خيام غزّة المتهالكة تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد 3 أعوام من النزوح
مهند فوزي أبو شمالة/بوابة الهدف الإخبارية
تعيش آلاف العائلات في قطاع غزة أيّامًا ثقيلة، بعد ثلاث سنواتٍ متواصلة من النّزوح، في خيامٍ نُصبت في العراء، التي كان من المفترض أن تكون حلًّا مؤقّتًا، لكنّها باتت واقعًا فرضه العدوان المستمرّ على قطاع غزة منذ 3 أعوام، فلم تعد قادرةً على أداء وظيفتها البسيطة في توفير حدٍّ أدنى من الستر والأمان؛ إذ تآكلت أقمشتها وتصدّعت حبالها، لتترك قاطنيها في مواجهةٍ مباشرة مع تقلبات الطّقس وتلاشي الخصوصيّة.
لقد حوّلت الحرارة داخل الخيمة المكان إلى ما يشبه الفرن، فلم تعد مأوًى يُحتمى به، لتصبح عبئًا يُضاف إلى قسوة الظّروف الحياتيّة اليوميّة؛ فمن ظروف الطّقس إلى ظروف الحياة، فإنّ هذه الخيام التي اهترأت جنباتها وفقدت كل معاني الستر والحماية، لم تعد تقوم بأيّ من الحدود الدنيا من وظائفها، فأعدمت الخصوصيّة وأصبحت تشارك النّاس بعضهم بعضًا في جميع ظروف حياتهم، وهي أسباب وظروف دفعت النّازحين لنسيان الإعمار وبيوتهم، والبحث عن خيام وأقمشة جديدة تحمي جلودهم من حرّ الصّيف، وتحفظهم من المارّة.
يجد النّازحون أنفسهم اليوم بلا بدائل تُذكر، يرقّعون ما تبقى من شوادر بلاستيكيّة متهالكة لعلّها تقيهم شمس الصّيف؛ فلقد أصبحت هذه المخيمات الممتدّة على طول القطاع شاهدةً على استنزافٍ إنسانيّ كامل، غابت فيه أبسط الموارد الأساسيّة، وتلاشى معه حلم العودة القريبة إلى البيوت المهدومة أو إعمارها، ليحل محلّه صراعٌ يوميّ للظّفر باستصلاح خيمةٍ تقي قاطنها من الحرق وتوفّر له بضعًا من الستر.
سياسة إسرائيليّة متعمّدة
لا ينفصل هذا المشهد المأساويّ عن سياسةٍ تعسفيّة ممنهجة يمارسها الاحتلال الإسرائيليّ، الذي يتعمّد إبقاء سكان القطاع في هذه الظّروف غير الآدميّة، عبر فرضه حظرًا مشدّدًا على إدخال الخيام الجديدة، والشوادر، ومواد البناء الأساسيّة، ورفض ورود أيّة مساعدات إنسانيّة كفيلة بتوفير حلول إيواء مؤقّتة وكريمة. إنّ عرقلة وصول هذه الإمدادات الحيويّة تأتي في إطار ضغطٍ متواصل لتشييد واقعٍ من الحرمان المطبق، وجعل أبسط مقومات الحياة والستر أمنيّةً بعيدة المنال لأكثر من مليوني نازح.
270 ألف أسرة تعيش في الخيام..
بينهم 150 ألف خيمة بحاجة للاستبدال يقول مدير العلاقات العامّة في وزارة الأشغال العامّة والإسكان محمد شقليه لبوابة الهدف، إنّ قطاع غزة يواجه كارثةً إنسانيّة وعمرانيّة غير مسبوقة، حيث ارتفع إجماليّ الوحدات السكنيّة المهدمة كليًّا وغير الصّالحة للسكن إلى 410 آلاف وحدة، من بينها 335 ألف وحدة دُمّرت بشكلٍ كامل. وأوضح شقليه أنّ نحو 350 ألف أسرة أصبحت مستحقة للإيواء الطّارئ، تُقيم منها 270 ألف أسرة داخل خيام نزوح مؤقّتة، مشيرًا إلى أنّ التقييمات الميدانيّة كشفت عن وجود 150 ألف خيمة باتت مهترئة تمامًا وبحاجة ماسّة واستثنائيّة للاستبدال العاجل نتيجة تآكل أقمشتها وطول فترة الاستخدام، وذلك وفقًا لأحدث حصر للنّازحين ومراكز الإيواء من خلال وزارة التّنمية على المنظومة الوطنيّة للإيواء.
ويؤكّد أنّ الخيام هي بديل إيواء طارئ ولا تصلح سوى لعدد محدود من الأشهر، ولا تصلح بديلَ إيواءٍ مؤقّت لحين إعادة الإعمار، مشيرًا إلى أنّ نحو 60% من الخيام الحالية مهترئة وبالية وبحاجة لاستبدال عاجل. 350 ألف أسرة فقدت المأوى وبحاجة لتدخل.
ويوضح شقليه في حديثه مع الهدف، أنّ وزارة الأشغال أنهت الحصر الأوليّ للوحدات والأسر التي فقدت المأوى، وقد تمّ مشاركة الاحتياج وبدائل الإيواء المناسبة وتقديراتها مع الجهات والمؤسسات الدوليّة كافة، لافتًا إلى وجود “فيتو” إسرائيليّ وصمت دوليّ على تنفيذ التدخّلات العاجلة في برامج الإيواء وإزالة الرّكام باعتبارها بدايةً لمرحلة التعافي والإنعاش المبكّر.
