تعليق على (معاهدة مكة) الثلاثية ودلالاتها السياسية والأمنية في هذا التوقيت
د. فاضل الشرقي
عضو المكتب السياسي لأنصار الله
من الغباء الكبير أن تتورّط دولٌ إقليمية كبرى مثل تركيا وباكستان في توقيع معاهدات واتفاقيات أمنية مشتركة مع دولة مثل السعودية؛ لأنها ستجرّ عليهما الويل والوبال والنكال، وتُقوِّض البنية الأمنية والاقتصادية المستقرة منذ عقود. وهذه مؤامرة أمريكية صهيونية تستهدف تركيا وباكستان وتورّطهما في حروب ونزاعات وصراعات تخدم مشروع إسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الجديد.
أقصد الآن، في هذا التوقيت الذي تُستهدف فيه المنطقة أمريكيًا وإسرائيليًا بمشروع الشرق الأوسط الجديد وإقامة دولة إسرائيل الكبرى، وهذه الدول، وعلى رأس القائمة، دولٌ مستهدفة بشكل معلن وواضح.
السعودية داخلة في مخطّط إسرائيل الكبرى، وتركيا هدفٌ معلن قادم لإسرائيل عبّر عنه المسؤولون الإسرائيليون العسكريون والسياسيون بشكل صريح، وهناك مناوشات إعلامية وسياسية متبادلة بين قيادتي الطرفين غير مخفية.
كذلك باكستان هدفٌ نووي كبير لإسرائيل، تسعى لتفكيكها وإضعافها، وتدمير القوة النووية الباكستانية لصالح خارطة إسرائيل الكبرى ولصالح الهند أيضًا.
في هذه الفترة، هذه الدول الثلاث بالذات، الدول الإقليمية الكبرى، كانت أحوج ما تكون إلى اتفاقية دفاعية مع إيران؛ لأن إيران برزت سابقًا وفي الفترة الحالية بشكل واضح أنها قادرة على مواجهة أمريكا وإسرائيل مجتمعتين، وقد واجهت وصمدت في البر والبحر والجو. فهذه الدول الثلاث تحتاج فعلاً إلى حماية، لكن إلى حماية من أمريكا وإسرائيل، لا أن تتشكّل وتتمحور مذهبيًا وطائفيًا بما يؤجّج بؤرة الصراع والتوتر في المنطقة.
كان من الأفضل أن تنأى تركيا وباكستان بأنفسهما عن أي تحالف مع السعودية؛ لأن السعودية تحوّلت إلى بؤرة توتر إقليمي وبحري بالدرجة الأولى، ودائرة الخصومة تتّسع معها يومًا بعد آخر. وتركيا وباكستان شهدتا في العقود الأخيرة نوعًا من الاستقرار الأمني والاقتصادي، وهما دولتان ذات كثافة سكانية كبيرة واقتصاديات تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة، وارتباطهما بالسعودية سيضر بالبيئة الأمنية والاقتصادية لبلديهما ويورّطهما في صراعات لا تخدم الأمن القومي لكل منهما.
فأعتقد أن التحالف مع السعودية بشكل معاهدات أو اتفاقيات للأمن الجماعي المشترك أو الدفاعي معناه جرّ باكستان وتركيا إلى صراع إقليمي كانتا في غنى عنه. ولذا ليس من الحكمة على الإطلاق ما فعلته تركيا وباكستان. ولا أعتقد أنه تحالف عفوي وبريء على الإطلاق، فما كان ولا يمكن لتحالف مثل هذا أن يكون ويتشكّل دون دفع أمريكي صهيوني يهدف لتفكيك البلدين الإسلاميين الكبيرين، أو رغبة أمريكية في تدمير دول المنطقة وشعوبها للتعويض عن فشل حربها على إيران.
فباكستان دولة مجاورة لإيران تربطها بها علاقات تجارية واقتصادية واجتماعية وسياسية وجغرافية وتاريخية، وكذلك تركيا تربطها نفس العلاقة مع إيران. الأمريكيون والإسرائيليون يحاولون الدفع بتركيا وباكستان للحضور الإقليمي في المنطقة على حساب ما يسمّونه «النفوذ الإيراني» لخلق صراع محتدم شيعي–سني، طائفي–مذهبي، بين الدول العربية والدول الإسلامية، يمهّد لقيام دولة إسرائيل الكبرى.
