سؤالان خطأ لحجب سؤالين صح
ناصر قنديل
يتمسك رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في النقاش الدائر حول اتفاق 26 حزيران بمنهج يحاول أن يفرض نفسه على الحياة السياسية والإعلامية. فبدلاً من مناقشة الأسئلة التي يثيرها الاتفاق، يجري استبدالها بأسئلة أخرى لا تمس جوهر الخلاف. ويأتي في مقدمة ذلك ما يكرّره رئيس الجمهورية في كل مناسبة: ما هو بديل التفاوض؟ وهل يجوز أن يفاوض الآخرون عن لبنان؟ وهما سؤالان يبدوان للوهلة الأولى منطقيين، لكنهما في الحقيقة يحجبان السؤالين اللذين ينبغي أن يكونا محور النقاش.
لا أحد يعترض على مبدأ التفاوض. فالقرار 1701 ثم تفاهم تشرين الثاني 2024 هما نتاج تفاوض، ومن يدافع عنهما لا يمكن أن يكون ضد التفاوض من حيث المبدأ. لذلك فإن سؤال “ما هو بديل التفاوض؟” لا يجد من يناقشه، لأن أحداً لم يطرح أصلاً بديلاً يقوم على رفض التفاوض. الخلاف ليس بين التفاوض وعدمه، بل بين التفاوض انطلاقاً من اتفاق قائم يحقق المصلحة اللبنانية، وبين فتح تفاوض جديد يمنح “إسرائيل” فرصة إعادة صياغة ما عجزت عن تغييره بالحرب.
أما السؤال الثاني، المتعلق بما إذا كان ينبغي أن يفاوض الآخرون عن لبنان، فهو يقوم بدوره على فرضية لا وجود لها. لم تفاوض إيران يوماً نيابة عن لبنان، ولم تسعَ إلى اتفاق يُلزم الدولة اللبنانية أو يحل محل قرارها. كل ما فعلته أنها استخدمت أوراق القوة التي أفرزتها الحرب لتضغط على الولايات المتحدة، ووضعت إنهاء الحرب الإقليمية في إطار يشمل إلزام “إسرائيل” بتنفيذ ما يطالب به لبنان نفسه؛ وقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي اللبنانية. وهذا ليس تفاوضاً عن لبنان، بل تعزيز لموقعه التفاوضي. فالأصل في الدبلوماسية اللبنانية، منذ عقود، هو السعي إلى دفع واشنطن للضغط على “إسرائيل”. وإذا كانت أدوات الضغط اللبنانية قد عجزت طوال خمسة عشر شهراً عن تحقيق وقف إطلاق النار والانسحاب، فإن إيران استخدمت نتائج الحرب وحاجة الولايات المتحدة إلى إنهائها لتفرض على واشنطن ممارسة الضغط الذي عجز لبنان عن انتزاعه، وإذا لم تنجح كلياً بسبب خطاب معارض صادر عن السلطة اللبنانية، فإن النجاح الجزئي الذي يعيشه لبنان هو ثمرة هذا الموقف الإيراني.
لكن، مقابل الإصرار على السؤالين الخطأ، تتهرب السلطة من الإجابة عن السؤالين الصحيحين. السؤال الأول: لماذا قررت فتح باب التفاوض من جديد، وهي تؤكد في الوقت نفسه أن تفاهم تشرين الثاني 2024 لا يزال قائماً ويحقق المصالح اللبنانية؟ فإذا كان الاتفاق قائماً ونافذاً، فما الحاجة إلى تفاوض جديد؟ أما إذا كان مجرد الجلوس إلى طاولة تفاوض جديدة يعني التسليم بسقوط الاتفاق السابق أو عدم صلاحيته، فمن حق اللبنانيين أن يعرفوا لماذا يجري التخلي عن اتفاق لمصلحة مسار جديد. ذلك أن “إسرائيل” هي الطرف الوحيد الذي يملك مصلحة واضحة في تجاوز تفاهم 2024، بعدما عجزت عن تنفيذ ما أرادته من خلاله. فهل تملك السلطة جواباً مقنعاً يبرر هذا الانتقال؟ وإذا كان السبب الاعتقاد أن الاتفاق القائم لم يجد قبولاً أميركياً وإسرائيلياً، ألا يعني التفاوض على اتفاق جديد الاستعداد لتلبية مطالب إسرائيلية تؤيدها أميركا ظهرت في الاتفاق الصادر في 26 حزيران، لجهة استبدال الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط والمرتبط بمهلة زمنية في اتفاق 2024 بانسحاب مشروط وبدون مهل زمنية؟ وإذا كان اتفاق 2024 لم يُنفَّذ من “إسرائيل” ولم تتصرّف معه أميركا كضامن مسؤول، فما الذي يضمن أن تنفذ “إسرائيل” اتفاقاً جديداً؟ وماذا يضمن أن تتصرّف أميركا هذه المرة كضامن مسؤول؟
أما السؤال الثاني، فهو أكثر أهمية وخطورة: على أي أساس تتوقع السلطة أن تنجح في تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل بمجرد التعهد بنزع سلاح المقاومة؟ ما هي السابقة التي تستند إليها؟ وأين هو الدليل الذي يقول إن “إسرائيل” تنسحب عندما تحصل على تعهدات أمنية؟ وهي في نص الاتفاق لم تتحدث عن انسحاب بل عن استعداد لبدء إعادة انتشار، بينما تقول التجربة السورية إن ليس هناك ما يشجّع على هذا الرهان. وسورية تمتلك سلطة مركزية كاملة، وجيشاً موحداً، ولا يوجد فيها تنظيم مسلح بحجم حزب الله خارج المؤسسة العسكرية، ومع ذلك لم يؤدِّ ذلك إلى انسحاب “إسرائيل” من الأراضي السورية التي احتلتها، ولا إلى وقف اعتداءاتها المتكررة. فإذا كانت هذه الشروط لم تكفِ في الحالة السورية، فمن أين يأتي اليقين بأن النتيجة ستكون مختلفة في لبنان؟ هذا مع العلم أن ما تحظى به سورية من مكانة لدى أميركا ودول إقليمية مثل تركيا والسعودية ليس لدى لبنان مثله، وهي منخرطة في مفاوضات مباشرة منذ سنة على أعلى المستويات، وقد صرّح بنيامين نتنياهو أنه باقٍ في جبل الشيخ الذي احتله حديثاً لألف عام، والرئيس الأميركي صرّح قبل يومين بحضور الرئيس السوريّ أنه منح “إسرائيل” الجولان المحتل!
كان يُفترض بالسلطة أن تقدّم أجوبة واضحة عن هذين السؤالين، بدلاً من إعادة إنتاج أسئلة لا يناقشها أحد أصلاً. فالقضية ليست رفض التفاوض، ولا قبول أن يفاوض أحد عن لبنان. القضية هي لماذا يجري استبدال اتفاق قائم بتفاوض جديد؟ وما هي الضمانة التي تجعل هذا التفاوض يحقق ما لم يحققه الاتفاق السابق؟ ومن دون إجابة صريحة عن هذين السؤالين، يبقى الجدل يدور في حلقة مفرغة، بينما يتحول الاتفاق الجديد إلى فرصة تمنح “إسرائيل” ما عجزت عن انتزاعه بالحرب، تحت عنوان البحث عن السلام.
