصادية تستدعي مراجعة خيارات واستراتيجيات وسياسات لكافة مكوّنات الامة سواء في السلطة او ضمن المؤسسات الشعبية التي تقوم بمهام المواجهة تعويضا عن تقاعس الحكم. والتقاعس في الحكم لدى النظام العربي كانت له اسبابه الموضوعية التي لا ولم نوافق عليها آنذاك كنظرية ملكية اوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة إلاّ أنها لم تعد قائمة الان. لكن بقيت الاعتبارات الذاتية التي لا تقلّ خطورة عن الاسباب الموضوعية للخضوع للاملاء الاميركي. فعلى سبيل المثال، فإن نوعيات القيادات عامل اساسي في اداء وممارسة السلطة في مختلف الاقطار العربية لا داعي الخوض فيها في هذه المقاربة لأن ما يهمنا هو معالجة الشلل الذي يعمّ مختلف القوى السياسية الشعبية. فمؤسسات ما يُسمّى بالمجتمع الاهلي في الاقطار العربية أما عاجزة عن انجاز اي تحرّك شعبي سواء لدعم غزّة أو لبنان على سبيل المثال وليس الحصر أو محدودة الامكانيات.

فأسباب ذلك العجز تعود في رأينا إلى الصراعات بين القيادات لمختلف التيّارات السياسية سواء كانت قومية عربية المنبت أو اسلامية أو يسارية أو ليبرالية التوجه والمنهج. ولهذه الصراعات جذور سياسية تاريخية مبنية على سوء تقدير قاتل لتحديد الاولويات في مواجهة التحدّيات. فبدلا من التركيز على مواجهة التحدّيات المشتركة للتدخلات الخارجية التي وصلت إلى احتلالات وتقسيم وتجزئة أقطارا في الامة ناهيك عن نوايا أكثر خباثة كإبادة شعوب بأكملها وتدمير الهوية المشتركة ووضع اليد على مقدّرات الامة، كان التركيز حول الوصول إلى السلطة وفيما بعد على “التمكين” متجاهلين أن “التمكين” يجب أن لا يواجه الخطر الصهيواميركي. وهناك من اعتبر أنه بالامكان التعايش مع التدخّل الاميركي في الشأن الداخلي وذلك لضمان “التمكين”. لم تعتقد تلك القوى أن الغرب بشكل عام والحلف الصهيواميركي قد يقبل ولو بالحد بالحد الادنى من الاستقلال الوطني في السياسة والاقتصاد وحتى الثقافة والموروث القيمي والثقافي. المشكلة تكمن في النخب التي تزعم أنها مؤثرة في الوطن العربي سواء كانت “قومية” المنبت، أو اسلامية “التوجّه”، أو يسارية “الحراك”، أو ليبرالية “المنهج”. فالذاتية طغت على معظم الاعتبارات وإن أدّت إلى تراجع المنظومات السياسية التي تقودها أو حتى انهيارها وخروجها من المشهد السياسي. لقد أشرنا إلى مسؤولية تلك النخب في النقاشات التي حصلت داخل المؤتمر القومي العربي وخاصة بعد التقرير الذي قدّمناه في المؤتمر حول اسباب ضحالة التحرّك الشعبي في الوطن العربي لنصرة غزّة ودعم المقاومة، والذي نقتبس منه الفقرات التالية أدناه: “هذا يدفعنا لمقاربة اسباب الضعف النسبي وليس غياب الشارع العربي كما يروّجه البعض.

في الحقيقة، هناك عدّة اسباب طرحها كثيرون من المهتمّين بشأن الشارع العربي. اولى الاسباب التي يجمع عليها الكثيرون من المثقفين المتغرّبين الذي يسعون إلى قيادة تلك الجماهير هي حالة القمع الموجودة في الدول العربية. لكن هناك رأي آخر يعتبر أن حالة القمع لا تُفسّر إلاّ جزئيا البرودة في الحراك الشعبي. ففي الخمسينات والستينات حتى منتصف السبعينات كانت الجماهير تتحرّك في غياب الانظمة الديمقراطية التي يسعى إليها عدد من المثقّفين المتغرّبين. ويمكن لفت النظر أن في الغرب، في تلك الانظمة التي تتدّعي الديمقراطية، هناك تشريعات تُجرّم مساندة فلسطين وانتقاد الكيان.

لكن هذا لم يمنع تلك الجماهير من التظاهر بأحجام ملفتة للنظر أجبرت النخب الحاكمة في الدول الغربية وبما فيها الولايات المتحدة أن تأخذ بعين الاعتبار مواقف الجماهير وإن لم تقدم إلاّ في بعد الحالات على اتخاذ إجراءات ردعية بحق الكيان المؤقّت.

