بين سيادة الشعارات ومرارة الواقع: صرخة في وجه السلطة.. سقوط الأقنعة ودور الوظيفة المشبوهة

د.نبيلة عفيف غصن


​في المشهد اللبناني المعقد، حيث تتشابك خيوط اللعبة الإقليمية الكبرى مع انهيارات الداخل الممنهجة، تبرز إشكالية الحكم والمسؤولية بأفظع صورها. حين طُرح اسم شخصية القاضي نواف سلام، رئيس الحكومة، تسقفت التوقعات على أعلى درجات الأمل. فالرجل تغطى بإرث مزيف من النزاهة والسمعة الدولية كقاضٍ سابق في محكمة العدل الدولية، وتم تسويقه بأنه من أصدر مذكرة التوقيف بحق نتنياهو وكبديل خارج الشبهات التقليدية لفساد الطبقة السياسية العفنة.
​ولكن، حين نرفع الغطاء البرّاق، نكتشف أن الهوة بين “نظافة الكف الشخصية والوطنية!!!” و”الدور الوظيفي الخطير” أعمق بكثير مما يظن البعض، وأننا لسنا أمام مجرد “ضعف إداري”، بل أمام تقاطع جذري مع المشروع المعادي.
​أولاً: وهم السيادة والتحدي.. أين الدولة من هموم الناس؟
​من السهل جداً رفع سقف الخطاب السياسي حول السيادة، ومواجهة من فرطوا بها، أو خوض معارك رمزية هنا وهناك. والمواطن اللبناني، بطبيعته، يدرك تماماً حجم المأزق التاريخي الواقع فيه اليلد. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقسوة: ما قيمة السيادة على الورق إن لم يكن المواطن قادراً على الحصول على نقطة ماء صالحة للشرب، أو ساعة كهرباء واحدة، أو طريق صالح للمرور؟
​حين تغيب أبسط مقومات العيش الكريم، وتتحول الخدمات الأساسية إلى رفاهية مفقودة، تصبح كل خطابات السيادة والشعارات البراقة مجرد غطاء صوتي لعجز بنيوي مستحكم.

