الخسائر الأمريكية تتزايد: ضربة قاعدة الأمير سلطان تكشف هشاشة المغامرة ضد إيران
تكشف الضربة التي استهدفت قاعدة الأمير سلطان الجوية السعودية عن هشاشة البنية اللوجستية الأمريكية في المنطقة، خصوصاً بعد إصابة خمس طائرات لتزويد بالوقود جواً، ما يُضعف القدرة على تنفيذ عمليات جوية فعالة. ويعكس التناقض بين الردود الرسمية والإفصاحات الصحفية عن حالة من الارتباك الإداري والإعلامي في واشنطن. وباستمرار التصعيد، تواجه الولايات المتحدة خسائر ميدانية وسياسية تراكمية قد تضعف ديناميكية حربها المفتوحة مع إيران وتُضعف صورتها أمام الرأي العام.
كتبت د. نبيلة عفيف غصن
تتوالى المؤشرات التي تدل على أن المواجهة العسكرية مع إيران بدأت تتحول إلى عبء استراتيجي متزايد على الولايات المتحدة. فمع استمرار العمليات العسكرية وما يرافقها من استنزاف ميداني ومالي وسياسي، بدأت تظهر خسائر ملموسة تكشف حدود القدرة الأمريكية على إدارة صراع طويل في الشرق الأوسط.
أحدث هذه المؤشرات ما كشفته صحيفة The Wall Street Journal حول تعرض خمسة طائرات تزويد بالوقود جواً لأضرار نتيجة ضربات استهدفت قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وهي إحدى أهم القواعد التي تعتمد عليها القوات الأمريكية في إدارة عملياتها الجوية في المنطقة.
ضربة مؤلمة للبنية اللوجستية الأمريكية
رغم أن الطائرات لم تُدمّر بالكامل وما زالت تخضع لأعمال إصلاح، فإن مجرد إصابتها يمثل ضربة ذات دلالات عسكرية مهمة. فطائرات التزويد بالوقود جواً تُعد عنصراً أساسياً في الحرب الجوية الحديثة، إذ تسمح للطائرات المقاتلة والقاذفات بتمديد زمن عملياتها والوصول إلى مسافات أبعد.
بعبارة أخرى، كل طائرة تزويد بالوقود تُصاب أو تخرج مؤقتاً من الخدمة تعني تقليص القدرة العملياتية للقوات الجوية الأمريكية. فبدون هذا الدعم اللوجستي تصبح الطائرات الهجومية أكثر تقييداً في المدى والوقت، ما ينعكس مباشرة على كثافة الضربات الجوية وإيقاع العمليات.
لذلك فإن إصابة خمس طائرات دفعة واحدة ليست مجرد حادث تقني، بل مؤشر على هشاشة شبكة الدعم العسكري الأمريكي في المنطقة.
أزمة صورة وإدارة إعلامية مرتبكة
اللافت في هذه الحادثة لم يكن فقط الخسارة العسكرية، بل أيضاً طريقة التعامل السياسي والإعلامي معها. فقد سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى نفي التقارير، رغم أن مصدرها ليس إيران أو وسائل إعلام معادية لواشنطن، بل صحيفة أمريكية معروفة.
هذا النفي السريع يعكس قلقاً واضحاً داخل الإدارة الأمريكية من تأثير هذه الأخبار على الرأي العام، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات للحرب وتزايد كلفتها السياسية والاقتصادية.
من الناحية الإعلامية، يبدو هذا المشهد مألوفاً. ففي مراحل سابقة من المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني، وقعت واشنطن في تناقضات واضحة بين تصريحات المسؤولين والتقارير الميدانية، ما أدى إلى اهتزاز مصداقية الرواية الرسمية.
تكرار أخطاء سابقة
خلال الحرب التي استمرت ثلاثة عشر يوماً بين إيران والكيان الصهيوني، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف مشابه عندما صدرت عنها تصريحات متناقضة حول نتائج الضربات العسكرية وفعاليتها. فقد أعلنت بعض الجهات نجاح العمليات بشكل كامل، بينما أشارت تقارير أخرى إلى محدودية تأثيرها.
اليوم يبدو أن السيناريو نفسه يتكرر، ما يدل على أن المؤسسة السياسية في واشنطن لم تستخلص الدروس الكافية من التجارب السابقة.
استنزاف متصاعد لـ«تحالف إبستين»
مع استمرار العمليات العسكرية، تتزايد كلفة ما يسميه بعض المراقبين “تحالف إبستين”، في إشارة ساخرة إلى شبكة العلاقات السياسية والمالية التي تدعم هذا التصعيد العسكري في المنطقة.
فكل حادثة خسارة، مهما بدت محدودة، تتحول إلى ضربة مزدوجة:
ضربة عسكرية تقلّص القدرة العملياتية.
وضربة سياسية تضرب صورة القيادة الأمريكية أمام الرأي العام.
وفي ظل هذا السياق، تصبح كل خسارة جديدة مادة إضافية للضغط السياسي الداخلي على الإدارة الأمريكية.
تأثير محتمل على السياسة الأمريكية في المنطقة
إذا استمرت الخسائر بالتراكم، فمن المرجح أن تواجه واشنطن معضلة استراتيجية حقيقية. فالتراجع قد يُفسَّر كضعف أمام إيران، بينما الاستمرار في التصعيد يعني مزيداً من الاستنزاف العسكري والسياسي.
لهذا السبب، فإن أحداثاً مثل ضربة قاعدة الأمير سلطان قد تبدو في ظاهرها تكتيكية، لكنها في الواقع تحمل دلالات أعمق تتعلق بمستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط.
خلاصة
تكشف حادثة تضرر طائرات التزويد بالوقود في قاعدة الأمير سلطان أن الحرب ضد إيران ليست مجرد عملية عسكرية محدودة، بل مغامرة مكلفة تتراكم فيها الخسائر تدريجياً.
ومع مرور الوقت، قد لا تكون المشكلة الأساسية في حجم الخسائر نفسها، بل في تأثيرها التراكمي على صورة القوة الأمريكية وقدرتها على فرض الهيمنة في المنطقة. ففي الحروب الطويلة، لا تُحسم المعارك فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضاً بقدرة الدول على تحمل كلفة الصراع سياسياً واقتصادياً ونفسياً.