فمستوى الوعي والالتزام بالقيم الاخلاقية اقوى من الالتزام بمشيئة الحكّام وبالتالي كان الخروج إلى الشارع. وإذا سلّمنا جدلا ان القمع السلطوي هو العائق امام التحرّك فالمعادلة تصبح بين ما يحدث من ابادة في غزة والقساوة الممكنة لدى الحكومات العربية. فالقمع الحكومي لا يرتقي ككلفة لمن يريد نصرة الشعب الفلسطيني وإيقاف الابادة. هذه المعادلة هي سقوط اخلاقي وغياب الجرأة في مواجهة الواقع السياسي في الدولة القامعة. إذا، إن لم يكن القمع هو السبب الرئيسي للبرودة النسبية للحراك الشعبي العربي فما هي الاسباب الاخرى التي قد تساهم في فهمها.

واذا سلّمنا أن الجماهير العربية متعاطفة بالفطرة مع القضية الفلسطينية والمقاومة فهذه الجماهير بحاجة إلى من يقودها. وقيادة الجماهير هي مسؤولية الاحزاب والمؤسسات الشعبية والنقابية أو ما يعتبره البعض المجتمع المدني الذين يشكّلون متن الحياة السياسية في الوطن العربي، هذا إن كانت هناك حياة سياسية قائمة في الاقطار العربية. فما قيمة الانتخابات إذا كانت المشاركة الشعبية متدنّية جدّا كما حصل في عدد من الدول العربية التي أجرت مثل تلك الانتخابات؟ فعدم اقدام الاحزاب وكافة القوى السياسية على تحمّل مسؤولية قيادة الجماهير تعود إلى فقدان المصداقية عند القيادات السياسية لدى الجماهير وذلك لعدّة اسباب.

وفقدان هذه المصداقية هو انعكاس للحالة الحكومية العربية خاصة فيما يتعلّق بالانقسام والتجزئة. فالسبب الاول في الانقسام والتجزئة أو حتى الشرذمة هو الحسابات الضيّقة والذاتية التي تتحكّم في سلوك تلك القيادات في الحكومات كما في المجتمع. فهناك قيادات هدفها العلاقة مع السلطة او العمل للوصول إليها وبالتالي لن تقدم على أي خطوة قد تهدّد تلك العلاقة او الهدف.

والذاتية هي عدم قدرة على وضع الاولويات في إطارها الصحيح، بل التركيز على ما يمكن الاضاءة على مصالح تلك القيادات، او التركيز على التنافس. فالاولوبة التي كان يجب أن تكون هي وحدة القوى في مواجهة التحدّيات الداخلية والخارجية. هذا يأخذنا إلى السبب ثالث، حيث الاولوية عند هذه القيادات ليست القضية القومية بل قضايا لا تُغضب الحاكم. هناك تسليم ضمني أن القطر والحكومة القطرية هو سقف الحراك السياسي المسموح به وليس هناك قدرة أو رغبة في دفع الثمن لتغيير ذلك. هذا الضعف في التمسّك بالقضية القومية والهوية القومية هو في رأينا احد الاسباب الرئيسية لفقدان المصداقية لهذه النخب.

فإذا كانت تلك النخب تحسب الف حساب في طرح القضية القومية فلماذا الاستغراب في “برودة” الشارع العربي؟ بالمناسبة، النخب العربية في الخارج ما زالت محافظة ومتمسّكة بهويتها القومية وشاركت وقادت حراكا جماهيريا في الشوارع الغربية ما يعني أن التحرّك الشعبي في الوطن العربي بحاجة إلى السردية القومية للتحرّك. هذه الاسباب ليست من الخيال بل من التجربة التي راقفت المؤتمر القومي العربي منذ نشأته في مطلع التسعينات من القرن الماضي. حاول المؤسسون عبر العقود الماضية الحفاظ على استقلالية القرار والخيارات السياسية والاقتصادية والثقافية وتبنّي المشروع النهضوى العربي وخيار المقاومة في وجه الاحتلال سواء كان صهيونيا أو أميركيا أو غير ذلك.

