لم يخرج لبنان فعلياً من الانتداب الفرنسي عام 1943، بل خرجت الجيوش وبقيت البنية. تبدّلت الأعلام فوق القصور، وغادر الجنرال “سبيرز” والمفوض “غورو”، لكنّ العقل السياسي الذي صاغه الاستعمار بقي جالساً على الكراسي نفسها؛ يحكم البلاد بالعقلية ذاتها، ويؤدي الوظيفة نفسها: حماية مصالح الخارج قبل مصالح الشعب، وربط القرار اللبناني بإرادة العواصم الأجنبية لا بإرادة اللبنانيين.
​إنّ من يحكم لبنان منذ تسعة عقود إلى اليوم، ليسوا رجال دولة، بل هم موظفو استعمار بكل ما للكلمة من معنى. تبدّلت عواصم القرار وتغيّرت لغات الأوامر، وظلّ “الناطور” اللبناني في خدمة القوى الخارجية؛ كانوا يتلقّون التعليمات من المفوض السامي الفرنسي بالأمس، واليوم هم موظفون طيّعون عند الأميركي.
​أولاً: صُنِعوا في “الكي دورسيه”.. واستُنسخوا في “عوكر”
​إنّ أخطر ما فعله الانتداب الفرنسي لم يكن رسم الحدود ولا توزيع الطوائف داخل النظام، بل صناعة طبقة سياسية كاملة تؤمن في أعماقها أنّ لبنان لا يستطيع العيش إلا تحت رعاية الخارج، وأنّ السيادة ليست حقاً طبيعياً للأمة، بل امتياز تمنحه السفارات لمن يطيعها أكثر.
​الأمس (تحت العباءة الفرنسية): تولّى الرعيل الأول إدارة البلاد بعقلية “المندوب السامي”. كان المطلوب منهم منع أي مشروع وحدوي أو نهضوي في سورية الطبيعية، وأن يُبقي لبنان كياناً هشّاً معزولاً يحتاج دائماً إلى الحماية الأجنبية.
​اليوم (في فلك الرعاية الأمريكية): مع أفول الإمبراطوريات القديمة، انتقل هؤلاء الموظفون بسلاسة فائقة للخدمة في “الشركة الجديدة”. أصبحت السفارة الأميركية في عوكر هي “المفوضية السامية” الجديدة، وتغيّرت اللغة فقط، بينما بقيت الوظيفة كما هي: إدارة لبنان كمزرعة تابعة للمركز الإمبراطوري، وتحويله إلى قاعدة ضغط سياسي وأمني تخدم المشاريع الأميركية في المنطقة.
​ثانياً: عقيدة “الوظيفية الاستعمارية” وإدارة الأزمات
​الفرق بين رجل الدولة والموظف الاستعماري يكمن في “السيادة”. رجل الدولة يبني اقتصاداً منتجاً، وجيشاً قوياً، وقضاءً مستقلاً. أما الموظف الاستعماري فلا يبني دولة، بل يدير أزمة دائمة، لأنّ وجود الدولة القوية ينهي الحاجة إليه. وتتلخص وظفتهم اليوم في ثلاثة محاور:
.١ ​تدمير المقدرات وتجفيف الإنتاج: منع أي استقلال اقتصادي أو نقدي، ومحاصرة أي خيار سيادي، وتحويل البلد إلى سوق استهلاكي معطل الإنتاج (لا صناعة ولا زراعة)، ليبقى مرتهناً كلياً لشروط صندوق النقد الدولي والمانحين الأجانب.
.٢ ​رهن الاستحقاقات للداخل الإقليمي والدولي: تحويل كل استحقاق لبناني إلى انتظار لإشارة خارجية؛ رئيس الجمهورية يُنتخب بالتوازنات الدولية، والحكومات تُشكَّل تحت سقف الإملاءات، وحتى الثقافة والإعلام يجري توجيههما عبر التمويل السياسي والمنظمات المرتبطة بالغرب لشن الحروب الإعلامية على كل فكرة مقاومة.
.٣ ​حماية المنظومة التابعة: إنّ هذه الطبقة لا تخشى انهيار البلد بقدر ما تخشى تحرره. تخاف من أي وعي شعبي يدرك أنّ المشكلة ليست فقط في الفساد المالي أو سوء الإدارة، بل في طبيعة هذه المنظومة التي تأسست أصلاً لتكون أداة استعمارية داخلية تابعة.
​ثالثاً: نحو نهضة حقيقية.. سقوط الوكلاء وحتمية التحرر
​إنّ الاستقلال الحقيقي لا يُقاس برفع علم على السراي الحكومي، ولا بخروج جندي أجنبي من الأرض، بل بخروج إرادته من مؤسسات الدولة، والعقول، والاقتصاد، والسياسة. والقدرة على قول “لا” في وجه الإملاءات الخارجية.
​إنّ معركة لبنان الحقيقية ليست بين أحزاب متنافسة على فتات السلطة، بل هي صراع وجودي بين مشروعين متناقضين بالكامل:
​مشروع ملحق: يريد لبنان تابعاً ذليلاً يعيش على المعونات، والديون، والأوامر الخارجية والوصاية الأميركية.
​مشروع سيادي نهضوي: يريد لبنان سيداً حرّاً، جزءاً من نهضة سورية الطبيعية، يمتلك اقتصاده، وقراره، وحدوده، وإرادته السياسية المستقلة.
​لكنّ التاريخ لا يرحم الوكلاء؛ ففرنسا نفسها خرجت مذلولة من لبنان وسورية الطبيعية رغم كل أدواتها، والولايات المتحدة، مهما بلغ نفوذها، ليست قدراً أبدياً. الشعوب قد تُهزم مرحلياً، لكنها لا تموت، والأمم التي تمتلك ذاكرة المقاومة قادرة دائماً على كسر التبعية مهما طال زمن الانحطاط.
​ولا يمكن لأي نهضة أن تبدأ ما دام الموظفون أنفسهم يديرون البلاد منذ عهد الانتداب حتى اليوم، بأسماء جديدة، ولهجات جديدة، ورعاة جدد. فالتابع لا يستطيع العيش من دون سيّده، والموظف الاستعماري يرتعب من لحظة استعادة الشعب لقراره الحر. وعندما يسقط آخر موظف للاستعمار، يبدأ لبنان الحقيقي بالولادة.
د. نبيلة عفيف غصن