لم تقتصرْ آثارُ الحرب التي يشنّها الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة على تدمير المنازل وسقوط الضحايا وانهيار البنية التحتيّة، بل امتدّت لتطال التاريخ الثقافي والذاكرة الجمعيّة ومصادر المعرفة، بعدما استهدفت الجامعات والمدارس والمكتبات العامة والخاصة والمؤسسات الثقافية، لتتحول آلاف الكتب التي كانت تملأ رفوفها إلى صفحاتٍ متناثرةٍ بين الركام.

وفي ظلّ هذا الدمار الواسع والنزوح المستمر، لم تعد معركة الفلسطينيين في غزة تقتصر على تأمين الغذاء والمأوى، بل أصبحت أيضًا معركةً للحفاظ على الهُويّة الثقافية والإرث المعرفي، في مواجهة محاولات طمس التاريخ الثقافي للقطاع وإفراغه من ملامحه الحضارية؛ وبينما يفقد كثيرون بيوتهم ومقتنياتهم، يجد الكتابُ نفسه أحد أبرز ضحايا الحرب، شأنه شأن الإنسان والحجر.

ورغم المشهد الذي يفرضه الاحتلال، لا تزال مبادراتٌ فرديّةٌ تنبض بالحياة، يقودها أشخاص يؤمنون بأن الثقافة ليست رفاهية، بل ركيزة من ركائز الصمود. فمن بين الأنقاض، تُنتشل الكتب كما يُنتشل الأمل، لتعود إلى أيدي قرّائها، وتؤكّد أن المعرفة قادرة على البقاء، وأن التاريخ الثقافي لغزة لا يمكن أن يُمحى ما دام هناك من يتمسّك بالكتاب ويحمله من تحت الركام إلى خيام النزوح.


مكتبة تنجو من تحت الأنقاض

ومن بين هذه المبادرات، يبرز النازح محمد رمضان سعد، الذي لم تكن علاقته بالكتب وليدة الحرب أو النزوح، فقد كان قبل اندلاع الحرب يبيع الكتب على الرصيف أمام الجامعة الإسلامية في غزة، حيث اختار أن يجعل من الكتاب مصدرَ رزقٍ ورسالةً ثقافيّةً في الوقت ذاته؛ كان يحمل كتبه إلى الطلبة والقرّاء، ويوفر لهم عناوين مختلفة بأسعار مناسبة، مؤمنًا بأن نشر المعرفة والحفاظ على الثقافة يمثلان جزءًا من مقاومة محاولات طمس الهوية.

لكن الحرب التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة غيّرت تفاصيل حياته، بعدما دمّرت منزله في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، وأبقت مكتبته الخاصة تحت الأنقاض، ورغم حجم الدمار، رفض محمد أن يترك كتبه لمصيرها، فعاد إلى منزله المدمر وانتشل مئات الكتب من بين الركام، رغم ما لحق بها من غبارٍ وتلف، ونقلها معه إلى خيمة نزوحه في دير البلح.


تحت عنوان “تثقف كي تعرف منهج الحياة”، يعرض محمد مئات الكتب الأدبية والفكرية والدينية والروايات بأسعار رمزية، في محاولة للحفاظ على الثقافة وإتاحة المعرفة للنازحين، رغم ظروف الحرب والنزوح.


“أنقذت الكتب كما أنقذت الأمل”

ويقول محمد سعد في حديثه لـ”بوابة الهدف” إن مكتبته الخاصة كانت تضم مئات الكتب التي جمعها على مدار سنوات طويلة، إلا أن منزله تعرّض للتدمير خلال الحرب، وبقيت الكتب مدفونةً تحت الأنقاض.

ويضيف أنه عاد بعد فترةٍ إلى منزله المدمّر، وتمكّن من انتشال ما تبقى من الكتب، رغم ما لحق بها من غبار وتلف، وقام بتنظيفها وترميم ما أمكن منها، قبل أن ينقلها إلى مكان نزوحه ويبدأ بعرضها للبيع بأسعارٍ رمزيّة حتى تبقى في متناول الجميع.

ويؤكّد أن هدفه لم يكن تحقيق الربح، بل حماية الكتب من الضياع، وإبقاء الثقافة حاضرةً في حياة الناس، قائلًا: “هذه الكتب كانت داخل منزلي في بيت لاهيا، وبعد تدميره بقيت تحت الركام، عدت إليها وأنقذت ما استطعت؛ لأنني شعرت أن خسارة الكتب لا تقل وجعًا عن خسارة المنزل، اليوم أبيعها بأسعار رمزية حتى تصل إلى أكبر عدد من الناس، فالثقافة هي الشيء الوحيد الذي ما زال يمنحنا الأمل وسط هذه الحرب.”

ويشير إلى أن الإقبال على المكتبة فاق توقّعاته؛ إذ يقصدها يوميًّا طلبة جامعات ومعلمون وشباب يبحثون عن كتابٍ يعيد إليهم شيئًا من حياتهم الطبيعيّة، ويمنحهم فرصةً للهروب من قسوة الواقع ولو لساعاتٍ قليلة.

الكتاب… متنفس وسط الحرب

ورغم النزوح المستمر وانعدام أبسط مقومات الحياة، يجد كثيرٌ من النازحين في هذه المكتبة المتواضعة مساحةً مختلفةً عن مشاهد الدمار؛ إذ تتحول صفحات الكتب إلى ملاذ نفسي وثقافي يخفّف من ضغوط الحرب.

