الحدود اللبنانية–الفلسطينية المحتلة على صفيح ساخن: هل تمهّد “إسرائيل” لعملية برية واسعة في جنوب لبنان؟

تشهد الحدود اللبنانية–الفلسطينية تصعيداً عسكرياً مع محاولات إسرائيلية للتقدم البري في جنوب لبنان، خصوصاً في الخيام وعيترون، لكنها تواجه مقاومة حزب الله. تراجعت الضربات الجوية لتركز الجهد على الدعم البري، فيما رد الحزب بصواريخ محدودة. إسرائيل تحاول أيضاً اختراق البيئة الجنوبية عبر حملات دعائية رقمية. ومع أن العمليات الحالية قد تكون تمهيدية لاحتلال واسع، إلا أن تحديات الجغرافيا والمقاومة تُلقي بights على قدرة إسرائيل على التقدم أو تحمّل كلفة حرب برية طويلة.

كتبت د. نبيلة عفيف غصن

تشهد الجبهة الممتدة على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة تصعيداً عسكرياً متدرجاً يعكس تحوّلاً في طبيعة المواجهة بين الكيان الصهيوني وحزب الله. فالأحداث التي شهدتها الليلة الماضية وصباح اليوم تشير إلى محاولة “إسرائيل” اختبار إمكانية توسيع عملياتها البرية في جنوب لبنان، في وقت لا تزال فيه المقاومة تحافظ على خطوط الدفاع الأمامية وتمنع تحقيق اختراق حاسم.

تصعيد ميداني ومحاولات تقدم بري

في منطقة الخيام، التي تحولت خلال الأيام الماضية إلى إحدى بؤر الاشتباك الأساسية، حاولت قوات جيش الكيان الصهيوني التقدم نحو مواقع يعتقد أنها تابعة لحزب الله، وذلك تحت غطاء مدفعي كثيف. إلا أن هذه المحاولة اصطدمت بمقاومة مباشرة من مقاتلي الحزب الذين تمكنوا من استهداف آليات عسكرية إسرائيلية ونصب كمين للقوات المتقدمة، ما أدى إلى تعطيل تقدمها.

المشهد ذاته تكرر في عيترون، حيث حاولت وحدات من جيش الكيان التقدم داخل المنطقة، لتندلع اشتباكات عنيفة مع مقاتلي حزب الله استمرت حتى ساعات الصباح. وتشير المعطيات إلى أن القوات الإسرائيلية حاولت كذلك التقدم باتجاه مارون الراس القريبة من عيترون، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بسبب موقعها المرتفع وإشرافها على مناطق واسعة من الحدود.

هذه المحاولات المتكررة تعكس سعي القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى اختبار خطوط الدفاع الأولى للمقاومة وقياس سرعة استجابتها وقدرتها على منع التقدم البري.

تراجع نسبي للضربات الجوية وتكثيف الضغط الميداني

بالتوازي مع التحركات البرية، لوحظ تراجع نسبي في عدد الضربات بالطائرات المسيّرة مقارنة بالأيام السابقة، وهو مؤشر قد يعكس تحولاً تكتيكياً مؤقتاً يهدف إلى تركيز الجهد على دعم العمليات البرية.

مع ذلك، لم تتوقف الغارات بشكل كامل. فقد تعرضت مدينة صيدا لضربة أدت إلى تضرر مبنى سكني، كما سُجلت ضربات في جبل الشيخ جنوب النبطية. أما الضاحية الجنوبية لبيروت، فقد شهدت مجدداً هجوماً واسعاً خلّف دماراً كبيراً، في إطار استراتيجية إسرائيلية تقوم على توسيع دائرة الضغط العسكري والنفسي على البيئة الداعمة للمقاومة.

رد حزب الله وتركيز الجهد الدفاعي

في المقابل، رد حزب الله بعدد محدود من الضربات الصاروخية باتجاه شمال فلسطين المحتلة. ويبدو أن الأولوية الحالية للحزب ليست في توسيع الهجمات داخل العمق الإسرائيلي، بل في تركيز الجهد العسكري على مواجهة أي محاولة تقدم بري.

هذا السلوك يعكس إدراكاً لدى قيادة الحزب بأن المعركة الحاسمة، في حال اندلاعها، ستكون على الأرض في قرى الجنوب وتلاله، حيث يمكن للجغرافيا المعقدة والأنفاق والتحصينات أن تتحول إلى عامل حاسم في استنزاف القوات المهاجمة.

الحرب النفسية والتجسس الرقمي

إلى جانب العمليات العسكرية، تعمل “إسرائيل” على جبهة أخرى لا تقل أهمية: الحرب النفسية والاستخباراتية. فقد تم توزيع منشورات دعائية في مناطق الجنوب تتضمن رموز QR تتيح التواصل أو تقديم معلومات.

هذا الأسلوب لا يقتصر على الدعاية فحسب، بل يحمل بعداً استخباراتياً خطيراً، إذ يمكن استخدام هذه الروابط لتجنيد متعاونين أو تثبيت برامج تجسس على هواتف الأشخاص الذين يقومون بمسحها.

بهذا المعنى، تسعى “إسرائيل” إلى اختراق البيئة الاجتماعية في الجنوب بالتوازي مع الضغط العسكري، في محاولة للحصول على معلومات ميدانية دقيقة حول تحركات المقاومة وبنيتها التنظيمية.

هل تمهد “إسرائيل” لاحتلال جنوب لبنان؟

المعطيات الميدانية تشير إلى أن العمليات الحالية قد تكون مرحلة تمهيدية لعملية أوسع نطاقاً. فالهدف الاستراتيجي المحتمل للقيادة الإسرائيلية يتمثل في إقامة منطقة عازلة داخل جنوب لبنان أو حتى احتلال أجزاء منه بهدف إبعاد قوات حزب الله عن الحدود.

غير أن تحقيق هذا الهدف يواجه تحديات كبيرة، أبرزها:

أولاً، طبيعة الجغرافيا الجنوبية التي تتميز بتلالها الوعرة وقراها المتداخلة، ما يجعل أي تقدم بري بطيئاً ومكلفاً.
ثانياً، خبرة حزب الله القتالية التي راكمها خلال عقود من المواجهة مع جيش الاحتلال وفي حروب المنطقة.
ثالثاً، الاستعداد الدفاعي المسبق الذي يتضمن شبكة أنفاق وتحصينات تسمح بإدارة حرب استنزاف طويلة.

خلاصة

حتى الآن، لم يتمكن جيش الكيان الصهيوني من تثبيت أي تقدم حاسم في مناطق الاشتباك مثل الخيام وعيترون. ومع استمرار المقاومة في التصدي لمحاولات التوغل، تبدو الجبهة الجنوبية أمام مرحلة اختبار حقيقي قد تحدد ما إذا كانت “إسرائيل” قادرة فعلاً على خوض حرب برية واسعة في لبنان.

وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال الأكبر:
هل تستطيع “إسرائيل” تحمّل كلفة معركة برية طويلة في جنوب لبنان، أم أن الجغرافيا والمقاومة ستعيدان إنتاج معادلة الردع التي تشكلت منذ حرب تموز 2006؟