يتسارع الإيقاع الاستعماري في العالم العربي عبر محطات متتالية تستهدف إعادة صياغة الوعي الإقليمي وتفكيك عناصر المناعة الوطنية والقومية. إن الخطوة الأخيرة المتمثلة في رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الرباط وتل أبيب إلى مستوى السفارات، وتعيين السفراء، وتوسيع خطوط الطيران المباشر، وإبرام اتفاقيات حماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي، برعاية أمريكية مباشرة في مدينة نيويورك، لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشروع الاستعماري الشامل الذي تستهدف فيه الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني إخضاع المنطقة بأسرها. إن هذه التطورات تمثل نقلة نوعية خطيرة في مسار محاولة دمج الكيان الغاصب في جغرافية العالم العربي، وتحويله من جسم غريب مرفوض إلى مركز تحكم وتوجيه إقليمي.

​من الرمزية السياسية إلى البنية التحتية للتبعية المطلقة
​إن الهندسة التي تديرها الدوائر الاستعمارية الأمريكية لتطوير العلاقات بين الطرفين لا تقتصر على كونها اتفاقيات سياسية عابرة أو تسويات دبلوماسية مؤقتة، بل هي سعي حثيث لإنشاء “بنية تحتية” صلبة للتبعية. عندما يتم الانتقال من اتفاقيات التطبيع الرمزية التي جرت في عام 2020 إلى خلق شبكة معقدة تضم السفارات الدائمة، وطرق الطيران المفتوحة، والاتفاقيات الاقتصادية الضريبية والاستثمارية، فإن الهدف الأبعد هو توريط النبوخب ومراكز القرار الاقتصادية في شبكة مصالح عضوية يصعب الفكاك منها.

​إن هذه الاتفاقيات تهدف صراحة إلى تحويل أي تفاهم سياسي مؤقت إلى حالة من الاعتماد البنيوي طويل الأمد؛ حيث يجد رجال الأعمال والطبقات المهيمنة في البلدين مصالحهم مرتبطة عضوياً ببقاء هذا المسار وتطويره. إنها تقنية خبيثة تهدف إلى تجذير التطبيع في تفاصيل الاقتصاد، والتجارة، والسياحة، والتبادل الاستثماري، بحيث يصبح التراجع عنه مكلفاً ومستحيلاً بالنسبة للشرائح المستفيدة، بغض النظر عن الموقف الأخلاقي والشعبي الثابت الرافض للاحتلال.

​الدور الوظيفي للكيان الصهيوني: بوابة التجسس واختراق الإقليم
​بالنسبة للقيادة الصهيونية، لا يمثل المغرب مجرد حليف عسكري تقليدي في شمال إفريقيا، بل هو أداة استراتيجية وبوابة متقدمة للولوج إلى عمق القارة الأفريقية والعالم العربي. يسعى الكيان الغاصب من خلال هذه الشكبة التجسسية الدبلوماسية والاقتصادية إلى كسر العزلة الإقليمية التاريخية، وتثبيت أقدامه في مناطق استراتيجية وحساسة.

إن التركيز الإسرائيلي على الاستخبارات، والتعاون الأمني، وتطوير شبكات التواصل الاستخباراتي يعكس الطبيعة الحقيقية لهذا الوجود؛ فالكيان المؤقت قائم على الهيمنة الأمنية والتجسس وإدارة الفتن. من جهة أخرى، يتم إغراء النخب المحلية بوعود زائفة حول الوصول إلى التقنيات المتقدمة، والتطورات الدفاعية، والدعم السياسي الأمريكي المزعوم لملفات سيادية إقليمية، وهو ما يمثل ثمناً بخساً يُدفع مقابل التخلي عن الموقف التاريخي المبدئي المدافع عن الحقوق السيادية والفلسطينية.