وقد نجحوا بذلك رغم الجهود التي بذلتها الحكومات والقوى التابعة لها داخل المؤتمر وخارج المؤتمر لتقويض تلك الاستقلالية. لم تفلح وبالتالي كانت محاصرة المؤتمر من قبل تلك القوى حتى الساعة، أي لم تكن محصورة من قبل الدول العربية أو الإقليمية بل أيضا بنسب متفاوتة من قبل بعض المكوّنات السياسية الوازنة في الوطن العربي والمتواجدة داخل المؤتمر. فالاجندات الضيّقة للعديد من القوى والفصائل حالت دون توحيد الجهود ودعم المبادرات التي تصدر عن جهات ليست من كنف تلك القوى. وإذا وافقت على مجهود مشترك كان الثمن في تسليط الاضواء على من يدعم المبادرات. الانانية والذاتية والحسد تتحكّك في إجهاض العمل المشترك.

اما على الصعيد السياسي فحالة التجزئة والانقسام بين القوى السياسية تعود إيضا إلى مواقف تلك القوى في محطّات مفصلية استهدفت الامة. فعلى سبيل المثال وليس الحصر فإن الانقسام كان قائما عند احتلال العراق وهناك من استثمر سياسيا في الاحتلال. وما تلا الاحتلال من فتنة طائفية ساهم في تكريس الانقسام العربي. ولا يجب التقليل من حالة الانقسام التي اثقلت العمل الفلسطيني من جرّاء عملية اوسلو الذي ما زالت قائمة حتى الساعة. وهناك انقسام اكثر حدّة في الحرب التي شُنّت على وحدة سورية تحت غطاء ما سُمّي ب “الربيع العربي”.

فالقوى السياسية المتناحرة للوصول إلى السلطة في سورية جعلت الخصومة مع منافيسها اولوية بدلا من التنبّه ان العدو الصهيوني واربابه في الغرب يستهدفون كل الاقطار العربية والقوى السياسية. وهذه القوى السياسية ليست محصورة في المشهد السوري بل لها امتدادات على صعيد الوطن العربي سواء كانت “قومية” الاتجاه أو “اسلامية” المنبت أو ليبرالية أو يسارية المنهج.

فثقافة الاقصاء عبر التخوين أو التكفير تحكّمت بسلوك تلك القوى. كما لا يجب اغفال العدوان على اليمن وما أدّى من انقسامات داخل التيّار القومي والتيّار الاسلامي. طبعا، هناك استثناءات مهمة. فليس كل من انتمى الى تلك التيّارات تبنّى المواقف لتلك القوى وهذا ما يجعل إمكانة تصحيح المشهد ممكنا وإلاّ ما كان ليستمرّ المؤتمر القومي العربي.

وما زالت بعض القوى تعتقد أنها ستكون من “الفرق الناجية” للوصول إلى السلطة إذا “تفهامت” مع المحتل أو قبلت بالتدخل الخارجي في الشأن الوطني والقومي.

فاحتلال العراق والحرب على سورية ساهما في تعميق الحذر بين الكتل التاريخية كالقوى القومية والقوى الاسلامية والقوى اليسارية والقوى الليبرالية. فالعديد من بين هذه القوى استثمر بشكل أو بأخر في التعاون مع المحتل كما في حال العراق، ومع التحالف الدولي للقضاء على وحدة سورية ودورها في الإقليم وخاصة فيما يتعلّق بالصراع مع الكيان الصهيوني، أو أيضا في تمكين التقسيم في السودان وداخل كل قسم من السودان المقسّم، أو تدمير الدولة في ليبيا، أو دعم العدوان على اليمن. هذه الخيارات الخاطئة في مراحل مختلفة من التاريخ الحديث انعكست على وعي الجماهير العربية التي اهتزّت ثقتها بتلك القوى السياسية التي تسعى إلى قيادتها. تجربة “الربيع العربي” شهدت تحرّكا كثيفا من الجماهير التي آمنت بأجندات الاصلاح والتغيير لكن القوى المهيمنة على ذلك الحراك استغلّت الظرف لفرض اجندتها على حساب التعاون مع جميع القوى التي شاركت في الحراك.

فكيف يمكن لهذه الجماهير ان تثق بتلك القوى السياسية التي ساهمت في الخديعة في “الربيع العربي” وفي المآسي الكبرى التي أصابت الامة في كل من العراق وسورية والسودان واليمن وليبيا ولبنان والجزائر في العشرية الدامية؟ تصحيح المشهد ممكن ولكن يتطلّب مجهودا كبيرا أوّله الجرأة على مراجعة المواقف وتبنّي الميمات الاربعة التي أطلقها احد مؤسسين المؤتمر الاستاذ مع بشور منذ 2003 في دورة المؤتمر القومي السنوية التي عقدت في صنعاء. فهذه الميمات يجب أن تتحكّم بسلوك كل من يريد أن يعمل في الشأن القومي والوطني. فالميم الاولى هي المراجعة، والميم الثانية هي المسائلة، والميم الثالثة هي المصالحة، والميم الرابعة هي المقاومة .

