ماذا لو قررت إيران إنهاء «اللاحرب واللاسلم»؟

ناصر قنديل

يقوم التوازن الحالي بين واشنطن وطهران على معادلة «اللاحرب واللاسلم». تفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، وتمنع السفن من تحميل النفط الإيراني أو نقل البضائع إليه، بينما تغلق إيران مضيق هرمز عملياً أمام الحركة الطبيعية، من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة مع الأسطول الأميركي. لكن هذه المراوحة ليست قدراً دائماً، بل هي حالة مرفوضة من إيران كما نقل الرئيس مسعود بزشكيان عن المرشد مجتبى خامنئي داعياً إلى إنهائها. فماذا يحدث إذا قررت طهران أن كلفة الانتظار صارت أعلى من كلفة الاشتباك، وانتقلت من إغلاق هرمز إلى كسر الحصار الأميركي بالقوة؟

قد تكون نقطة الانطلاق محاولة سفينة متجهة إلى ميناء إيراني تحدّي الحصار، كما فعلت السفينة «فيلا نوفا» قبل أن تعطّلها البحرية الأميركية بصواريخ أطلقتها مروحية على غرفة محركاتها. فإذا قرّرت إيران حماية السفينة التالية، يصبح الاشتباك المباشر مرجحاً. وليس ضرورياً أن تبدأ بضرب حاملة طائرات أو محاولة إغراق أسطول كامل؛ بل يكفي أن تستهدف القطع التي تنفذ الاعتراض، أو المروحيات والقواعد والرادارات التي توفر لها الحماية، لإعلان أن الحصار لم يعد عملية أميركية مجانية.

هنا تظهر الفجوة بين القدرة الهجومية الإيرانية والقدرة الدفاعية الأميركية. لا تحتاج طهران إلى تدمير الأسطول الأميركي كي تربح الجولة، بل إلى إجباره على استهلاك أعداد كبيرة من صواريخ الاعتراض لحماية السفن والقواعد المنتشرة في الخليج. تمتلك إيران مخزوناً واسعاً ومتنوعاً من المسيّرات والصواريخ المجنحة والباليستية، بينها ذخائر منخفضة التكلفة وأخرى عالية الدقة. وقد أظهرت خلال الحرب قدرتها على إعادة فتح بعض منشآتها الصاروخية تحت الأرض واستئناف الإطلاق منها، رغم أسابيع من القصف الأميركي والإسرائيلي. ووفق تقدير استخباري أميركي نشرته «واشنطن بوست»، احتفظت إيران بعد الضربات بجزء كبير من قدراتها الصاروخية واستأنفت الإنتاج.

في المقابل، لا يعني الحديث عن تراجع المخزونات الأميركية أن واشنطن فقدت القدرة على القتال؛ فهي لا تزال تمتلك قوة جوية وبحرية هائلة وقدرة تدميرية تتفوّق على إيران. لكن المشكلة ليست في شن ضربة أو تنفيذ حملة لأيام، بل في مواصلة حرب دفاعية طويلة تتطلب اعتراض مئات الصواريخ والمسيّرات وحماية عشرات القواعد والمنشآت والسفن والدول الحليفة. وتشير تقديرات منشورة إلى استهلاك نحو ثلثي مخزون صواريخ باتريوت الأميركي السابق للحرب، مع تراجع كبير في مخزون «ثاد» وصواريخ الاعتراض البحرية. وكان هذه المعضلة أحد أسباب تأجيل ترامب حملة جوية كان مخططاً لها أن تستمر بين عشرة أيام وأسبوعين.

إذا قرّرت إيران الاستنزاف، فمن المرجح أن توزع الضربات بين القطع البحرية والقواعد والرادارات، بدلاً من تركيزها على هدف واحد شديد التحصين. الهدف هنا ليس تحقيق نصر عسكري كلاسيكي، بل فرض معادلة كلفة: مقابل كل صاروخ أو مسيّرة إيرانية، تضطر واشنطن إلى إطلاق صاروخ اعتراض أغلى وأندر، وربما أكثر من صاروخ لضمان الإصابة. وكلما طال الاشتباك، اتسعت الفجوة بين سرعة الاستهلاك وبطء الإنتاج الأميركي.

الرد الأميركي يضع ترامب أمام خيارين كلاهما صعب: الخيار الأول توسيع الحرب بقصف منشآت الصواريخ والطاقة والموانئ الإيرانية. لكن هذا يفتح الباب أمام توسيع طهران بنك أهدافها ليشمل منشآت النفط والقواعد في الخليج، ويضاعف مخاطر إغلاق هرمز وباب المندب. عندها قد يقفز النفط إلى مستويات لا يستطيع الاقتصاد الأميركي والأسواق تحملها طويلاً، بينما يكون الاحتياطي النفطي الاستراتيجي عند أدنى مستوياته منذ عقود.

الخيار الثاني أن تبقى واشنطن في حرب محدودة، تحاول فيها حماية الحصار والسفن والقواعد، من دون ضربات قادرة على حسم المواجهة. وهذه هي الصيغة الأنسب لإيران، لأنها تحوّل التفوق العسكري الأميركي إلى عبء دفاعي يومي، وتنقل المبادرة إلى من يختار توقيت الضربة وحجمها. وقد تستطيع الولايات المتحدة تحمل هذا الوضع عسكرياً لفترة، لكن السؤال يصبح عن قدرتها السياسية والاقتصادية على تحمله، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات وتفاقم أزمة أوكرانيا ونقص ذخائر الدفاع الجوي.

القرار الإيراني لن يكون بلا أثمان؛ فقد تخسر طهران سفناً ومنصات إطلاق ورادارات ومنشآت حيوية، وقد تمنح ترامب مبرراً لتوسيع الحرب. لذلك لن تتخذ قرار كسر الحصار إلا إذا اقتنعت بأن واشنطن أغلقت باب التسوية وتستخدم المراوحة انتظاراً لانهيارها الاقتصادي. عندها يصبح عدم الرد قبولاً بتحول الحصار إلى وضع دائم.

بهذا المعنى، لا يكون هدف إيران من إنهاء «اللاحرب واللاسلم» هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، بل إسقاط المنطقة الرمادية التي تسمح لها بخنق إيران من دون دفع ثمن الحرب. فإذا صار تنفيذ الحصار يعني خسائر أميركية واستنزافاً متسارعاً للذخائر وارتفاعاً خطيراً في النفط، سيجد ترامب نفسه بين حرب يستطيع بدءها لكنه لا يستطيع ضمان نهايتها، وبين العودة إلى مذكرة التفاهم: رفع الحصار والإفراج عن الأموال مقابل تنظيم العبور في هرمز وإنهاء الحروب الإقليمية.