وهم الاستنزاف العسكري وحقيقة المكاسب الخفية
​حين تتابع التقارير الإخبارية اليومية عن التوترات العسكرية المحيطة بملف إيران ومنطقة الشرق الأوسط، يبدو السطح الظاهري للصراع متمثلاً في استنزاف مالي وبشري هائل، وتكاليف دفاعية باهظة تتحملها القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن القراءة الاستراتيجية العميقة لآليات صنع القرار في واشنطن تكشف عن مفارقة مذهلة؛ فما يُطرح علناً على أنه خسارة وأعباء أمنية، يمثل في الكواليس واحدة من أضخم وأعقد شبكات «البيزنس» المربحة في تاريخ الرأسمالية المعاصرة.
​لم يعد الصراع العسكري في العصر الحديث مجرد امتداد للسياسة بالوسائل الأخرى كما عرفه كارل فون كلاوزفيتز، بل تحول بامتياز إلى صناعة تجارية عابرة للقارات، تعتمد على ديمومة التوتر وتصعيد الأزمات لضمان تدفق عوائد مالية فلكية لشركات السلاح، ومجمع الطاقة، والشركات العابرة للحدود. ومن هنا، تصبح الإجابة عن التساؤل الملح: «لماذا لا ترغب واشنطن في إغلاق ملف النزاعات نهائياً؟» مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدى اندماج هذه الحروب في دورة رأس المال الأمريكي وإدامة هيمنته الاقتصادية.
​المجمع العسكري-الصناعي: عندما تصبح الحروب وقوداً للأسهم والأرباح
​في قلب الدولة العميقة في الولايات المتحدة يتربع المجمع العسكري-الصناعي، وهو شبكة مترابطة من البنتاغون، والكونغرس، وكبرى شركات المقاولات العسكرية مثل لوكهيد مارتن، ورايثيون، وبوينغ، وجنرال دايناميكس. تعتمد هذه الكيانات الضخمة نموها المالي على استمرار الطلب المحموم على الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، وتحديث الترسانات العسكرية نتيجة الاستهلاك الميداني المستمر والتصعيد الإقليمي.
​عندما يشتد التوتر مع إيران أو تندلع الاشتباكات الإقليمية بالوكالة، يتسابق صناع القرار في واشنطن لضخ حزم مساعدات عسكرية وعقود تسليح بمليارات الدولارات. هذه الأموال لا تذهب سدى إلى ساحات القتال، بل تعود مجتمعة إلى خطوط الإنتاج داخل الولايات المتحدة، مما ينعكس فوراً على تضاعف أسهم شركات السلاح وتحقيق أرباح قياسية غير مسبوقة. إن بقاء شبح الحرب قائماً هو الضمان الوحيد لاستمرار هذا التدفق المالي الضخم الذي ينعش الاقتصاد الأمريكي الداخلي على حساب دمار مناطق النزاع.
​طاقة الفوضى: مكاسب شركات النفط والغاز الأمريكية
​إلى جانب تجارة السلاح، تلعب أسواق الطاقة دور البطولة الصامتة في ملحمة الأرباح الخفية. فالأزمات المستمرة في الشرق الأوسط تؤدي حتماً إلى زعزعة استقرار إمدادات النفط العالمية، مما يفتح الباب أمام شركات النفط والغاز الأمريكية لتحقيق أرباح إضافية طائلة. وتشير التقارير الاقتصادية والبيانات المتاحة إلى أن شركات الطاقة الأمريكية تمكنت من جني أكثر من 63 مليار دولار كأرباح إضافية صافية نتيجة تقلبات الأسعار والطلب المفاجئ في أسواق المحروقات.
​ولم تتوقف المكاسب عند هذا الحد؛ فإغلاق أو تهديد ممرات الطاقة الحيوية، واضطراب الإمدادات، جعلا الغاز الطبيعي المسال الأمريكي يتحول إلى شريان حيوي بديل بأسعار خيالية تعوض ميزانيات الطاقة الأمريكية لأعوام قادمة، وتضمن تبعية الحلفاء الاوروبيين لقرارات واشنطن الطاقوية. هكذا، تتحول أزمات الأسواق العالمية إلى رصيد إضافي في خزائن شركات الطاقة الكبرى.
​معضلة ترامب والسياسة الأمريكية: البراغماتية ومصالح «البيزنس»
​يثير الموقف الأمريكي تساؤلات حيرة المراقبين؛ فعلى الرغم من التصريحات المتكررة لبعض القيادات السياسية، وفي مقدمتهم دونالد ترامب، التي تنادي برفض الحروب الأبدية وتقليل التورط العسكري المباشر، إلا أن الواقع على الأرض يظهر استمرارية هيكلية لتلك السياسات أو إدارة للأزمات لا تقود أبداً إلى حلها الجذري.
​السبب يكمن في البراغماتية الرأسمالية الصارمة؛ فصناع القرار يدركون تماماً أن تصفية الصراعات تماماً تعني تجفيف منابع الانتعاش الاقتصادي المرتبط بصناعة الدفاع والطاقة. الاستراتيجية المتبعة اليوم هي «إدارة الصراع لا إنهاؤه»؛ إبقاء مستوى التوتر مرتفعاً بما يكفي لضمان استمرار شراء الحلفاء للأسلحة والغاز الأمريكي، ومنخفضاً بما يكفي لتفادي حرب شاملة غير محسوبة النتائج قد تدمر مصالح واشنطن الاستراتيجية.
​هندسة التوتر المستدام كاستراتيجية بنيوية
​في التحليل الأخير، يتضح أن استراتيجية واشنطن تجاه إيران والشرق الأوسط لا تُبنى على أساس الد الدبلوماسي التقليدي الهادف للسلام المستدام، بل على نموذج «إدارة الأزمات المربحة». هذا النموذج يضمن تحقيق أهداف مزدوجة:
.1 ​الاحتواء الجيوسياسي: منع أي قوة إقليمية من الهيمنة المنفردة على ممرات التجارة والطاقة.
.2 ​الاستنزاف المالي المتبادل: دفع الخصوم والحلفاء على حد سواء للاتكال على الترسانة والتكنولوجيا الأمريكية للدفاع عن أمنهم، مما يحول المنطقة برمتها إلى سوق استهلاكي ضخم للمنتجات العسكرية والاستراتيجية الأمريكية.
في الختام، يتبين أن الحديث عن الخسائر المعلنة لواشنطن في حروبها الخارجية هو نصف الحقيقة فقط؛ النصف الآخر والأكثر أهمية يكمن في الثروات الهائلة التي تُحقق في الخفاء لصالح المجمّع العسكري والنفطي. لقد غدت الحرب في القرن الحادي والعشرين واحدة من أخطر وأنجح أنواع «البيزنس» العالمي، حيث تتكامل الأهداف السياسية المعلنة مع المصالح الاقتصادية المستترة، مما يجعل إيقافها أمراً بالغ التعقيد طالما ظلت المليارات تتدفق بسلاسة في شرايين الاقتصاد الأمريكي.
​إن بقاء معادلة «اللا حرب واللا سلم» تدر أرباحاً طائلة على شركات السلاح والطاقة في الولايات المتحدة، يعني بوضوح أن صراعات الشرق الأوسط وإيران ستظل تُدار كاستثمارات تجارية مربحة وليست كملفات دبلوماسية قابلة للحل الجذري.
د. نبيلة عفيف غصن