الجزيرة… الإمبراطورية التي غزت العقول قبل أن تغزو الشاشات…
فاتنة علي ـ لبنان ـ سوريا الطبيعية.
ليست كل الحروب حروباً عسكرية، وليست كل الهزائم نتيجة معركة خاسرة على أرض الميدان. فثمة حروب أخطر من الرصاص، وأشد فتكاً من الطائرات، وأعمق أثراً من الدبابات والجيوش. إنها الحروب التي تستهدف العقل قبل الجسد، والوعي قبل الأرض، والسردية قبل الحدث.
في عالم اليوم، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح سلاحاً استراتيجياً قادراً على صناعة القناعات، وإعادة تشكيل الأولويات، وتوجيه الشعوب نحو ما يراد لها أن تراه، وإبعادها عما يراد لها ألا تراه.
ومن بين أكبر المشاريع الإعلامية التي عرفها العالم العربي خلال العقود الأخيرة، برزت قناة الجزيرة بوصفها إمبراطورية إعلامية متكاملة، تجاوز تأثيرها حدود قطر والمنطقة العربية لتصبح لاعباً مؤثراً في تشكيل الرأي العام على امتداد العالم.
رفعت الجزيرة منذ انطلاقتها شعار “الرأي والرأي الآخر”، وهو شعار بدا للكثيرين عنواناً للحرية والانفتاح والمهنية. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس جمال الشعار، بل حقيقة ما يختبئ خلفه.
فعندما يكون “الرأي الآخر” هو رأي المحتل، أو المستعمر، أو الصهيوني، أو ممثل المشروع الإمبريالي الذي يعتدي على أرضك وشعبك، فهل يصبح فتح المنبر له دليلاً على المهنية؟ أم يتحول إلى بوابة لاختراق وعي الجمهور العربي وإدخال رواية العدو إلى داخل البيوت العربية بأدوات عربية؟
وهل المطلوب من الأمة التي ما زالت تدفع ثمن الاحتلال والعدوان والحصار والقتل أن تمنح خصمها مساحة إضافية للوصول إلى جمهورها تحت عنوان الحوار؟
هذه ليست أسئلة عابرة، بل أسئلة تمس جوهر وظيفة الإعلام نفسه.
لقد دخلت الجزيرة إلى البيوت العربية من أوسع الأبواب. دخلت بوصفها القناة التي تنقل معاناة الشعوب، وتناصر المستضعفين، وتكشف ما تحاول الأنظمة إخفاءه، وتمنح مساحة للقضايا التي أهملتها وسائل إعلام أخرى. ولذلك نجحت في بناء رصيد هائل من الثقة والمصداقية لدى قطاعات واسعة من العرب.
لكن المشكلة لا تكمن دائماً فيما يظهر على الشاشة، بل فيما يمر من خلف الشاشة.
فنحن، كشعوب، نعاني في كثير من الأحيان من أزمة حقيقية في التعامل مع الإعلام. نحن شعوب تجيد التلقي أكثر مما تجيد البحث، وتتأثر بالعاطفة أكثر مما تحتكم إلى التدقيق، وتنجذب إلى العناوين البراقة أكثر مما تغوص في التفاصيل.
ولهذا يصبح من السهل تمرير كثير من الرسائل الخطيرة عندما تُقدَّم داخل إطار جذاب ومقنع.
فالإنسان لا يُخدع غالباً بالكذبة الواضحة، بل بالنصف حقيقة، وبالمعلومة الصحيحة التي تُستخدم للوصول إلى نتيجة خاطئة، وبالخطاب الذي يبدو عقلانياً في ظاهره بينما يحمل في داخله رسائل أخرى لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات.
ومن هنا تبدأ خطورة الإعلام.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الجدل الكبير الذي يرافق بعض البرامج التي تقدمها الجزيرة، وعلى رأسها البرامج التي تعتمد على استضافة الإسرائيليين ومنحهم مساحة للحديث أمام الجمهور العربي.
فقد رأى كثيرون في هذه البرامج نموذجاً للإعلام القوي الذي يواجه العدو بالحجة والمنطق، بينما رأى آخرون أنها تمنح الاحتلال فرصة مجانية للوصول إلى العقل العربي تحت ستار الحوار.
ويبرر البعض ذلك بالقول إن بعض الدول العربية ترتبط باتفاقيات سلام مع إسرائيل، وإن الحوار الإعلامي معها لا يمثل خروجاً عن الواقع السياسي القائم.
لكن هذا التبرير يطرح بدوره أسئلة أكبر.
أين كانت القوانين الدولية عندما كانت غزة تُقصف؟
أين كانت المؤسسات الأممية عندما كان المدنيون يُقتلون ويُحاصرون؟
أين كانت الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق التي جرى التبشير بها لعقود طويلة باعتبارها الضمانة لحماية الشعوب؟
لقد شاهد العالم بأسره كيف تعطلت تلك القوانين عندما تعلق الأمر بالفلسطينيين وبقضايا المنطقة.
وشاهد العالم كيف أصبح القانون الدولي عاجزاً عن حماية طفل، أو امرأة، أو مستشفى، أو مدرسة.