إسرائيل تشتغل في عدة اتجاهات لتمكين خريطتها التوسعية من التنفيذ، وأمريكا ترعى هذا المخطّط. وهناك دول أخرى تتقاطع مع مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي لن يقوم إلا بتدمير تركيا وباكستان وإيران. وأي إضعاف لإيران ومحور المقاومة –لا سمح الله– لا يخدم إلا إسرائيل، ويؤدي إلى تسريع عملية القضاء على تركيا وباكستان وتسهيل قيام دولة إسرائيل الكبرى التوسعية.
فعندما عجزت أمريكا وإسرائيل عن استهداف إيران وإضعافها أو إسقاط النظام فيها، وهو ما كان سيمهّد حتمًا لزعزعة الأمن والاستقرار في تركيا وباكستان ومصر وباقي دول الإقليم، لكن هذه الدول تأتي في الصدارة، دفعت من الخلف بتركيا وباكستان إلى هذا المستوى الأمني الخطِر، أو إلى الانزلاق الأمني الخطِر. لذا من المصلحة القومية لهذين البلدين الجارين لإيران المستهدفين من أمريكا وإسرائيل أن يتورّطا في تحالفات مع السعودية والدخول في صراع مع إيران ومحور المقاومة، لأن ذلك بمثابة الانتحار والتهديد الوجودي للبلدين، والأيام بيننا؛ إذا لم يسارعا لمراجعة هذه السياسات والتحالفات والمعاهدات القائمة أو تعديل مساراتها.
اليوم لدى السعودية مشاكل أمنية مع إيران، ولها مشاكل عسكرية مع اليمن، ومع العراق، ومع لبنان، ومع دول وشعوب عربية وإسلامية أخرى، وهي تعتدي وتحاصر اليمن منذ 12 عامًا. وقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية أنها ستعمل على رفع الحصار والعدوان عن اليمن، والسعودية تكثّف اعتداءها في اليمن، وهو عازم وجاد على انتزاع حقوقه ورفع الحصار والاحتلال والعدوان السعودي عنه، ولن يثنيه تحالف هنا أو هناك عن ذلك، وتورّط التركي والباكستاني في الصراع إلى جانب السعودي هو خدمة مجانية لإسرائيل.
وكذلك لدى السعودية مشاكل أمنية مع العراق، إذ اعتدت ونفّذت عدوانًا غاشمًا بشراكة أمريكية على العراق. والسعودية تتخندق وتتقاطع مع الكيان الصهيوني في عدد من الملفات في المنطقة، بينما باكستان وتركيا على النقيض تمامًا من ذلك.
فلماذا في هذا التوقيت بالذات ترتبط هذه الدول الثلاث بتشكيل محور جديد؟ وفي مواجهة من؟ هل المحور التركي–الباكستاني–السعودي واضح الوجهة والأهداف؟ الظاهر أنه يتشكّل من أجل حماية السعودية التي تعمل لتنفيذ المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة. فجرّ باكستان وتركيا إلى أي عمل عسكري يخدم السعودية في البحر الأحمر أو في خليج عدن أو في باب المندب أو في مضيق هرمز ليس من مصلحة هذين البلدين الإسلاميين الكبيرين على الإطلاق.
نحن نأسف أن تنزلق تركيا وباكستان إلى مربع صراع مفتعل هما في غنى عنه، وهما مستهدفتان من ورائه، في الوقت الذي تواجه فيه المنطقة وشعوبها عدوانًا أمريكيًا إسرائيليًا لا يرحم، وجرائم الحرب والإبادة في غزة ولبنان على أشدها، والضفة الغربية والقدس تتعرضان لجرائم مماثلة، وهذه الشعوب المقهورة والمظلومة هي أحوج إلى تحالف دفاعي يحميها من جرائم القتل والإبادة والتهجير وليس السعودية.
كذلك، كانت هذه الدول المجتمعة أحوج ما تكون إلى اتفاق دفاعي مشترك مع إيران. ولو افترضنا –على سبيل الافتراض– أن أمريكا وإسرائيل تمكنتا من إسقاط النظام في إيران أو إضعافه، أو تهيّأت الأمور لوجود نظام بديل في إيران موالٍ لأمريكا وبالتالي موالٍ لإسرائيل، فإن أي نظام في طهران يتخادم مع الصهيونية العالمية والمشروع الأمريكي سيعمل سريعًا على تقويض الأمن والاستقرار التركي والباكستاني. لن تكون تركيا ولا باكستان ولا حتى السعودية في مأمن منه.