إن لم تحصل تلك المراجعات والمسائلات والمصالحات والمقاومة لكل تدخّل خارجي فمن الصعب التوقّع ان الجماهير ستعيد الثقة الى تلك القوى السياسية التي خذلتها كما خذلتها الحكومات العربية”. “والان، إذا افترضنا أن المراجعات المطلوبة قد تمّت أو على طريق الاتمام يبقى السؤال كيف يمكن تفعيل الشارع العربي؟ عند الكثيرين، هناك تقييم لفعّالية الشارع العربي مبني على ما كان يحصل في الخمسينات والستينات ومطلع السبعينات.

الظروف الموضوعية التي كانت تتحكّم بالمشهد السياسي آنذاك لم تعد قائمة خاصة بعد الخيارات التي اتخذتها النخب العربية الحاكمة بعد رحيل الخالد الذكر جمال عبد الناصر. آنذاك، الحراك الشعبي في الشارع كان ربما الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الموقف الشعبي. أما اليوم، فالتكنولوجيا في التواصل أتاحت الفرصة للتعبير بشكل مباشر ومكثّف وإن كانت تلك الوسائل من صنع الغرب. المهم هنا أن وعيا شعبيا عما يحدّث في العالم وفي الوطن العربي قد نتج خارجا عن سيطرة النخب الحاكمة. السؤال هل أصبحت تلك الوسائل للتواصل البديل عن الحراك الشعبي؟ طبعا لا، ولكن لا يمكن أخفاق دوره في تكوين الرأي العام.

والغرب بشكل عام والعدو بشكل خاص بذل جهودا كبيرة جدأ عبر العقود الماضية لتغيير المزاج العربي تجاه القضية الام ولتحويل الاهتمامات إلى قضايا إما لتساعد العدو كتفكيك التماسك الاجتماعي الداخلي أو لإحلال أعداء افتراضيين بدلا من العدو الحقيقي. لكن أيضا، كانت وسائل التواصل منصات لنقل المعلومة والوعي خاصة أن وسائل الاعلام التقليدية فقدت مصداقيتها في العالم حيث أصبحت أدوات تضليل وكذب ودعايات بدلا عن ادوات تنقل المعلومة. فالمعلومة أساس المعرفة والمعرفة أساس القوّة والقوّة لا تكتمل إلاّ بالوحدة. المعلومة لم تعد حكرا على أي جهة أو أي مؤسسة.

في الماضي كانت مؤسسة الحزب الوسيلة الرئيسية لنقل المعلومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكانت وسيلة التنظيم والتعبئة، وكانت تلك المؤسسة احدى ادوات الحراك السياسي والاجتماعي في أي بلد. اما اليوم، فأصبحنا في عصر العلاقات الشبكية حيث التواصل يتجاوز حدود الجمهور الحزبي.

كما أن مفهوم الحزب هو مفهوم فرز بينما القضايا الاساسية التي تهم الشعوب تتطلّب التجمّع والشمولية. العلاقات الشبكية تسمح بذلك بينما الثقافة الحزبية تجعل التواصل الشبكي أمرا يصعب عليها الاستيعاب والتعامل معه وبه. هذا لا يعني أن الحراك الشعبي أصبح خارج إطار العمل التنظيمي بل أن شكل العمل التنظيم أصبح مختلفا عن الموروث الحزبي.

هذا موضوع يستحق النقاش في العمق للخروج بصيغة تأخذ بعين الاعتبار ضرورة الحد الادنى في الانضباط كما هو متجذّر في المؤسسة الحزبية، وتأخذ بعين الاعتبار التنوّع في مكوّنات المجتع وبالتالي الضرورة لصيغة مرنة تستطيع أن تضم الجميع. هذا هو جوهر مفهوم الكتلة التاريخية التي نسعى إلى تحقيقها في الوطن العربي حيث ندرك أنه ليس هناك من تيّار واحد أو قوّة واحدة باستطاعته تحقيق الاهداف.

