في زمنٍ تُهدم فيه البيوت فوق رؤوس أصحابها، وتُباد فيه العائلات تحت الركام، يخرج صوتٌ آخر من خلف الجدران الأكثر قسوة… صوت الأسرى. في يوم الأسير الفلسطيني، لا تكون الذكرى مناسبة عابرة، بل لحظة مواجهة حقيقية مع جريمة مستمرة، عنوانها: شعبٌ يُعتقل لأنه يقاوم، ويُعاقب لأنه موجود.
في شارع صلاح الدين، في قلب مخيم النصيرات، لم تكن الفعالية التضامنية مجرد وقفة. كانت إعلاناً واضحاً أن الأسرى ليسوا أرقاماً في تقارير، بل نبض حيّ في جسد شعبٍ يُحاصر من الداخل والخارج. لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية، ومعها مؤسسات تُعنى بملف الأسرى، أعادت توجيه البوصلة: نحو الزنازين، حيث تُرتكب الجرائم بصمتٍ دولي مريب.
الأرقام وحدها كفيلة بفضح حجم الكارثة. ارتفاع عدد المعتقلين بنسبة 83% منذ حرب الإبادة، ليتجاوز 9600 أسير… ليس تفصيلاً. هذا تصعيد ممنهج، يكشف أن الاعتقال لم يعد أداة “أمنية” كما يدّعي الاحتلال، بل سياسة عقاب جماعي، تستهدف كسر إرادة شعب بأكمله. كل أسير هو قصة اقتلاع، وكل رقم هو حياة مُعلّقة بين جدران العزل وسياط الإهمال الطبي.
لكن ما لا تقوله الأرقام، تقوله الحكايات. ماري السلطان، واحدة من آلاف النساء اللواتي يعشن وجع الغياب، لا تعرف مصير زوجها. بين تفاصيل الحياة اليومية القاسية، وبين الانتظار الذي لا ينتهي، يتجسّد الوجه الإنساني لهذه الجريمة. ليس الأسر فقط احتجاز الجسد، بل هو أيضاً اعتقال الزمن، وتعليق الحياة، وتحويل العائلة إلى رهينة قلق دائم.
أمام مقر الصليب الأحمر في غزة، تجمّعت الجماهير لا لتطلب شفقة، بل لتفضح صمت المؤسسات الدولية. الصليب الأحمر، الذي يفترض أن يكون شاهداً على معاناة الأسرى، يقف في كثير من الأحيان عاجزاً أو صامتاً، بينما تتصاعد الانتهاكات داخل السجون: تعذيب، عزل، تجويع، وإهمال طبي ممنهج. أي حياد هذا، حين تكون الجريمة واضحة بهذا القدر؟
المطالبة بإسقاط قانون الإعدام بحق الأسرى لم تأتِ من فراغ. هذا القانون ليس سوى محاولة لتشريع القتل داخل السجون، وتحويلها من أماكن احتجاز إلى منصات تصفية. إنه امتداد طبيعي لعقلية ترى في الفلسطيني هدفاً مشروعاً، سواء كان في بيته، أو في خيمته، أو حتى خلف القضبان.
ومع ذلك، فإن ما يخشاه الاحتلال أكثر من أي شيء، هو هذا المشهد تحديداً: شعبٌ يخرج رغم الجراح، يرفع صوته رغم القمع، ويؤكد أن الأسرى ليسوا وحدهم. من تحت الركام، يرتفع الشعار: الحرية للأسرى. ليس كشعار عاطفي، بل كإعلان إرادة، بأن السجن لن يكون قدراً، وأن القيود مهما اشتدت، ستنكسر أمام إصرار لا يُقهر.
في يوم الأسير الفلسطيني، تتكشّف الحقيقة بأبسط صورها: هناك شعب يُسجن لأنه يرفض الاستسلام، وهناك احتلال يخشى حتى من أولئك الذين قيّدهم. وبين الزنزانة والشارع، تتوحّد المعركة… لأن الحرية لا تُجزّأ، ولأن من يقاوم خارج السجن، إنما يقاتل أيضاً من أجل من هم داخله.
د.نبيلة غصن
