مقدمة: السيادة الناقصة والارتهان المالي
ليست السيادة الوطنية مجرد علم يُرفع، ولا دستورًا يُكتب في أروقة البرلمانات، ولا هتافات تُردد في المناسبات الجوفاء؛ إن السيادة الحقيقية – في جوهرها وماديتها – هي نتاج استقلال نقدي واقتصادي يملك فيه المجتمع زمام قوته الإنتاجية وتحديد مصيره المالي بمعزل عن إملاءات المراكز الإمبريالية. وما شهده لبنان في أزمته الراهنة لم يكن وليد صدفة عابرة، ولا مجرد كبوة إدارية أو فساد معزول عن سياقه التاريخي، بل هو الإنجاز التلقائي والمكتمل لنموذج اقتصادي ونقدي هجين صُمم هندسيًا منذ إعلان “لبنان الكبير” عام 1920.
لقد وضع الاستعمار الفرنسي بذور هذه التبعية الهيكلية حين اغتال إمكانات الاقتصاد الإنتاجي الزراعي والصناعي، واستبدل بها وظيفة “الوسيط التجاري والمالي” الخادم للمصالح الغربية [1]. ثم جاءت الطبقة السياسية والمالية الحاكمة لتُكرّس هذا الإرث وتطوره عبر حِزم من التشريعات النفعية والقوانين المصرفية المقيدة، وصولًا إلى حقبة “الحريرية السياسية” التي أجهزت على ما تبقى من مقومات الدولة عبر رهينة الدين العام والتثبيت النقدي الصوري.
إن تاريخ هذا الانهيار هو تاريخ قيود نقدية صُنعت في باريس، وحُميت في بيروت، وتُوّجت بالارتهان لمؤسسات النفوذ الدولي. ولا خروج من هذا النفق إلا بتفكيك المفهوم الريعي السائد وإعادة بناء اقتصاد سيادي نديّ يرتكز على الإنتاج والتكامل الإقليمي العضوي.
أولًا: تأسيس “الاقتصاد الوسيط” وتقويض الإنتاج (1920–1943)
أرست سلطات الانتداب الفرنسي قواعد التبعية النقدية منذ اللحظات الأولى لاحتلالها المنطقة؛ حيث عمد الجنرال غورو عبر القرار رقم (129) الصادر عام 1920 إلى قطع الروابط النقدية التاريخية للمنطقة وإصدار ليرة سورية-لبنانية مربوطة بالفرنك الفرنسي حصريًا [2]. ولم تكتفِ السلطات الكولونيالية بذلك، بل منحت حق إصدار النقد وإدارة الامتيازات لمؤسسة خاصة مملوكة لأسهم فرنسية وأوروبية وهي “بنك سوريا ولبنان” (Banque de Syrie et du Liban – BSL) [3].
تحول هذا البنك الخاص إلى خزينة للسيادة النقدية وموجهٍ للسياسات المالية؛ حيث كانت كمية النقد المصدر تابعة لتقلبات الاقتصاد والفرنك في باريس، وليس لمتطلبات التنمية والنمو المحلي. أدى هذا الربط إلى استنزاف الثروة الوطنية ونقل الضغوط التضخمية من الاقتصاد الفرنسي إلى الداخل اللبناني، مُجرّدًا السلطة المحلية من أي قدرة على إدارة السياسة النقدية أو حماية الأسواق الوطنية.
2. هندسة الوظيفة الخدماتية وضرب القطاعات الإنتاجية
ترافق الارتهان النقدي مع عملية إعادة هندسة شاملة للهيكل الاقتصادي؛ إذ سعت سلطات الانتداب إلى تحويل مرفأ بيروت إلى “مستودع ومركز تجاري” (Entrepôt) وظيفته الامتصاصية والتوزيعية للبضائع الأوروبية نحو الداخل الآسيوي [4]. وفي المقابل، أُهملت الزراعة الوطنية عمداً، وجُرّدت الصناعة النامية من أي حماية جمركية حقيقية، كي لا تنافس المنتجات الفرنسية (وعلى رأسها صناعة الحرير اللبناني التي تم تصفيتها لصالح مصانع ليون الفرنسية) [5].