وعدَّ مدير العلاقات العامّة في الوزارة أنّ الخيام ليست البديل المناسب، وأنّ الأصل توفير بدائل مناسبة مثل: الكرفانات، الإيجار، أو تهيئة وحدات خاصة بمواد مناسبة. ويختم شقليه حديثه مع “بوابة الهدف” بالقول: لا تزال الوزارة وبالتنسيق مع الشّركاء كافةً تحاول اتخاذ التدابير اللازمة للتخفيف من حدّة الأزمة ومعاناة النّازحين، ومنها على سبيل المثال لا الحصر اتخاذ قرار بضرورة توفير مساحة وحمام مستقل لكل خيمة توفر حدًّا أدنى من الخصوصيّة، إضافة لاستخدام بعض البدائل من مواد مثل الأخشاب، فضلًا عن مشاريع مواءمة أجزاء من الوحدات المتضررة بهدف تهيئة مكان آمن للإيواء.
الظل..
رفاهية مفقودة مع دخول الصّيف تحوّلت خيام النّزوح في قطاع غزة إلى ما يشبه الأفران، نظرًا لاشتداد درجة الحرارة وعدم جاهزيتها لهذه الأجواء، فضلًا عن الحالة التي وصلت لها بعد 3 سنوات وهي تفترش العراء، وفي ظل حرب إبادة لم تترك شجرًا ولا حجرًا، بات الظلّ رفاهيةً يتمتّع بها قلّةٌ ممن وجد شجرةً أو بقايا منزل آيل للسقوط يستظلّ به بعيدًا عن لهيب الخيمة.
النازح أبو محمد عبيد، يقول لبوابة الهدف إنّه لم يكن يتخيل أنّ قطعة القماش يمكن أن تتحول إلى مصدر إضافيّ للحرارة بدلًا من الوقاية منها، فمع حلول ساعات الظهيرة، تصبح الخيمة من الداخل أشبه بفرن مغلق، ولا يملك قاطنها أيّ وسيلة لتلطيف الجو سوى تحريك قطعة من الكرتون للتهوية، وهو أمر لا يصنع أيّ فارق حقيقيّ في ظل درجات الحرارة العالية.
ويضيف أبو محمد أنّ قماش الخيمة اهترأ وتآكلت طبقاته بفعل الشمس المتواصلة على مدار ثلاث سنوات، وأصبح خفيفًا يمرر أشعة الشمس المباشرة فوق رؤوسنا، فضلًا عن أنّ الأطفال هم الأكثر تضرّرًا من هذا الوضع، حيث التهبت أجسادهم ونمت عليها البثور والأمراض الجلديّة بسبب الحرّ الشديد والعرق المستمرّ، وصار النوم خلال النهار أمرًا مستحيلًا للجميع.
ويتابع حديثه قائلًا: “نحاول الخروج وقضاء معظم اليوم تحت ظلال بعض المباني المجاورة، لكن أين يذهب الأطفال وكبار السن الذين لا يتحملون التنقل؟ إنّ الصّيف داخل هذه الخيام المتهالكة استنزف طاقة أجسادنا وصحتنا، وأصبحت أبسط حقوقنا في الجلوس براحة داخل مكان مقفل ومظلل مجرد حلم بعيد المنال”.
خصوصيّة معدومة..
تفاصيل حياتنا مكشوفة للجميع تقول السيدة أم فتحي عرفات وهي تقطن إحدى الخيام في بلدة الزوايدة وسط القطاع، إنّ الخصوصيّة داخل الخيمة كانت محدودة منذ البداية، لكنّها اليوم انعدمت بشكل كامل، فالأقمشة والستائر التي كانت تفصل الخيمة عن الممر العام أو الخيام المجاورة تآكلت وتمزقت أطرافها، وأصبح أيّ حديث أو حركة داخل الخيمة مسموعًا ومكشوفًا لمن يمر في الطريق، مما يسبب لنا إحراجًا دائمًا.
وتضيف في حديثها مع “بوابة الهدف“: “كنساء، نجد صعوبة كبيرة في ممارسة حياتنا اليومية البسيطة؛ فتبديل الملابس أو النوم يرتبطان بحذر شديد، ونضطر أحيانًا لاستخدام بطانيات قديمة لتغطية الثقوب والفتحات الكبيرة، لكنّ البطانيات تحجب الهواء وتجعل الجو مكتومًا، كما أنّ الخيوط التي نربط بها القماش لم تعد تمسك الأطراف المتهالكة.”
وتختم أم فتحي حديثها مشيرةً إلى أنّ الحياة بلا ساتر حقيقيّ تجعل الإنسان يشعر أنّه يعيش في الشارع تمامًا، رغم وجود أربعة جوانب قماشية حوله، وأنّ كل ما تتمناه هو وسيلة سترة بسيطة تضمن حدًّا أدنى من الكرامة وتستر عائلتها، فأبسط مقومات الحياة الإنسانيّة تبدأ من امتلاك مساحة خاصة يحمي السقف والجدار أسرارها.
يستمر أهالي قطاع غزة في تدبير شؤون يومهم بما يتوفر بين أيديهم من إمكانيات شحيحة، محاولين الحفاظ على ما تبقى من كرامتهم الإنسانيّة داخل مساحات ضيقة تكاد تخلو من أدنى مقومات الحياة، لكنّ الأزمة الحقيقيّة اليوم لا تقف عند حدود المأوى الفعليّ أو جودة الخيام، بل تكمن بالأساس في السياسات الإسرائيليّة التي تُبقي هذه المعاناة قائمة، عبر منع المواد المخصصة للإيواء وحظر دخول المساعدات اللازمة لإنقاذ العائلات من الموت البطيء في العراء.

مهند فوزي أبو شمالة_ بوابة الهدف الإخبارية/ قطاع غزة
