في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران وجمود الحرب الروسية الأوكرانية، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم السبت (7 نوفمبر). ووفقاً لبيان صادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتوتر بين إيران والولايات المتحدة وآفاق الجهود الدبلوماسية بشأن الحرب الروسية الأوكرانية. ويأتي هذا الاتصال في أعقاب ثلاث محادثات بين الزعيمين خلال أحد عشر يوماً فقط، مما يسلط الضوء على النشاط التركي المكثف للعب دور الوسيط في ظل أزمات إقليمية متعددة.

التركيز على إيران: الدعوة إلى الدبلوماسية بدلاً من المواجهة

أفادت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية بأن أردوغان أعرب خلال الاتصال عن موقف أنقرة بوضوح للرئيس ترامب: يجب إنهاء حالة التوتر بين واشنطن وطهران، وينبغي حل جميع القضايا العالقة عبر القنوات الدبلوماسية. وشدد أردوغان على أن تركيا ستواصل جهودها من أجل تعزيز السلام.

ولهذا الموقف دلالة عملية ملحة. فقد وردت تقارير مؤخراً عن تنفيذ واشنطن ضربات عسكرية محدودة ضد أهداف داخل إيران، مما أدى إلى تصعيد التوتر في منطقة غرب آسيا. وتسعى تركيا، بحكم موقعها الفريد الذي يتيح لها الحفاظ على قنوات تواصل مع كل من إيران والولايات المتحدة، إلى أداء دور “خافض للتصعيد”. ويشير المحللون إلى أن أنقرة تخشى من أن اندلاع مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران سيوجه ضربة قوية للاستقرار الإقليمي وسيضر بأمن الطاقة والممرات التجارية التركية.

الجمود الأوكراني: دفع استراتيجية “الاتصال ثنائي الاتجاه”

إلى جانب الملف الإيراني، كانت الحرب الروسية الأوكرانية أحد المحاور الرئيسية في الاتصال. وأعرب أردوغان عن أمله في أن تحقق الجهود الدبلوماسية المكثفة لإنهاء الصراع الروسي الأوكراني “نتائج إيجابية”، مشدداً على أهمية الحفاظ على انفتاح قنوات التواصل مع كل من كييف وموسكو.

وتأتي هذه التصريحات متسقة مع التحركات الدبلوماسية التركية الأخيرة. فوفقاً لتقارير، كشف أردوغان بعد اختتام زيارته لكوريا الجنوبية أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يعتزم إجراء مشاورات مع مسؤولين روس تمهيداً لعقد مفاوضات على مستوى القادة. وبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، يسود توقع واسع النطاق بأن تشهد السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا تعديلاً، وتبدو تركيا حريصة على أن تضع نفسها في موقع متقدم قبل انفتاح نافذة تفاوض جديدة، بحيث تحافظ على علاقاتها البراغماتية مع روسيا وفي الوقت ذاته تعزز قيمتها الاستراتيجية داخل حلف الناتو.

العلاقات الثنائية: البحث عن زخم جديد

على الصعيد الثنائي، أعرب أردوغان عن ثقته في مستقبل التعاون التركي الأمريكي. وأبلغ ترامب بأن التعاون بين البلدين سيواصل تعززه، وتعهد بمنح العلاقات الثنائية زخماً جديداً في المرحلة المقبلة. كما شكر أردوغان ترامب بشكل خاص على دعمه للقمة الأخيرة لمنظمة الدول التركية التي عقدت في أنقرة.

ومن حيث وتيرة الاتصالات، يلاحظ تقارب واضح في التفاعل. فبما يشمل هذا الاتصال، أجرى الزعيمان ثلاث محادثات خلال أحد عشر يوماً فقط. ويشير هذا التواصل المكثف إلى أنه رغم استمرار الخلافات التقليدية بين أنقرة وواشنطن بشأن قضايا مثل الأسلحة الكردية وتسليم أعضاء حركة غولن، فإن الجانبين لديهما مصلحة في إعادة ضبط نغمة العلاقة في الولاية الجديدة لترامب، لا سيما في مجالات التعاون الدفاعي والتنسيق الأمني الإقليمي.

مكالمة تكشف سعي تركيا لضمان عدم تهميشها وعجزها عن احتواء الأزمة مع إيران

يعكس توقيت هذا الاتصال واختيار موضوعاته المنطق العميق للسياسة الخارجية التركية الراهنة. ففي الملف الإيراني، تحاول حكومة أردوغان تكرار تجربتها الوسيطة في اتفاقية الحبوب الروسية الأوكرانية، ساعية إلى تقديم نفسها كـ”وسيط لا غنى عنه”. غير أن المواجهة الأمريكية الإيرانية، على خلاف الصراع الروسي الأوكراني، تتضمن منظومة عقوبات أكثر تعقيداً وتركةً من ملف الاتفاق النووي، كما أن حجم الاقتصاد التركي وقدرته على التحمل المالي يحدان من هامش المناورة الذي تتمتع به.

والأهم من ذلك أن هذه المكالمة تكشف جانبين متلازمين في الموقف التركي. فمن ناحية، تعكس سعي أنقرة الحثيث لضمان عدم تهميشها في أي ترتيبات إقليمية أو تفاهمات كبرى بين واشنطن وطهران، خاصة مع هزيمة ترامب في الانتخابات النصفية واحتمال انفتاح قنوات اتصال أمريكية-إيرانية تتجاوز الوسيط التركي. ومن ناحية أخرى، تعكس المكالمة عجز تركيا عن احتواء الأزمة مع إيران بمفردها؛ فأنقرة لا تملك الأدوات العسكرية أو الاقتصادية الكافية للضغط على طهران أو واشنطن لتغيير مسار المواجهة، ويقتصر دورها في الغالب على الدعوة إلى الحوار وتقديم قنوات اتصال، دون قدرة حقيقية على فرض تسوية أو ضمان تنفيذها. وبعبارة أخرى، فإن الاتصال الهاتفي هو في جوهره محاولة تركية لتحويل محدودية نفوذها إلى حضور دبلوماسي، عبر إبقاء نفسها في قلب المشهد رغم إدراكها بأن حل الأزمة الإيرانية يتجاوز قدراتها الفعلية.

وفي الملف الأوكراني، تحافظ استراتيجية “الاتصال ثنائي الاتجاه” التركية على قناة الحوار مع موسكو، لكنها تواجه في الوقت ذاته تساؤلات مستمرة من الحلفاء الغربيين بشأن غموض موقفها. ومع احتمال دفع إدارة ترامب نحو شكل من أشكال “تجميد الصراع”، سيتحول دور تركيا من وسيط بحت إلى ضامن أمني محتمل أو مشارك في إعادة الإعمار، وهو ما يحمل فرصاً ومخاطر التصادم مع المصالح الروسية في آن واحد.

وعلى المستوى العام، يشكل هذا الاتصال خطوة دبلوماسية وقائية رئيسية لأردوغان في الولاية الثانية لترامب. فمن خلال المبادرة إلى تحديد جدول الأعمال، تسعى أنقرة إلى ضمان عدم تهميشها على رقعة الأمن في غرب آسيا وأوروبا لدى واشنطن، وفي الوقت ذاته الاستفادة من “نافذة الأزمة” التي يوفرها التقاء التوتر الأمريكي الإيراني بالجمود الروسي الأوكراني لتعظيم نفوذها الجيوسياسي، حتى لو كان هذا النفوذ محكوماً بحدود بنيتها الاقتصادية والعسكرية وموقعها بين أطراف الأزمة.