​مفارقة الخطاب والواقع: لجنة القدس وسقوط الغطاء الأخلاقي
​من المفارقات الكارثية التي تعكس عمق الأزمة في الخطاب الرسمي لبعض الأنظمة، هو محاولة الجمع بين النقيضين: الاستمرار الظاهري في رفع شعارات دعم الشعب الفلسطيني، والمطالبة بدولة مستقلة، والاحتفاظ برئاسة “لجنة القدس” التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، بالتزامن مع توقيع اتفاقيات الدمج والتبعية مع المحتل الغاصب للقدس نفسها!

إن الاحتفاظ برئاسة لجنة القدس بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها للتعاون الأمني والاستخباراتي والاقتصادي مع كيان يدنس المقدسات ويهوّد الأرض ويقتل البشر، هو انفصام سياسي وأخلاقي فاضح. إن شعارات نصرة القضية الفلسطينية تفقد كل مصداقيتها عندما تترافق مع منح المحتل الشرعية والاعتراف، وتسهيل اختراقه للبنية الدبلوماسية والاقتصادية للعالم العربي. إن التاريخ لن يرحم كل من استخدم القضية الفلسطينية كراية للاستهلاك الإعلامي بينما يساهم في الوقت ذاته في تعزيز أركان الكيان الصهيوني وتثبيت مشروعه الاستعماري.

​الرعاية الأمريكية والهندسة الجيوسياسية للمنطقة
إن رعاية واشنطن لهذه الاجتماعات في مدينة نيويورك تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مشروع التطبيع ليس قراراً سيادياً محلياً، بل هو جزء من الإستراتيجية الأمريكية الشيطانية الرامية إلى هندسة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفقاً للمصالح الإمبريالية والصهيونية. تسعى الولايات المتحدة إلى فرض نظام إقليمي جديد تُدار فيه المنطقة من قبل حلف أمريكي صهيوني يحمي مصالح الهيمنة الغربية، ويقضي على أي أفق للمقاومة أو الاستقلال الوطني الحقيقي.

إن استخدام العصا والجزرة، وربط الدعم السياسي والدبلوماسي بمدى الانخراط في مسار التبعية للكيان الصهيوني، يكشف عن الوجه الحقيقي للإمبريالية التي لا تتقن سوى لغة الإخضاع والابتزاز. ومع ذلك، فإن هذه الهندسة المصطنعة تصطدم حتماً بجدار الصخر المتمثل في الوعي العميق لشعوب العالم العربي، والتي ترفض بكل مكوناتها هذا الانحراف التاريخي وتعتبر سيادة الأوطان كما فلسطين قضايا مركزية لا تقبل المساومة ولا التنازل.

حتمية الرفض الشعبي وسقوط المشاريع الاستعمارية
مهما بلغت دقة الهندسة الاقتصادية والسياسية ومهما تعددت الاتفاقيات المبرمة تحت الرعاية الأمريكية والصهيونية، فإن التاريخ يؤكد دائماً أن الشعوب الحية لا تفرط في هويتها وحقوقها وقضاياها العادلة. إن أي بناء سياسي أو اقتصادي يقوم على أنقاض حقوق الشعوب عامة والشعب الفلسطيني خاصة وعلى تحالف مع الغاصب هو بناء هش مصيره الحتمي إلى زوال.

إن الوعي المتنامي لدى الأحرار في العالم العربي يدرك بوضوح أن هذه الاتفاقيات لا تخدم سوى الطغمة الحاكمة المستفيدة والدوائر الاستعمارية، بينما تدفع الشعوب ثمن هذا الخراب الاستراتيجي. إن المقاومة بأشكالها كافة، والرفض الشعبي العارم لكل أشكال التطبيع والاختراق، هما السبيل الوحيد لإسقاط هذه المشاريع الخبيثة وإعادة البوصلة نحو الاتجاه الصحيح. إن فلسطين ستكون حرة، من البحر إلى النهر، وكل محاولات التزييف والتطبيع والتبعية ستتحطم على صخرة صمود الشعب الفلسطيني ومعه كل أحرار وشرفاء العالم، الذين يرفضون الخنوع ويؤمنون بأن الحق التاريخي أقوى من كل معادلات الاستعمار والاحتلال.

د. نبيلة عفيف غصن