أنتجت هذه السياسة خللًا هيكليًا حادًا في الميزان التجاري؛ حيث أصبح البلد يعتمد على الخارج لتأمين أدنى مقومات عيشه الغذائي والصناعي. وتكرست طبقة من التجار والوكلاء المحليين المتقاطعين مع المصالح الكولونيالية، لتتشكل البذرة الأولى للنظام الريعي الذي يرى في الإنتاج عبئاً، وفي الوساطة والاستيراد مصدراً سهلاً للربح.
ثانيًا: مأسسة النظام الريعي وحماية رأس المال (1943–1975)
1. قانون السرية المصرفية (1956) وتكريس الوظيفة الجسرية
عقب الاستقلال، لم تجرِ الطبقة الحاكمة أي مراجعة جذرية للهيكل الاقتصادي الكولونيالي؛ بل أعادت إنتاجه وتطويره تحت غطاء أدبيات “الجمهورية التاجرة” وفلسفة ميشال شيحا [6]. وتُوّج هذا التوجه بتشريع قانون السرية المصرفية عام 1956 بدفع مباشر من ريمون إدّة، بهدف تحويل بيروت إلى “خزينة آمنة” ورأس جسر لامتصاص الفوائض المالية والنفطية الناشئة في المنطقة والأموال الهاربة من التأميمات الإقليمية [7].
قدم هذا القانون ملاذاً مطلقاً لرؤوس الأموال دون فرض أي التزامات تنموية على المصارف؛ فلم تُوجّه تلك التدفقات الضخمة لبناء السدود، أو القواعد الصناعية، أو مكننة الزراعة، بل جُمّدت في عقارات مضاربة وقروض استهلاكية وسندات ريعية، ما عمق انفصال القطاع المصرفي عن الواقع المادي المأزوم للبلاد.
على الرغم من تأسيس مصرف لبنان عام 1963 بصفته بنكاً مركزياً مملوكاً للدولة عقب انتهاء امتياز BSL، إلا أن “قانون النقد والتسليف” جاء محكوماً بالمنطق ذاته [8]. لقد حُددت وظيفة البنك المركزي في الحفاظ على سلامة النقد وحرية حركة التحويلات المالية الخارجية، دون أن تُناط به أهداف تنموية واضحة كتمويل القطاعات الإنتاجية أو فرض نسب استثمار إجباري في المشاريع القومية.
وظل هذا الاستقرار النقدي الوهمي هشاً، وقائماً على حركة التدفقات الخارجية المتقلبة، وهو ما تكشّف بوضوح في أزمة انهيار “بنك انترا” عام 1966، والتي كانت إنذاراً مبكراً لمدى خطورة المراهنة على قطاع مصرفي متضخم يعيش على المضاربات والسياسات المالية غير المستندة إلى أصول اقتصادية مادية [9].
ثالثًا: “الحريرية السياسية” واستبدال الانتداب بالدين العام (1992 وما بعدها)
1. تثبيت سعر الصرف وهندسة العجز
مع انتهاء الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف، دخلت البلاد مرحلة “الحريرية السياسية” التي أخذت النهج الريعي إلى أقصى درجاته النيوليبرالية. كان قرار ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي عام 1997 عند سعر ثابت (1507.5 ليرة) المسمار الأساسي في نعش الاقتصاد الوطني [10].
تطلب هذا التثبيت الصنعي الضخ المستمر للعملات الأجنبية في شرايين البنك المركزي لامتصاص الصدمات وحماية القوة الشرائية الوهمية. ولأجل جذب هذه الأموال، اعتمد مصرف لبنان والدولة سياسة الفوائد المرتفعة بأسعار فاحشة، مما أغرى المصارف والمودعين بوضع أموالهم في استثمارات غير منتجة بدلاً من مجالات العمل الخلاق والصناعة.
