منذ الرابع من آب 2020، لم يكن انفجار مرفأ بيروت مجرد كارثة إنسانية ضربت العاصمة اللبنانية، بل تحوّل إلى معركة على الوعي والرواية والسيادة. فبينما سارع الإعلام الغربي ومعه جزء من المنظومة السياسية اللبنانية إلى تثبيت رواية «الإهمال الإداري» باعتبارها الحقيقة الوحيدة المسموح تداولها، بقيت أسئلة كبرى عالقة دون إجابات: كيف تُترك هذه الكمية الهائلة من المواد الخطرة في قلب العاصمة لسنوات؟ ولماذا أُقفلت أبواب التحقيق أمام فرضيات أخرى؟ ومن المستفيد من تدمير المرفأ، الشريان الاقتصادي الأهم للبنان؟
في هذا السياق، تأتي تصريحات العقيد الأميركي المتقاعد لورنس ويلكرسون، رئيس أركان وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول، لتعيد فتح الملف من زاوية جيوسياسية أوسع. ويلكرسون لم يقدّم دليلاً قضائياً مباشراً، لكنه كسر أحد المحرّمات السياسية والإعلامية في الغرب: التشكيك بالرواية الرسمية والإشارة إلى أن الكيان الصهيوني، المدعوم أميركياً بلا حدود، يملك القدرة والدافع والسجل الطويل الذي يجعله في دائرة الاشتباه المنطقي.
لماذا يُمنع طرح فرضية «إسرائيل»؟
المفارقة أن مجرد طرح احتمال تورّط الكيان الصهيوني في انفجار المرفأ يُعامل في الإعلام الغربي وكأنه «نظرية مؤامرة»، رغم أن تاريخ المنطقة مليء بعمليات اغتيال وتفجير وتخريب نُسبت لاحقاً إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. فمن اغتيال العلماء والقادة، إلى الضربات السيبرانية، إلى استهداف البنى التحتية والمرافئ والمطارات، لم يكن العمل السري الإسرائيلي يوماً أمراً خيالياً أو مستبعداً.
فالولايات المتحدة نفسها، التي تدّعي الدفاع عن «الشفافية» و«القانون الدولي»، تؤمن مظلة حماية سياسية وإعلامية كاملة للكيان الصهيوني. وأي اتهام أو حتى تشكيك يُواجه فوراً بحملات تخوين أو سخرية أو اتهامات بالهروب من المسؤولية الداخلية.
الانفجار في سياقه الجيوسياسي
لا يمكن فصل انفجار المرفأ عن السياق الإقليمي الذي سبق الكارثة. ففي تلك المرحلة، كان لبنان يعيش حصاراً اقتصادياً خانقاً، وضغوطاً أميركية متصاعدة، ومحاولات مكثفة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية تحت شعار «الإصلاح» و«نزع سلاح المقاومة». وكان المرفأ يشكّل أحد آخر المنافذ الاقتصادية الحيوية للبنان في مواجهة مشروع الخنق المالي.
تدمير المرفأ لم يكن مجرد ضربة عمرانية. لقد كان ضربة للبنية الاقتصادية والسيادية والنفسية للبنان. آلاف الشهداء والجرحى والمشرّدين، انهيار ما تبقى من ثقة، وتحوّل العاصمة إلى مدينة منكوبة. وكل ذلك خدم، بشكل أو بآخر، مشروع إدخال لبنان في مرحلة جديدة من الارتهان السياسي والاقتصادي للخارج.
وهنا تحديداً تكمن أهمية كلام ويلكرسون: ليس لأنه قدّم حكماً نهائياً، بل لأنه أضاء على حقيقة غالباً ما تُستبعد عمداً من النقاش العام، وهي أن الشرق يعيش في ظل ميزان قوى يسمح للكيان الصهيوني بالتصرف فوق القانون، مستنداً إلى حماية أميركية شبه مطلقة.
بين الإهمال والاختراق
حتى لو ثبت وجود إهمال إداري داخلي، فإن ذلك لا يلغي احتمال وجود اختراق أو عمل خارجي استثمر هذا الإهمال أو فعّله. ففي عالم الاستخبارات والحروب غير المعلنة، لا تُنفّذ العمليات دائماً عبر صواريخ مباشرة أو بيانات رسمية. أحياناً يكفي استغلال ثغرة قائمة لإحداث كارثة استراتيجية.
لهذا يبدو الإصرار على حصر القضية في إطار «الفساد المحلي» فقط نوعاً من التبسيط السياسي المتعمّد. فالدول التي تخوض حروباً استخبارية واقتصادية مفتوحة لا تتعامل مع خصومها بمنطق الحوادث العرضية، بل بمنطق الفرص الاستراتيجية.
بعد سنوات على الانفجار، لا تزال الحقيقة الكاملة غائبة. التحقيق اللبناني مكبّل بالصراعات السياسية والتدخلات الخارجية، فيما المجتمع الدولي الذي يرفع شعارات العدالة لم يُظهر أي رغبة فعلية في فتح تحقيق دولي مستقل بكل الفرضيات الممكنة.
لهذا، فإن أخطر ما في انفجار مرفأ بيروت ليس فقط حجم الدمار، بل محاولة فرض رواية واحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة قبل اكتمال أي تحقيق شفاف وشامل. فحين تُمنع الأسئلة، يصبح الشك مشروعاً. وحين تُحاط جهة ما بحصانة إعلامية وسياسية كاملة، يصبح من واجب أي عقل نقدي أن يسأل: من المستفيد؟ ومن الذي يملك القدرة؟ ومن الذي اعتاد العمل في الظل؟
د. نبيلة عفيف غصن