حين تعجز الإمبراطوريات عن الحسم… هل يكتب التاريخ فصلاً جديداً؟
فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية
التاريخ لا يعلن سقوط الإمبراطوريات ببيان رسمي، ولا يحدد لها يوماً أخيراً. فالإمبراطوريات لا تنهار عندما تخسر معركة، ولا عندما تواجه خصماً أقوى منها عسكرياً، بل تبدأ رحلة التراجع يوم تفقد حرية القرار، ويصبح كل خيار أمامها أكثر كلفة من سابقه.
قد تستمر بعد ذلك سنوات، وربما عقوداً، وهي لا تزال تمتلك أقوى الجيوش وأضخم الاقتصادات، لكن جوهر القوة يكون قد بدأ يتآكل من الداخل.
من هنا، لا ينبغي قراءة التهديدات الأمريكية المتكررة لإيران باعتبارها مجرد حدث عسكري محتمل، بل باعتبارها نافذة لفهم سؤال أكبر بكثير:
هل ما زالت الولايات المتحدة تمتلك القدرة نفسها على فرض إرادتها كما كانت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أم أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة؟
لأكثر من ثلاثة عقود، عاشت واشنطن لحظة القطب الأوحد. كانت قادرة على خوض الحروب، وإسقاط الأنظمة، وفرض العقوبات، وإعادة رسم خرائط النفوذ. لكن التاريخ يعلمنا أن النفوذ لا يبقى ثابتاً، وأن القوة التي لا تجد من يوازنها تتمدد، ثم تصل إلى نقطة تصبح فيها كلفة المحافظة على هذا التمدد أكبر من القدرة على تحمله.
هذا ما واجهته الإمبراطورية الرومانية عندما اتسعت حدودها أكثر مما تستطيع إدارة شؤونها. وهذا ما واجهته الإمبراطورية البريطانية عندما اكتشفت أن السيطرة على نصف العالم أصبحت تستنزف اقتصادها أكثر مما تغذيه. لم يكن السقوط فجائياً، بل كان تراجعاً بطيئاً بدأ حين أصبحت كلفة الإمبراطورية أعلى من مكاسبها.
وهنا يفرض الواقع الحالي سؤالاً لا يمكن تجاهله:
هل تواجه الولايات المتحدة المعضلة نفسها، وإن كانت بصيغة مختلفة؟
في الظاهر، لا تزال واشنطن تمتلك أكبر ميزانية دفاع في العالم، وأقوى سلاح جو، وأضخم أسطول بحري، وقواعد عسكرية تمتد عبر القارات. لكن هل تعني القوة امتلاك الوسائل فقط، أم القدرة على استخدامها بحرية؟
هنا تكمن العقدة.
فإيران، من حيث الموارد العسكرية والاقتصادية، ليست نداً للولايات المتحدة. لا تقارن بها في حجم الاقتصاد، ولا في الإنفاق العسكري، ولا في التكنولوجيا، ولا في الانتشار العسكري العالمي.
ومع ذلك، استطاعت خلال سنوات طويلة أن تبني منظومة ردع معقدة، تعتمد على مزيج من القدرات الصاروخية، والشبكات الإقليمية، والقدرة على تهديد مصالح خصومها، بحيث أصبح أي قرار بمواجهتها يحمل احتمالات تصعيد واسعة تتجاوز حدودها الجغرافية.
وهنا تتغير معادلة القوة.
فالسؤال لم يعد: من يملك السلاح الأكثر تطوراً؟
بل أصبح: من يستطيع أن يجعل استخدام هذا السلاح مكلفاً إلى درجة تدفع الخصم إلى التردد؟
إذا استطاع الطرف الأضعف أن يمنع الطرف الأقوى من استثمار تفوقه الكامل، فإنه يكون قد فرض عليه حدوداً، حتى لو بقي ميزان القوة التقليدي يميل لمصلحة الأقوى.
ولهذا يرى بعض المحللين أن أهمية التجربة الإيرانية لا تكمن في أنها ألغت التفوق الأمريكي، بل في أنها جعلت هذا التفوق مقيداً بحسابات الكلفة والنتائج.
لكن المشهد لا يكتمل من دون النظر إلى الداخل الأمريكي.
فالولايات المتحدة تواجه منذ سنوات تحديات اقتصادية تتعلق بتضخم الدين العام، وضغوط كلفة المعيشة، وتنامي القلق حول الاستدامة المالية. وفي الوقت نفسه، تعيش انقساماً سياسياً واجتماعياً عميقاً، انعكس في الانتخابات، وفي الخطاب العام، وفي تراجع الثقة بين شرائح واسعة من المجتمع ومؤسسات الدولة.
كما أن المزاج الشعبي تغيّر بصورة لافتة. فبعد عقود كان الأمريكي خلالها يقبل بسهولة فكرة التدخلات العسكرية الخارجية، أصبح السؤال الأكثر حضوراً: ماذا عن مشاكلنا نحن؟ ماذا عن السكن؟ والتعليم؟ والصحة؟ والديون؟ والبنية التحتية؟
وليس من قبيل المصادفة أن تشهد مدن كبرى تحولات سياسية تعكس هذا المزاج، أو أن تشهد مؤسسات الدولة استقالات لمسؤولين مدنيين وعسكريين في مراحل مختلفة بسبب اختلافات حول إدارة ملفات كبرى. هذه الوقائع لا تعني أن الدولة تنهار، لكنها تشير إلى أن الإجماع الذي كان يرافق قرارات السياسة الخارجية لم يعد قائماً كما كان.
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أي سؤال عسكري:
هل تستطيع قوة عظمى أن تخوض مواجهة طويلة بينما مجتمعها يطالبها بالعودة إلى الداخل؟
ثم ماذا عن العالم؟
روسيا تتحدى الغرب في أوروبا الشرقية.
الصين تبني مشروعاً اقتصادياً وتكنولوجياً ينافس النفوذ الأمريكي.
قوى إقليمية أصبحت تمتلك أدوات ردع تجعل أي حرب شاملة أكثر تعقيداً من السابق.
فهل ما نشهده مجرد أزمة عابرة، أم أن العالم يعيد توزيع موازين القوة بهدوء؟
ربما يكون أخطر ما يواجه الإمبراطوريات ليس هزيمة عسكرية، بل اللحظة التي تصبح فيها كل الخيارات سيئة.
إذا هاجمت، دفعت ثمناً باهظاً.
وإذا تراجعت، دفعت ثمناً سياسياً ومعنوياً.
وعندما تصبح كل الطرق مكلفة، لا يعود السؤال عن حجم القوة، بل عن حدودها.
لهذا، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: هل ستقع الحرب؟
بل:
هل وصلت الولايات المتحدة إلى مرحلة أصبحت فيها عاجزة عن استخدام كامل قوتها، ليس لأنها فقدتها، بل لأن كلفة استخدامها أصبحت أعلى من قدرتها على تحمل نتائجها؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإننا لا نكون أمام حدث يتعلق بإيران وحدها، بل أمام لحظة قد يقرأها المؤرخون مستقبلاً باعتبارها واحدة من العلامات التي سبقت تحولات كبرى في النظام الدولي.
فالتاريخ لا يسقط الإمبراطوريات بضربة واحدة…
بل يبدأ أولاً بتقليص هامش حركتها، حتى تكتشف، بعد سنوات، أن القوة التي كانت تفتح بها العالم، لم تعد تكفي لحسم معركة قرار.
