البراغماتية الاستزلامية ومسار التطبيع: قراءة نقدية في سلوك السلطات الحالية في لبنان وسوريا
تتناول المقالة برشاقة المسار التدريجي للتطبيع في لبنان وسوريا، تحت ذرائع الواقعية السياسية والاستقرار الاقتصادي، وتعتبره نمطًا من البراغماتية الاستزلامية التي تؤدي إلى خدمة المشروع الإمبريالي والتخلي عن الثوابت الوطنية. وتبيّن أن التفاوض مع الكيان الصهيوني وطرح “العيش المشترك” لا يمثلان حكمة سياسية، بل محاولة لتغيير الوعي الجمعي وتبرير الهيمنة. وتنوّه إلى أن هذه النهج لم تمنح الاستقرار، بل عمّقت التبعية ونقلت الصراع إلى مستويات أعقد. ترى أن معركة التطبيع معركة على الوعي الوطني والهوية، بين منطق الهيمنة ومنطق التحرر.
كتبت د. نبيلة عفيف غصن
تشهد المنطقة في هذه المرحلة لحظة سياسية بالغة الحساسية، حيث تتكثف الضغوط الدولية لإعادة صياغة موازين القوى وترتيب العلاقات الإقليمية بما يخدم المشروع الإمبريالي في غرب آسيا. وفي قلب هذه التحولات، يبرز سلوك بعض السلطات القائمة في لبنان وسوريا بوصفه تعبيرًا عن نمط جديد من البراغماتية السياسية التي لا تقوم على حماية السيادة أو الدفاع عن المصالح التاريخية للشعوب، بل على الانخراط التدريجي في منظومة الهيمنة الغربية تحت شعارات الواقعية السياسية والاستقرار الاقتصادي.
هذه البراغماتية التي يجري تسويقها بوصفها “حكمة سياسية” ليست في حقيقتها سوى براغماتية نفعية استزلامية تسعى إلى التكيف مع موازين القوة الدولية حتى لو كان الثمن التفريط بالثوابت الوطنية والتاريخية. فبدل أن تكون السياسة أداة لتحرير الإرادة الوطنية، تتحول في هذا المنطق إلى وسيلة للاندماج في منظومة النفوذ الإمبريالي وقبول شروطه.
في لبنان، يتجلى هذا المسار بوضوح في الطرح المتزايد داخل أروقة السلطة حول إمكانية التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني. ويجري تقديم هذا الطرح تحت عناوين تقنية مثل “تثبيت الاستقرار” أو “حل الملفات العالقة”، إلا أن جوهره السياسي يتجاوز هذه الشعارات بكثير. فالتفاوض المباشر مع كيان استيطاني توسعي ليس مجرد خطوة إجرائية، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا في تعريف العدو وفي موقع لبنان داخل معادلة الصراع الإقليمي.
إن الخطورة الحقيقية في هذا الطرح تكمن في محاولة تسويقه للرأي العام بوصفه خيارًا عقلانيًا تفرضه الأزمات الاقتصادية والضغوط الدولية لوقف العدوان الصهيوني. هكذا يجري تحويل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والعدوان الصهيوني إلى أداة ابتزاز سياسي، بحيث يُدفع المجتمع إلى القبول بتنازلات سيادية مقابل وعود غامضة بالمساعدات والاستثمارات. وهذه المعادلة ليست جديدة في تاريخ التدخلات الإمبريالية، إذ لطالما استخدمت القوى الاستعمارية اذرعها العدوانية والأزمات الاقتصادية كمدخل لإعادة تشكيل القرار السياسي في الدول الضعيفة.
أما في سوريا، فإن الصورة لا تقل خطورة وإن اختلفت الأدوات. فبروز قوى سياسية وعسكرية جديدة في بعض مناطق البلاد ترافق مع خطاب سياسي يطرح أفكارًا تتجاوز حدود التسويات التقليدية لتصل إلى حد الحديث عن “العيش المشترك” مع الكيان الصهيوني. هذا الطرح لا يمثل مجرد اجتهاد سياسي، بل يعكس محاولة لإعادة صياغة الوعي السياسي بحيث يتحول الاحتلال من عدو تاريخي إلى جار يمكن التعايش معه.
إن مثل هذا الخطاب يندرج ضمن ما يمكن تسميته ثقافة الاستسلام السياسي، وهي الثقافة التي تسعى القوى الإمبريالية إلى ترسيخها في المجتمعات التي فشلت في إخضاعها عسكريًا. فحين يتعذر فرض الهيمنة بالقوة المباشرة، يجري العمل على تفكيك البنية الفكرية للمقاومة عبر نشر خطاب يقدّم التكيف مع الهيمنة باعتباره الخيار الوحيد الممكن.
غير أن التجربة التاريخية في المنطقة تثبت أن هذا النوع من البراغماتية لم يؤدِ يومًا إلى الاستقرار أو التنمية، بل كان دائمًا مدخلًا لتوسيع النفوذ الاستعماري وتعميق التبعية السياسية والاقتصادية. فالتاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي أظهرت أن التطبيع مع المشاريع الاستعمارية لا يؤدي إلى إنهاء الصراع، بل إلى نقل الصراع إلى مستويات جديدة أكثر تعقيدًا.
إن جوهر القضية هنا ليس مجرد خلاف حول أسلوب إدارة السياسة الخارجية، بل صراع بين رؤيتين لمستقبل المنطقة. رؤية أولى ترى أن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر الاندماج في النظام الإقليمي الذي ترعاه القوى الإمبريالية، حتى لو كان ذلك على حساب السيادة والكرامة الوطنية والاقتصاد الوطني. ورؤية ثانية تعتبر أن أي استقرار حقيقي لا يمكن أن يقوم على قبول الاحتلال أو التكيف مع المشاريع الاستعمارية.
من هذا المنظور، فإن ما يجري اليوم في لبنان وسوريا ليس مجرد نقاش سياسي عابر، بل هو معركة على الوعي والهوية والاتجاه التاريخي للشعوب. فإما أن تتحول المنطقة إلى فضاء تابع لمنظومة الهيمنة الدولية، وإما أن تستعيد المجتمعات قدرتها على صياغة مشروعها التحرري المستقل.
لقد أثبت تاريخ الصراع في المنطقة أن الشعوب قد تُهزم في معركة أو مرحلة، لكنها لا تفقد قدرتها على المقاومة ما دامت ذاكرة التحرر حاضرة في وعيها الجمعي. ولذلك فإن أخطر ما تسعى إليه السياسات التطبيعية اليوم ليس فقط تغيير المواقف الرسمية، بل إعادة تشكيل الوعي الشعبي بحيث يصبح التطبيع أمرًا طبيعيًا.
غير أن هذا المشروع يظل هشًا ما دامت في المجتمعات قوى حية ترفض الخضوع لمنطق الهيمنة. فالتاريخ لا يُصنع في قصور السلطة وحدها، بل في قدرة الشعوب على مقاومة محاولات إخضاعها وإعادة إنتاج إرادتها السياسية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في المرحلة الراهنة ليست فقط ضد التطبيع السياسي، بل ضد الفلسفة السياسية التي تبرره؛ أي فلسفة البراغماتية الاستزلامية التي ترى في التبعية خيارًا عقلانيًا، وفي الاستسلام تكيفًا مع الواقع. إنها معركة بين منطقين: منطق الهيمنة ومنطق التحرر، وبينهما يتحدد مستقبل لبنان وسورية الطبيعية والمنطقة بأسرها.
