في كل مرة يُطرح فيها ملف سلاح المقاومة في لبنان، يُقدَّم الأمر وكأنه نقاش إداري داخلي يتعلق بـ«بناء الدولة» و«احتكار السلاح الشرعي». لكن الحقيقة التي تكشفها الوقائع، لا الشعارات، هي أن المسألة أبعد من ذلك بكثير: إنها معركة على هوية لبنان ودوره وموقعه في الصراع مع الكيان الصهيوني.
فحين يخرج بعض المحللين الغربيين أو المراكز المرتبطة بالأمن الصهيوني للحديث عن أن «حزب الله يعيق تطور لبنان» أو أن «الدولة لا يمكن أن تقوم بوجود سلاح المقاومة»، فإنهم يتجاهلون عمداً سؤالاً جوهرياً:
من الذي حمى لبنان حين كانت الدولة عاجزة؟
ومن الذي منع الاحتلال من تحويل الجنوب إلى منطقة مستباحة دائمة كما أراد منذ 1948 وحتى عام 2000؟
إن مشهد انسحاب جيش الاحتلال من الجنوب اللبناني في أيار 2000 لم يكن نتيجة مفاوضات دبلوماسية ولا قرارات أممية، بل نتيجة مقاومة مسلحة فرضت معادلة ردع غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي–الصهيوني. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الكيان الصهيوني قادراً على التعامل مع لبنان باعتباره الحلقة الأضعف.
ولهذا تحديداً، أصبح سلاح المقاومة هدفاً دائماً.
“احتكار السلاح” أم احتكار الاستسلام؟
الطرح القائل إن «الدولة يجب أن تحتكر السلاح» يبدو منطقياً نظرياً في أي دولة مستقرة ذات سيادة كاملة. لكن لبنان ليس دولة تعيش في بيئة طبيعية؛ بل كيان محاصر بالاعتداءات والاختراقات والتهديدات اليومية من عدو لم يعترف يوماً بحدوده النهائية، ولا يزال يحتل أراضٍ لبنانية ويخرق السيادة اللبنانية جواً وبحراً وبراً بشكل شبه يومي.
فكيف يمكن الحديث عن نزع سلاح المقاومة فيما العدو نفسه يرفض أي التزام فعلي بوقف العدوان؟
وكيف يمكن تسليم أمن الجنوب إلى ضمانات أميركية وغربية ثبت تاريخياً أنها لا تساوي شيئاً عند أول قرار صهيوني بالحرب؟
إن التجربة اللبنانية منذ اتفاق الطائف حتى اليوم أثبتت أن الغرب يريد من الدولة اللبنانية شيئاً واحداً فقط: أن تكون دولة منزوعة الإرادة، تضبط الداخل لصالح الاستقرار الأمني للكيان الصهيوني، لا دولة قادرة على الدفاع عن نفسها.
معضلة السلطة اللبنانية
ومشروع يرى أن أي سيادة حقيقية لا يمكن أن تقوم بلا قدرة ردع في مواجهة العدو الصهيوني.
السلطة اللبنانية تدرك هذه المعضلة جيداً. فهي من جهة تتعرض لضغوط أميركية وغربية وخليجية هائلة تحت عنوان الإصلاح وبناء الدولة، ومن جهة أخرى تعرف أن الجيش اللبناني، رغم أهميته الوطنية، لا يمتلك حتى الآن الإمكانات السياسية والعسكرية التي تخوله فرض معادلة ردع حقيقية مع الاحتلال.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الجهات نفسها التي تطالب بحصر السلاح بيد الدولة، هي ذاتها التي تمنع تسليح الجيش اللبناني بأسلحة نوعية قادرة على حماية السيادة الوطنية.
الكيان الصهيوني لا يخفي هدفه الاستراتيجي: تحويل جنوب لبنان إلى منطقة آمنة له، منزوع منها أي تهديد فعلي. ولذلك فإن كل الحديث عن تطبيق القرار 1701 أو توسيع سلطة الجيش أو “إبعاد المسلحين جنوب الليطاني” يُستخدم عملياً كجزء من مشروع أمني يخدم العقيدة الدفاعية الصهيونية.
لكن الوقائع أثبتت أيضاً أن الاحتلال لا يحترم أي اتفاق إلا بميزان القوة.
فحتى في الفترات التي تراجع فيها حضور المقاومة ميدانياً، استمرت الغارات والانتهاكات والاغتيالات.
أي أن المشكلة بالنسبة للكيان ليست “وجود السلاح خارج الدولة” فقط، بل وجود بيئة مقاومة ترفض تحويل لبنان إلى ساحة خاضعة للإملاءات.
ما بعد الحرب: أي لبنان يُراد؟
المعركة اليوم ليست فقط على سلاح حزب الله، بل على معنى لبنان نفسه:
هل يكون لبنان بلداً تابعاً يعيش على المساعدات المشروطة، تُرسم حدوده السياسية والأمنية في السفارات الأجنبية؟
أم بلداً يمتلك حق الدفاع عن نفسه مهما كانت التضحيات؟
إن بناء دولة قوية في لبنان لا يتحقق عبر تفكيك عناصر القوة الوطنية، بل عبر صياغة استراتيجية دفاعية حقيقية تجعل من الجيش والمقاومة والقدرات الشعبية عناصر تكامل لا تناقض، إلى أن يصبح الجيش قادراً فعلياً على تولي كامل مهام الردع والسيادة.
أما تحويل شعار «احتكار السلاح» إلى مقدمة لتجريد لبنان من آخر أوراق قوته، فلن يؤدي إلى بناء دولة، بل إلى بناء فراغ… يملؤه الاحتلال والوصاية الخارجية والانهيار الدائم.
وفي الشرق، لا تحمي الدول بيانات القلق ولا وعود الوسطاء.
ما يحميها هو امتلاك القدرة على الردع، والإرادة في الدفاع عن الأرض، والوعي بأن السيادة لا تُمنح… بل تُنتزع.
د. نبيلة عفيف غصن