​الحكومة اليوم تبدو في غيبوبة تامة عما يعانيه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية. النزول إلى أرض مدمرة لزرع علم أو إطلاق تصريحات عنترية “بعدم ترك الأهل”، بينما الأهل يعانون من قسوة العوز والقهر والهجرة واليأس، لا يعدو لكونه انفصالاً تاماً عن الواقع.
​ثانياً: فخ المحاصصة.. التنازل تحت وطأة الميليشيات والأمر الواقع
​إن أكبر خيبة أمل يواجهها اللبنانيون اليوم تتمثل في الاستمرارية المذلة لمنظومة “المحاصصة” ذاتها، وكأن شيئاً لم يتغير.
​توزيع المغانم: جرى تقاسم السفراء، والقضاة، والمدراء العامين، ومجالس الإدارة، وصولاً إلى مصرف لبنان ونوابه وهيئات الرقابة.
​شلل الهيئات الناظمة: لم ينتظم من هذه التعيينات سوى صرف الرواتب الخيالية بلا إنتاج، بل وصل الأمر إلى التأسيس لمعاشات تقاعدية لقطاعات ميتة كالسكك الحديدية!
​الرجل الذي يُفترض أنه مستقل ونظيف، وجدناه مساهماً أو متواطئاً في إعطاء الفاسدين ما طلبوه، وممارسة نفس السياسات القديمة بغطاء “سيادي” براق. فهل هذه المحاصصة مرتبطة بالسيادة، أم بالبقاء على الكرسي وإرضاء أمراء الطوائف والخارج؟
​ثالثاً: دفاع “الزحفطونيين”.. هل يكفي ألا تكون فاسداً؟
​يخرج علينا أحياناً جوقة المدافعين والمطبلين – “الزحفطونيين” – بلائحة أعذار جاهزة: “على الأقل هو آدمي، ليس فاسداً، ولا يوجد على يديه دم”.
​ولكن هل يكفي رئيس حكومة في زمن الانهيار أن يكون “آدمياً” فقط بينما يُترك الفاسدون يعبثون بما تبقى من مقدرات البلد ويشاركونه في الواجهة؟
​حين تمنح الفاسدين ما يريدون وتغطي أفعالهم بالنفوذ والموقع، فإن طهارة اليد الشخصية تصبح مجرد ورقة توت تخفي عورة نظام سقط مسبقاً في اختبار الإدارة والعدالة.
​رابعاً: السقوط الجذري.. من العجز الإداري إلى الاشتباه الوظيفي والتماهي مع المشروع الصهيوني
​إن النظرة المعمقة لتاريخ الرجل وأدائه تنقل النقاش من مربع “العجز” إلى مربع الاشتباه السياسي الجذري والدور المرسوم:
​سقوط أسطورة القضاء الدولي: إن الموقف المشبوه الذي اتخذه خلال وجوده في المحكمة الدولية برفضه إدراج وتوصيف جريمة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني ومقاضاة نتنياهو بوضوح، يكشف طبيعة العقيدة القانونية الغربية المروّجة التي تحمي الجاني وتشرعن العدوان.
فنواف سلام ليس من اصدر مذكرة التوقيف بحق نتنياهو والمسؤولين العسكريين الإسرائيليين، كما رُوج له، فمذكرات التوقيف الفردية بحق المجرمين الإسرائيليين (مثل نتنياهو وغيره) هي من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، بينما كان الدكتور نواف سلام قاضياً (ورئيساً) في محكمة العدل الدولية (ICJ)، وهي المحكمة المعنية بالنزاعات بين الدول (مثل دعوى الإبادة التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد كيان الاحتلال)، ولا تصدر مذكرات توقيف بحق الأفراد.
​الخطاب المتماهي مع الصهيونية: إن تركيز الخطاب الرسمي اليوم على أولوية “نزع سلاح المقاومة” وتجريد الجبهة الداخلية من عناصر قوتها، هو تطابق كامل وأبشع مع الشروط الإسرائيلية والأمريكية. حين يصبح الشغل الشاغل للسلطة هو محاربة من قاوم العدو، فإننا أمام إدارة ملحقة بالرؤية الصهيونية لتصفية عناصر الصمود الأخير.

​خامساً: الانقلاب على الحقائق واتفاقات الإطار.. قلب الجرم وحماية المعتدي
​إن أخطر ما يمارسه رأس السلطة لا يتوقف عند حدود السياسات الداخلية، بل يتعداه إلى السطو المنهجي على سردية الصراع:
​تجزئة الوقائع: الرد الرسمي الذي يحمل المقاومة وشعبها وزر الحرب والدمار، متجاوزاً حقيقة العدوان الإسرائيلي وجذور المشروع الاستيطاني، هو إعادة صياغة للوقائع تخدم العدو علناً في الخندق المقابل.
​تمرير اتفاقات الإطار سراً: إن تمرير تفاهمات خطيرة حول الحدود، وموارد النفط والغاز، والمياه، وشروط السيادة (كما يُكشف تباعاً في جلسات التفاوض المشبوهة في روما وغيرها)، بمعزل عن الإجماع الوطني الحقيقي وبدون العودة إلى ممثلي الشعب الحقيقيين في الميدان، يمثل طعنة غادرة في جسد السيادة الوطنية.
​خاتمة
​البلد اليوم في مهب العاصفة الإقليمية الكبرى، والتاريخ لا يرحم من يختار موقع الشريك بالوكالة في معركة كسر إرادة شعبه. إن صرخة العتب من محب أو الرفض القاطع من مناضل ليست إلا تحذيراً أخيراً من مسار انحداري خطير.
​إما أن يكون المسؤول واجهة لخدمة أوجاع الناس وحماية مقدراتهم، وإما أن يظل ديكوراً أنيقاً لتنفيذ الشروط الغربية والصهيونية تحت شعارات “الشرعية الدولية”.. وفي هذه المعركة الوجودية، لن تففع كل أوسمة الطهارة الشخصية في غسل عار المشاركة بالصمت أو الفعل في اغتيال دولة وشعب.