2. استنزاف الخزينة لصالح كارتيل المصارف وأدوات الارتهان
تحولت الدولة اللبنانية إلى أداة لامتصاص الفوائض المالية من المواطنين وتحويلها لخدمة “كارتيل المصارف” الذي التقت مصالحه العضوية مع الطبقة السياسية الحاكمة [11]. وبدلاً من تمويل التنمية عبر نظام ضريبي تصاعدي يطال الثروات والريوع المالية، اعتمدت الخزينة على الاستدانة المباشرة.
وتتجلى أدوات هذا الارتهان المالي في ثلاث آليات رئيسية:
سياسة تثبيت سعر الصرف (1507.5 ليرة مقابل الدولار): اعتمدت هذه السياسة على جذب تدفقات العملة الصعبة عبر أسعار فائدة خيالية لتغطية عجز الميزان التجاري، مما أدى مباشرة إلى ضرب القدرة التنافسية للصناعة والزراعة الوطنية، وجعل البلاد مكشوفة كليًا أمام الاستيراد الخارجي.
إصدار سندات “اليوروبوندز”: وهي أداة استدانة بالعملات الأجنبية لجأت إليها الخزينة لتمويل إنفاقها الجاري عبر الاقتراض من المصارف المحلية والمؤسسات المالية الخارجية، مما نتج عنه رهن القرار المالي والسياسي للدولة لصالح الجهات الدائنة وكارتيلات البنوك.
الهندسات المالية (بدءًا من عام 2016): مثلت هذه الهندسات نموذجًا متقدمًا لـ “سلسلة بونزي” (Ponzi Scheme) ترعاها الدولة؛ حيث قدم البنك المركزي أرباحًا وعائدات خيالية وغير منطقية للبنوك التجارية مقابل تجفيف السيولة بالعملة الصعبة من الأسواق وتكديسها في مصرف لبنان، مما أدّى إلى استنزاف أموال المودعين وتأجيل الانهيار الحتمي على حساب تضخيم حجمه وكارثيته عند وقوعه عام 2019 [12].
أسفر هذا النموذج عن تفاقم “العجز المزدوج”: عجز الموازنة العامة بسبب خدمة الدين الكارثية، وعجز الميزان التجاري الناتج عن استيراد أكثر من 80% من الحاجات الاستهلاكية للبلاد [13]. بات لبنان مكشوفاً بالكامل أمام أي هزات خارجية أو قرار سياسي بوقف التدفقات المالية، ليصبح الدين العام – الذي تجاوز مائة مليار دولار – الأداة البديلة والحديثة للسيطرة الاستعمارية وسلب القرار السيادي.
رابعًا: التكافل مع المؤسسات المالية الدولية ومؤتمرات الدعم الإمبراطوري
عندما بدأت أعراض التفكك تظهر على هيكل الدين اللبناني، لم تتجه القوى الحاكمة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، بل لجأت إلى المراكز الاستعمارية ذاتها عبر مؤتمرات الدعم المشروطة التي رعتها فرنسا (“باريس 1″ عام 2001، و”باريس 2″ عام 2002، و”باريس 3” عام 2007، وصولاً إلى “سيدر” عام 2018) [14].
فرض شروط نيوليبرالية قاسية تتضمن الخصخصة الشاملة للقطاعات الناجحة (كالاتصالات والمرافئ).
2. شروط صندوق النقد والبنك الدوليين (الاستعمار الجديد)
تُمثّل برامج التصحيح الهيكلي التي يفرضها صندوق النقد والبنك الدوليان الوجه الأكثر صراحة للاستعمار الجديد (Neocolonialism) [15]. فعند وقوع الأزمة المالية، يُطلب من الدولة الدائنة تقديم أملاكها العامة، وبيع أصولها الوطنية، وتحرير أسعار الخدمات الأساسية، وتقليص الإنفاق الاجتماعي والصحي والتعليمي، لقاء الحصول على قروض تقطيرية.
خاتمة: تحطيم الأغلال وبناء الدولة المنتجة
إن القراءة النقدية لهذا التاريخ تُثبت بصورة قاطعة أن ما يمر به لبنان ليس أزمة عابرة أو مجرد اختلال في الإدارة، بل هو السقوط المدوّي لنموذج كولونيالي ريعي انتهت صلاحيته التاريخية والأخلاقية. لقد نجح الانتداب الفرنسي ومن تلاه من منظومات المحاصصة في تحويل لبنان إلى مجرد “دكان خدماتي” ومصيدة ديون تُدار بالريموت كنترول من العواصم الغربية والمؤسسات المالية الدولية.
