في زمنٍ كان فيه الجنوب اللبناني ساحةً مفتوحةً للحديد والنار، وحين تحوّلت القرى إلى خرائط استهداف، والبيوت إلى أهدافٍ مرقّمة في بنك القصف، لم تكن الحكاية كلّها صواريخ وطائرات… بل كانت أيضاً حكاية رغيف. رغيفٍ خرج من قلب الحصار ليقول ما تعجز عنه الخطب، وما تفشل في حمله بيانات السياسة.
في تموز 2006، حين نزح الجميع تحت وطأة القصف المركز، بقيت “الحجة أم قاسم” وحدها في قريتها الصغيرة. لم يكن بقاؤها عناداً أعمى، بل موقفاً وجودياً بسيطاً وعميقاً في آن: “الأرض اللي ربّينا فيها، بنندفن فيها.”
بهذه الجملة، اختصرت امرأة ثمانينية كل فلسفة الانتماء التي عجزت عنها مدارس السياسة.
لكن القصة لم تقف عند حدود البقاء… بل بدأت من هناك.
على خطوط النار، حيث يتمركز المقاومون في مواجهة آلة عسكرية لا تعرف الرحمة، كانت معجزة صغيرة تتكرّر كل فجر: ربطة خبز ساخنة، وحبتا زيتون ملفوفتان بقماش أبيض، موضوعتان بعناية على صخرة قريبة.
في مكانٍ تُراقبه الطائرات بلا انقطاع، وتغزوه المسيّرات ليل نهار، كان وصول هذا الرغيف أشبه بخرقٍ لقوانين الحرب نفسها.
من يفعل ذلك؟ وكيف؟
الأسئلة كانت أكبر من الإجابات… إلى أن قرر أحدهم أن يراقب.
ومع خيوط الفجر الأولى، تكشّفت الحقيقة التي لا يمكن للعقل العسكري أن يفهمها: ظلٌّ يزحف بين الأشجار… ببطء، بحذر، بإصرار.
لم تكن وحدة إمداد، ولا مجموعة خاصة… كانت “أم قاسم”.
عجوز في الثمانين، تعجن الطحين على ضوء شمعة، وتخبز على صاجٍ صغير داخل حفرة، تخفي دخانها عن عيون الطائرات، ثم تزحف في العتمة لتوصل خبزها إلى من يقفون في وجه الموت.
أي معادلة هذه التي تُسقطها امرأة؟
أي ميزان قوى يمكنه أن يقرأ فعلها؟
حين أمسك بها أحد المقاومين، وهو بين الذهول والبكاء، قال لها: “يا حجة، حياتِك بخطر… ممكن بلحظة تنقصفِ.”
نظرت إليه، لا كمن يُخاطب مقاتلاً، بل كأم تُخاطب ابنها، وقالت جملة تختصر تاريخاً من الكرامة:
“إنتو عم تقدّموا دمكم كرمالنا… استحي على حالي إذا ما بقدّم لكم رغيف يسند قلبكم. إذا انقصف البيت، بموت وأنا عم بعجن كرامة… مش وأنا عم بنطر صدقة بمدارس النزوح.”
هنا، تسقط كل المقاييس.
يتحوّل الخبز إلى موقف، والعجن إلى فعل مقاومة، والصاج إلى خط دفاع.
هذه ليست قصة إنسانية عابرة، بل صفعة مدوّية لكل من يظن أن الصمود يُقاس بالسلاح فقط. فهناك، في تلك الحفرة الصغيرة، كانت تُصاغ معادلة أخرى:
أن الشعوب التي تُطعم مقاتليها الكرامة، لا يمكن أن تُهزم.
انتهت الحرب… وسُوّيت البيوت بالأرض، وكان بيت “أم قاسم” بينها.
لكن المفاجأة لم تكن في الدمار، بل في ما خرج من تحته.
خرجت “أم قاسم” حيّة…
ومعها صاجها.
صاجٌ مطعوج من تحت الركام، لكنه لم ينكسر.
كما لم تنكسر هي.
وحين سُئلت، ضحكت… تلك الضحكة التي لا تفهمها تقارير الاستخبارات، وقالت:
“انكسر الصاج… بس ما انكسرنا.”
هذه هي الحكاية التي لا تُكتب في نشرات الأخبار.
حكاية تقول إن الجنوب لم يكن فقط جبهة قتال، بل كان ورشة كرامة مفتوحة.
وأن عجوزاً تحمل رغيفاً، قد تُربك جيشاً كاملاً… لأنها تُقاتل بشيءٍ لا يُقصف: الإيمان بأن الأرض ليست مكاناً نعيش فيه فقط، بل معنى نموت من أجله… ونُطعم به الحياة.
د.نبيلة غصن
