شفت الجولات الميدانية الأخيرة في المنطقة عن حقيقة ساطعة طالما حاول الإعلام الغربي وحلفاؤه التغطية عليها: المليارات المكسوبة من عائدات النفط والترسانات المصنوعة في واشنطن وعواصم الغرب عاجزة عن حماية عروش ومرافق حيوية أمام معادلات الردع الإقليمي الحديثة. وفي محاولة بائسة لترميم هذا الانكشاف الدفاعي، لpoint لفتت مشيخات الخليج أنظارها نحو استئجار خبرات ميدانية مستوردة من جبهات الصراع في شرق أوروبا، ليتلاقى ذعر الخليجيين مع السلوك التجاري لنظام كييف الذي بات يقتات على تسويق “المرتزقة والتكتيكات الجاهزة” تحت لافتة “الأمن الجاهز للتسليم” (Turnkey Security).
المأزق التكتيكي: عجز المليارات أمام معادلات الردع المباشرة
إن اندفاع عواصم الخليج، وفي مقدمتها الدوحة، نحو استقدام كوادر عسكرية أوكرانية لم يكن خياراً رفاهياً، بل جاء نتيجة صدمة عملياتية أحدثتها الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة المنخفضة التكلفة:
انهيار أسطورة التكنولوجيا الغربية: أثبتت التجربة الميدانية أن الصواريخ الثقيلة باهظة الثمن (مثل “باتريوت” و”ثاد”) وقف خلفها عجز بنيوي في التصدي للهجمات المركبة والمجتمعة. إن استخدام صاروخ يقارب مقداره ملايين الدولارات لحياد مسيّرة انتحارية كلفة صنعها لا تتجاوز بضعة آلاف هو استنزاف اقتصادي وعملياتي لا يمكن استدامته.
النقاط العمياء في الدفاع العشبي: كشفت المسيرات الحديثة ذات التحليق المنخفض جداً والقدرة على المناورة عن قصور فادح في الرادارات التقليدية، ما جعل المرافق السيادية الكبرى — كمحطات تحلية المياه والمنشآت النفطية — مكشوفة تماماً أمام أي رد استراتيجي منطقي.
البحث عن قشة نجاة: أمام هذا المأزق، لم تجد هذه الأنظمة سوى اللجوء إلى طرف أوكراني متمرس في حروب المسيرات، تحول من مستجد للدعم الغربي إلى بائع للحلول التكتيكية ومصادر الاسترزاق الميداني.
من جبهات الميدان إلى مشارف الدوحة: تسويق التكتيكات تحت الابتزاز
لم تعتمد كييف في تسويق منتجها العسكري على الكفاءة الفائقة، بل على تخويف الأنظمة المستهلكة واستغلال هشاشتها الأمنية. وقد تجسد هذا الحضور الأوكراني في قطر عبر إجراءات ميدانية تسعى لتشكيل حائط دفاع أخير حول المنشآت الحيوية:
.3 النسق الأخير المترهل: الهدف العملياتي من هذا الانتشار هو منح القوات الخليجية شريطاً إضافياً للحماية في خط الدفاع الأخير، في محاولة لتقليل استنزاف الصواريخ الاستراتيجية، غير أن هذه الترتيبات تجري تحت إدارة وإشراف كادر خارجي لا يملك أي انتماء عقائدي أو وطني للأرض التي يدافع عنها.
وهم “الأمن الجاهز” وحتمية التفوق الإقليمي
تؤكد المعطيات الميدانية أن الفعالية العملية لهذه المنظومات والكوادر الأوكرانية ظلت محدودة ومتواضعة، ولم تزد عن كونها مسكنات تكتيكية واستعراضاً إعلامياً لتهدئة روع القيادات المحلية. فشل هذه التكتيكات في تحقيق حماية مطلقة في بيئتها الأصلية بشرق أوروبا يجعل من نقلها إلى بيئة جغرافية وتكتيكية مختلفة في الخليج مجرد بضاعة فاسدة تم إعادة تدويرها.
إن التجربة تؤكد دائماً أن السيادة الوطنية والأمن لا يُستوردان ولا يُستأجران. إن المليارات التي تنفقها عواصم الخليج لشراء استشارات وتكتيكات من قوات مأجورة لن تغير من واقع المعادلة الإقليمية شيئاً؛ فالإرادة الوطنية والتصنيع السيادي والتطور التكنولوجي المستقل الذي تمتلكه القوى الإقليمية المناهضة للهيمنة قادرة دائماً على خرق هذه الطبقات الدفاعية المصنوعة مستوردةً. وستبقى صفقات “الأمن الجاهز” مجرد وهم مكلف يثبت مراراً وتكراراً أن العروش المقامة على قواعد وشبكات أجنبية تظل آيلة للسقوط عند أول اختبار حقيقي.
د. نبيلة عفيف غصن