فتكامل قوى التيّار القومي والاسلامي واليساري والليبرالي أصبح شرط الضرورة والكفاية لإنجاح إي مشروع استراتيجي لتحقيق نهضة الامة. وهذه النهضة تبدأ في تحقيق التحرير لكفاة الاقطار العربية من الاحتلالات المباشرة كما من الاحتلالات الافتراضية للإرادة الوطنية لتصل إلى الوحدة السياسية. والوحدة السياسية هي شرط للتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والتجدّد الحضاري. التشاور بين مكوّنات المجتمع هي الصيغة لتحديد الخيارات والسياسات.

أما اسس الحكم فهي مبينة على العدل أولا وأخيرا لأن العدل يعني المسائلة والمحاسبة. والمحاسبة تعني التكليف والتكليف لا يمكن أن يحصل إن لم تكن هناك إرادة حرّة. فالحرّية هي في مضمون العدل وإلاّ لما كان للعدل أن يكون”. هذا التكامل بين القوى السياسية في الوطن العربي هي التي تصنع ما يُسمّى بالكتلة التاريخية التي تكلّم عنها انطونيو غرامسي وفيما بعد المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري. والنقاش ما زال جاريا داخل مكوّنات المؤتمر العربي العام لتفعيل تلك الفكرة علما أن تلك المكوّنات هي العمود الفقري للكتلة التاريخية.

وفي رأينا، لن تتفعّل تلك الكتلة الاّ عندما تصل القناعة عند الاسلامي أن شقيقه “العلماني” ، أي القومي العربي واليساري والليبرالي، الذي يصوّب كل مجهودة لتحرير فلسطين هو أقرب له من “شقيقه” الاسلامي الذي يعتبر أن الاولوية هي الوصول إلى السلطة والتمكين أو إقامة “الحكم الاسلامي”. بالمقابل، يجب على القومي العربي واليساري والليبرالي أن يعتبر أن شقيقه “الاسلامي” الذي يصوّب مجهوده وبندقيته نحو العدو الصهيوني هو أقرب إليه من “شقيقه” القومي العربي أو اليساري أو الليبرالي.

كم يجب أن تترسّخ القانعة عند الفريقين أن الامة العربية والامة الاسلامية متكاملتان وليستا خيارات بديلة عن بعضها. فلا يمكن أن تتوحد الامة الاسلامية إن لم تتوحد الامة العربية بغض النظر عن شكل وحدتها. ولن تكتمل الوحدة العربية إن لم تتحقق الوحدة الاسلامية، وفي كلاتي الحالتين فلسطين وتحريرها من البحر إلى النهر ما يجمعهما.

إن لم تترسّخ تلك المعادلة فلن نصل إلى تفعيل الكتلة التاريخية التي ستقوم بمهام النهضة العربية. فهل وصلنا إلى تلك المعادلة؟ بصراحة الايجابة صعبة للغاية لاننا من جهة نجد تغييرا في التعبير السياسي عند بعض الاسلاميين وخاصة ضمن المقاومة للاحتلال يأخذ بعين الاعتبار وجود وتلازم الامة العربية والامة الاسلامية. لكن بالمقابل ما زال عدد كبير من القوى القومية واليسارية والليبرالية حذرا في تعامله مع أشقاءه المقاومين الاسلاميين. لكن الجهود مستمرّة على الاصعدة القومية واليسارية والليبرالية لبناء الثقة المتبادلة.

وهذا ما تقوم به لجنة المتابعة للمؤتمر العربي العام الذي يضم كل من المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الاسلامي والجبهة التقدمية العربية ومؤسسة القدس وفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية. كما لا يجب ان يغيب عن البال أن جهودا كبيرة قد قطعت منذ الثمانينات حتى مطلع العقد الثاني من الالفية الجديدة لتقريب وجهات النظر والتفاهم على مواقف مشتركة. احتلال العراق واحداث الربيع العربي وخاصة الحرب الكونية التي شُنّت على سورية شكّلت انتكاسة كبيرة في العلاقة ما زالت أثارها قائمة.

لكن مسار الجهود القائمة تجري في العودة إلى المناخ الذي اوجده المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الاسلامي والنقاشات والحوارات التي دارت في رحاب مركز دراسات الوحدة العربية برعاية المغفور له الدكتور خير الدين حسيت وعدد من الشخصيات العربية كالاستاذ معن بشور ومنير شفيق وخالد السفياني على سبيل المثال وليس الحصر. فمستقبل الامة رهن التحرير، والتحرير رهن انتصار المقاومة، والمقاومة رهن الدعم المستمر من كافة مكوّنات الامة، وهذا الدعم رهن تفعيل الكتلة التاريخية، والكتلة التاريخية رهن ترسيخ المعادلة التي اوجدناها في الفقرة السابقة.