فإذا كانت كل هذه المنظومة قد أثبتت محدوديتها أو عجزها في لحظات الاختبار الحقيقية، فلماذا يُطلب من الشعوب أن تنظر إلى المسألة الإعلامية بمنطق قانوني بارد منفصل عن الواقع؟
إن أول ما يحكم سلوك الإنسان هو انتماؤه الوطني، ومبادئه، ومرجعيته الأخلاقية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحق للعدو أن يتحدث؟
بل: لماذا يتحدث من منابرنا نحن؟
ولماذا يُمنح حق الوصول إلى جمهورنا بينما تُغلق منابره أمامنا؟
إذا كانت الفكرة هي الحوار، فلماذا لا نرى المقاومين العرب يحظون بالمساحات نفسها على الشاشات الغربية الكبرى؟
ولماذا يتم التضييق على كل صوت يواجه إسرائيل أو يفضح جرائمها؟
ولماذا تُحاصر رواية المقاومة إعلامياً بينما تُفتح الأبواب على مصاريعها للرواية المقابلة؟
إذا كان الحوار قيمة عالمية، فلماذا لا يُطبق على الجميع بالمعيار نفسه؟
إن هذه الأسئلة وحدها كافية لإظهار حجم التناقض القائم.
ثم نصل إلى نقطة أخرى لا تقل أهمية.
ففي كثير من البرامج السياسية والحوارية يتم تقديم شخصيات معينة بصورة متكررة حتى تتحول تدريجياً إلى مراجع فكرية وإعلامية لا ينافسها أحد.
فتتكرر الأسماء نفسها.
وتُمنح المساحات نفسها.
ويُعاد تسويق الأشخاص أنفسهم.
ويُصنع حول بعضهم هالة من البطولة الفكرية والاستثنائية السياسية.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل يجري اختيار هؤلاء لأنهم الأفضل فعلاً؟
أم لأنهم الأكثر قدرة على خدمة سردية معينة يراد ترسيخها في وعي الجمهور؟
إن صناعة الرموز الإعلامية ليست عملية بريئة دائماً.
فالاختراق الحقيقي للعقول لا يحتاج إلى شخص جاهل أو سطحي، بل يحتاج إلى شخص ذكي ومقنع ويمتلك حضوراً قوياً وثقة عالية.
عندها تصبح الرسالة أكثر فاعلية.
لأن المتلقي يفتح أبواب عقله بنفسه لمن يثق به.
ثم تأتي الرسائل الصغيرة التي تبدو غير مؤذية.
رسالة هنا.
وفكرة هناك.
ومصطلح يتكرر.
وسردية تتسلل بهدوء.
إلى أن تصبح بعد سنوات جزءاً من وعي الجمهور نفسه.
تماماً كما يتسلل الدواء إلى الجسد فيعالج مرضاً معيناً بينما يترك آثاراً أخرى لا تظهر فوراً.
ولعل من أبرز الأمثلة التي يستشهد بها كثيرون في هذا السياق ما جرى خلال السنوات التي تلت حرب تموز عام 2006.
ففي تلك المرحلة كانت الجزيرة تقدم حزب الله بوصفه رمزاً للمقاومة العربية في مواجهة إسرائيل، وكانت تغطي المعركة بطريقة جعلت ملايين العرب يلتفون حول هذا النموذج المقاوم.
لكن مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011 تبدل المشهد بصورة جذرية.
وبدأ خطاب مختلف بالظهور.
خطاب يرى كثيرون أنه ساهم في تعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية داخل المنطقة، وأعاد إنتاج سرديات خدمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أهدافاً طالما سعت إسرائيل إلى ترسيخها.
وقد ترك ذلك آثاراً عميقة في الوعي العربي والإسلامي ما زالت ملامحها حاضرة حتى اليوم.
ثم جاءت أحداث غزة وما تبعها من تطورات لتعيد خلط الأوراق مجدداً، ولتكشف حجم التناقضات التي صنعتها سنوات طويلة من التوجيه الإعلامي.
لكن المشكلة أن آثار السرديات الكبرى لا تختفي بسرعة.
فالكلمة التي تُزرع في الوعي تحتاج سنوات كي تُقتلع.
والفكرة التي تُبث عبر الإعلام قد تستمر أجيالاً كاملة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة ليس الهجوم العسكري، بل الهجوم على وعيها.
فالاحتلال يستطيع أن يدمر مدينة في ساعات.
أما الإعلام فيستطيع أن يدمر جيلاً كاملاً على مدى سنوات.
الصاروخ قد يهدم بناية.
أما السردية المعادية فقد تهدم مستقبلاً بأكمله.
ولهذا كان الإعلام وسيبقى أخطر أسلحة العصر.
وأخيراً، إذا كانت المصافحة اعترافاً كما يردد كثيرون، وإذا كان الاعتراف يمنح شرعية، فإن السؤال الذي يبقى مطروحاً بإلحاح هو:
كيف يمنح من لا يعترف أصلاً بشرعية خصمه منصة للوصول إلى جمهوره؟
وكيف يتحول المنبر العربي إلى مساحة مفتوحة لمن يرفض أصلاً الاعتراف بحقوق العرب؟
وهل سمع التاريخ يوماً أن أصحاب القضايا العادلة انتصروا عبر منح خصومهم مزيداً من النفوذ داخل مجتمعاتهم؟
إن الصراع بين الحق والباطل لم يكن يوماً صراعاً على من يمتلك مساحة أكبر للكلام فقط، بل كان صراعاً على الثبات والالتزام والقدرة على حماية الوعي من الاختراق.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة حدود وجغرافيا فحسب، بل معركة عقول وإدراك وسرديات.
ومن ينتصر في معركة الوعي، يملك القدرة على رسم شكل المستقبل كله.