لم يكن هناك صعود تركي سابقًا ولا استقرار في باكستان إلا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران. فاستقرار الجمهورية الإسلامية في إيران ساهم في استقرار تركيا وساهم في استقرار باكستان. فالساسة والقادة السياسيون في باكستان وتركيا مدعوون إلى مراجعة شاملة للاتفاق، أو أن يبقى حصرًا في مواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، وهذا أمر مستبعد تمامًا.
فأقول إن أي انحراف بالدور التركي أو الدور الباكستاني لما يخدم أجندة السعودية العدوانية في العراق أو في اليمن أو في إيران سيؤثر تأثيرًا مباشرًا على الأمن في باكستان وعلى الأمن في تركيا، وستكون مصالح البلدين معرّضة للخطر والاستهداف. ولن يؤثر هذا التحالف، إذا انجرف إلى تحالف عدواني مجددًا على اليمن أو على إيران أو على العراق، على هذه الجبهات بقدر ما سيكون تأثيره على تركيا نفسها وعلى باكستان نفسها، وسيكون بداية التفكك والتراجع التركي والتفكك والتراجع الباكستاني. فباكستان مهددة من إسرائيل ومهددة من الهند، وتركيا مهددة كذلك من إسرائيل واليونان بشكل معلن.
إن أي تحالف تحت أي عنوان يُقدَّم ويستثني إيران ومحور المقاومة هو تحالف فاشل بل ومشبوه. وبالنسبة لي فإن السعودية ليست مشبوهة فحسب، بل متهمة ومدانة ومتورطة في العمل لصالح أمريكا ولصالح مشروع الهيمنة الأمريكية الصهيونية والتوسع الإسرائيلي، وهذه مؤامرة جديدة ومغالطة مكشوفة تحت عنوان دفاعي، لتوفير غطاء سياسي يمكن السعودية من الاستمرار في تنفيذها عدوانها الغاشم على اليمن وتخادمها الواضح مع الصهوينية وتآمرها مع الأمريكيين على دول وشعوب المنطقة وفي مقدمتها إيران ومحور المقاومة، وهو ما ينبغى العمل على إفشاله وإجهاضه، دون السماح بالتورط في صراع يحقق طموحات العدو وآماله ومخططاته.
لقد أُعطيَت هذه المعاهدة عنوانًا دينيًا (معاهدة مكة) لإيهام الرأي العام العربي والإسلامي بأن مضامين هذه المعاهدة هي لحماية مكة والمقدسات، كما كان عليه الأمر في بداية العدوان السعودي الأمريكي على اليمن عندما حاولت السعودية أن تحشد مرتزقة من السودان، وحاولت كذلك مع باكستان –ولكنها فشلت– تحت عنوان حماية المقدسات والحرمين الشريفين وما إلى ذلك. فأي تحالف عربي أو إسلامي يتمحور حول السعودية وبعض الدول الإقليمية المنخرطة في الحلف الأمريكي هو تخندق واصطفاف في المشروع الإسرائيلي بلا أي إشكال. وأي تحالف يستثني القضية الفلسطينية وإيران ومحور المقاومة فهو متهم ومشبوه ومحكوم عليه بالفشل.
برأيي أنه تحالف ارتجالي عشوائي فوضوي تقف خلفه واشنطن، ولا يخدم أمن واستقرار شعوب المنطقة ودولها، وفي مقدمتها الدول الثلاث، ويجب أن يكون هناك حديث سياسي ودبلوماسي جاد ومستفيض مع تركيا وباكستان يفظي لتدارك الوقوع في أتون مخططات الصهيونية القذرة. إذ لا توجد اليوم أي دولة عربية أو إسلامية ولا أي نظام ولا أي زعيم في مأمن من العدوان والاستهداف الأمريكي-الاسرائيلي، ولا شك أن الكل يتحسس رأسه ودوره. فأيهما يحتاج إلى تحالف دفاعي، وضد من، ومن من، وفي مواجه من؟