ويقول يوسف ناصر في حديثه لـ”بوابة الهدف” إن رؤية الكتب معروضة وسط خيام النزوح كانت مفاجأة أعادت إليه شعورًا افتقده منذ بداية الحرب، مضيفًا: “كل ما حولنا أصبح أخبار حرب ونزوح ودمار، حتى تفاصيل حياتنا اليومية تغيرت بالكامل، عندما رأيت هذه الكتب شعرت أن الحياة ما زالت موجودة، وأن هناك من يتمسّك بالثقافة رغم كل ما نعيشه.”

ويضيف: “اشتريت رواية لأنها تمنحني ساعات أبتعد فيها عن هذا الواقع القاسي، القراءة بالنسبة لي ليست مجرد هواية، بل وسيلة للهروب من ضغوط الحرب واستعادة شيء من الهدوء النفسي. عندما أقرأ أشعر أنني ما زلت أعيش حياةً طبيعيةً ولو لفترة قصيرة.”

ويشير ناصر إلى أن الحرب لم تدمر المنازل فقط، بل طالت أيضًا الجامعات والمكتبات ومصادر المعرفة، الأمر الذي جعل الحصول على الكتب أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة للطلبة ومحبي القراءة، مؤكدًا أن مبادرة محمد رمضان سعد تمثل مساحةً ثقافيّةً وإنسانيّةً يحتاجها النازحون، وتسهم في تشجيع الناس على القراءة والحفاظ على علاقتهم بالكتاب رغم ظروف النزوح، مضيفًا: “قد تُدمر الحرب المباني، لكنها لا تستطيع أن تمنع الإنسان من البحث عن المعرفة، وجود هذه الكتب بين الخيام رسالة بأن الثقافة قادرة على الصمود، وأن الأمل يمكن أن يولد حتى من بين الركام.”


طلبة يتمسكون بالمعرفة

وتقول طالبة جامعية في حديثها لـ”بوابة الهدف” إن الحرب لا تحرم الطلبة من مقاعد الدراسة فحسب، بل تحرمهم أيضًا من الوصول إلى الكتب والمراجع العلمية، بعد تدمير عدد من الجامعات والمكتبات والمراكز التعليمية.

وتضيف: “الاحتلال لا يدمر المباني الجامعية فقط، بل يدمّر أيضًا مصادر المعرفة التي نعتمد عليها في دراستنا. أصبح الحصول على كتاب أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة في ظل النزوح وفقدان المكتبات وانقطاع العملية التعليمية.”

وتوضح أن وجود مكتبة صغيرة وسط خيام النزوح يمنح الطلبة بصيصَ أملٍ للاستمرار في التعلّم، قائلةً: “عندما أرى الكتب معروضة في خيمة  أشعر أن الحياة التعليمية ما زالت مستمرة، وأن هناك من يتمسّك بالثقافة رغم كل الظروف، هذه المبادرة تمنحنا فرصةً لمواصلة القراءة والتعلّم، حتى وإن فقدنا قاعات الدراسة.”

وتؤكّد أنَّ القراءة تشكّل متنفّسًا نفسيًّا إلى جانب دورها في تنمية المعرفة، مضيفةً: “في ظل هذا الواقع القاسي، يمنحنا الكتاب مساحة للتفكير والهدوء، ويأخذنا بعيدًا، ولو لساعات، عن أخبار الحرب وأصوات القصف.”

وتختتم حديثها بالقول: “ما يقدمه محمد رمضان سعد لا يقتصر على بيع الكتب، بل يحمل رسالة بأن الثقافة لا تموت، وأن المعرفة تستطيع أن تستمرّ حتى بين الخيام والركام، وأن إرادة التعلّم تبقى أقوى من محاولات تدميرها.”


الثقافة تقاوم النسيان

ورغم قسوة الحرب وما خلّفته من دمارٍ واسع، تواصل مبادرات فردية الدفاع عن حق الإنسان في المعرفة، لتؤكد أن الثقافة ليست رفاهية، بل إحدى أدوات الصمود والبقاء، فمن بين الأنقاض، تستعيد الكتب حياتها، وتشق طريقها إلى خيام النزوح، لتصبح نافذة يطل منها النازحون على عالم يتجاوز مشاهد الحرب، ووسيلة للحفاظ على الوعي والذاكرة في مواجهة واقع يزداد قسوة يومًا بعد آخر.

وفي مشهد يجسد قدرة الإنسان على التشبث بالحياة، تبدو الكتب التي نجت من ركام المنازل أكثر من مجرد أوراق؛ فهي شاهد على أن الاحتلال، مهما دمر المنازل واستهدف الجامعات والمكتبات والمؤسسات الثقافية، لن يتمكّن من مصادرة الفكر أو محو الهوية الثقافية. وبين رفوف بسيطة نُصبت في خيمة نزوح، تستمر الحكاية، لتؤكد أن الثقافة في غزة لا تزال تقاوم، وأن المعرفة تبقى فعلًا من أفعال الصمود، ورسالةً تتوارثها الأجيال رغم الحرب والدمار.

كريمة شهاب/مجلة الهدف