ولكن الانهيار الكارثي الراهن يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل يجب أن يُشكل لحظة القطيعة التاريخية والنهوض الوطني. إن تحرير لبنان من هذا الإسار لا يمكن أن يتحقق بالترقيع، ولا بإنعاش ذات الجثة الريعية الميتة، ولا بالاستجداء على أبواب صندوق النقد والمؤتمرات الدولية. إن البديل النهضوي السيادي يمر حتماً عبر المسارات التأسيسية التالية:
.1 إسقاط المنطق الريعي ومحاسبة كارتيل المصارف: إعلان الحماية القانونية التامة لأموال المودعين الصغار والمتوسطين، وإجراء مسح جنائي للأرباح الفاحشة التي جُنيت من هندسات البنك المركزي والفوائد الخيالية، واسترداد الأموال المهربة لبناء صندوق سيادي للتنمية.
.3 التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي المباشر: بناء قاعدة صناعية وزراعية حديثة تؤمن الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي والدوائي، وتكسر الحلقة المفرغة للاستيراد والعجز الميزاني التراكمي.
.4 التكامل الإقليمي العضوي (الانفتاح المشرقي): الخروج من عزلة “الجزيرة الخدمية” والاندماج في الفضاء المشرقي الطبيعي (بلاد الشام والهلال الخصيب) لإنشاء شبكات خطوط نقل، وطاقة، وتجارة بينية تُعيد للبنان موقعه كجسر إنتاجي حقيقي يربط بين المحيط والداخل.
إن النهضة الحقيقية تبدأ يوم ندرك أن الكرامة الوطنية ليست شعاراً يُقال، بل هي مصنع يُبنى، وأرض تُزرع، وعملة تُحمى بعرق العمال والعلماء، وسيادة نقدية تُنتزع انتزاعاً من أيدي المستعمرين وأدواتهم المحلية.
الهوامش والمراجع
.5 Gates, Carolyn L. (1998). The Merchant Republic of Lebanon: Rise of an Open Economy and the Collapse of the State. London: I.B. Tauris, pp. 22–35.
.6 شيحا، ميشال. (1984). خواطر حول السياسة والاقتصاد. بيروت: دار النهار، ص 105-112.
.7 الذوق، جان. (2002). السرية المصرفية في لبنان: أبعادها الاقتصادية والقانونية. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، ص 15-28.
.8 مصرف لبنان. (1963). قانون النقد والتسليف وتعديلاته (المرسوم الاشتراعي رقم 13501). بيروت: المطبوعات الرسمية.
.9 Dubar, Claude & Nasr, Salim. (1976). Les Classes Sociales au Liban. Paris: Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, pp. 180–195.
.10 غازي، يوسف. (2010). الهندسة المالية والنقدية في لبنان (1992-2008). بيروت: دار الفارابي، ص 67-85.
.11 الكواز، إسماعيل. (2021). كارتيل المصارف والدين العام: قراءة في الأزمة المالية اللبنانية. مجلة الدراسات الاقتصادية العربية، المجلد 28، العدد 4، ص 110-135.
.12 كلاب، شربل. (2020). الهندسات المالية لمصرف لبنان: الآليات والتداعيات. بيروت: المركز اللبناني للدراسات، ص 12-29.
.13 البنك الدولي. (2021). تقرير المرصد الاقتصادي للبنان: الانهيار الاقتصادي والمالي (صيف 2021). واشنطن: مجموعة البنك الدولي.
.14 وزارة المالية اللبنانية. (2018). التقرير الاقتصادي حول مؤتمرات باريس وسيدر: التعهدات والشروط الهيكلية. بيروت: المطبوعات الحكومية.
.15 Nkrumah, Kwame. (1965). Neo-Colonialism, the Last Stage of Imperialism. London: Thomas Nelson & Sons, pp. 239–254.
د. نبيلة عفيف غصن
