من هرمز إلى بكين: كيف سقط المشروع الأمريكي في مواجهة إيران
محمد الحمد ٢٥ ايار ٢٠٢٦
في خضم التطورات الجديدة حول مساعي التوصل إلى اتفاق بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة بوساطة باكستانية قطرية، من الضروري أن نوضح ما يلي:
أولا: أهداف العدوان الأمريكي على إيران
قامت الولايات المتحدة بعدوان غادر على إيران، وكان الهدف منه إسقاط الجمهورية الإسلامية وضمها إلى المعسكر الغربي، لكي يكسب ترامب ورقة ضغط قوية على روسيا والصين بالدرجة الأساس.
وبذلك يضمن ترامب تفوقا يتمثل بتهديد الأمن القومي لروسيا والصين، وكذلك يضمن تأخير مشروع عملة عالمية جديدة ينوي “بريكس” إطلاقها في العام القادم، وبالتالي يؤخر تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
ثانيا: مشروع التقسيم وإعادة رسم المنطقة
إذا حقق ترامب هدفه الأول، فسيكون الطريق سالكا نحو تأسيس “كردستان الكبرى” بعد تقسيم إيران، وبالتالي يضمن وضع اللبنة الأساسية لما يسمى “إسرائيل الكبرى”.
ثالثا: المأزق الأمريكي بعد الفشل في هرمز
بعد فشل العدوان في تحقيق أي هدف من أهدافه، وبعد غرق أمريكا في مستنقع هرمز، كانت النتيجة أزمة ستراتيجية وقعت فيها الولايات المتحدة.
ومع ضيق الوقت الذي تمر به أمريكا، من ناحية الضغوط الاقتصادية الداخلية والعالمية بشكل عام، والانقسام في القرار الأمريكي، وتصدع تحالفاتها على مستوى العالم، بدأ ترامب يتصرف بهستيريا، وكان ذلك واضحا من خلال تهديداته المباشرة لإيران عبر التلويح باستخدام سلاح الدمار الشامل، وهذا يدل على أن ترامب في مأزق ستراتيجي، ويحاول من خلال هذا التهديد أن يحصل على تنازلات تفضي إلى الخروج من المأزق الستراتيجي الذي وقع فيه، وكذلك يحاول أن يشعل الفتن والفوضى داخل إيران ليحقق أهدافه التي عجز عن تحقيقها عسكريا.
وفي بعض الأحيان يستخدم لغة مرنة وسهلة من خلال تنازلات قدمها عبر الوسيط الباكستاني، وبهذا يحاول ترامب البحث عن ثغرة في الداخل الإيراني، عسى أن تفضي هذه المرونة إلى شيء من التراخي في الجانب الإيراني، وبالتالي تتيح له الكشف عن أماكن بعض القادة، وعلى رأسهم قائد الثورة الإسلامية.
رابعا: محاولة فصل جبهات المقاومة
حاول الأمريكي، وما زال يحاول، أن يفصل بين جبهات المقاومة، خصوصا بعد فرض إيران إيقاف العدوان على كل جبهات المقاومة.
وبالتالي فإن الأمريكي يحاول، من خلال كيانه، استمرار العدوان على لبنان عبر الضغط على الحكومة اللبنانية في مفاوضات مباشرة تفضي إلى محاصرة حزب الله وتحويله إعلاميا إلى سبب المشاكل والدمار في لبنان.
ولذلك ما زال الأمريكي وكيانه يبحثان عن فتنة داخلية منذ انطلاق الطوفان، والمساعد الأساس في هذا الملف هو الحكومة اللبنانية، للأسف الشديد.
وإيران وحزب الله يدركان ذلك جيدا، ولذلك فإن أي تصعيد كبير يقوم به الكيان الإسرائيلي ضد لبنان ستعود إيران بسببه إلى الحرب وبقوة.
ولكن هنا سيعتمد الرد على الكثافة النيرانية الإيرانية:
هل ستكون محدودة وأحادية ومركزة في فلسطين المحتلة على الكيان فقط؟
أم ستكون على مصالح الكيان في المنطقة؟
وهل ستشمل استهداف القطع البحرية الأمريكية وأصولها في المنطقة؟
إذا كان الرد الإيراني أحاديا حينها، فأعتقد أن الأمر سيكون معقدا على الجمهورية الإسلامية، لا سيما أن الأمريكي، بالأساس، يريد تحييد مصالحه وأصوله في الخليج من أي استهداف مدمر قادم، وكذلك يريد تحييد بعض أدواته في الخليج من أي استهداف أيضا.
خامسا: فشل زيارة ترامب إلى الصين
ترامب، الذي أجّل زيارته إلى الصين بسبب الحرب، وكان يعتقد أنه سينتصر فيها لكي يذهب إلى الصين بزخم ونشوة انتصار تمكنه من فرض إملاءات على الصين، جاء موعد الزيارة المؤجل وذهب إلى الصين وهو خالي الوفاض تماما.
فقياسا بالأهداف التي كان ترامب يسعى إلى تحقيقها من خلال زيارته إلى الصين، وأهمها ما يتعلق بتصدير الطاقة إلى الصين، وإيران، والملف النووي، ومضيق هرمز، واستمرار زعامة الولايات المتحدة من خلال شعار “التعاون” الذي طرحه ترامب امام نظيره الصيني، والذي قابله الأخير بشعار الشراكة، فإن الزيارة فشلت.
سادسا: الخيارات الأمريكية بين التصعيد والانكفاء
الأمريكي ليس لديه ترف الوقت، للأسباب التي ذكرناها فيما سبق، ولذلك ليس أمامه خيارات كثيرة، وهي ذاتها التي ذكرتها في بداية العدوان:
إما العودة إلى التصعيد، وهنا سيعتمد الأمر على الاحتمالات، وهو السيناريو الأقرب، وعندها ستكون الجولة قاسية ومؤلمة، لكنها لن تكون طويلة، وستكون نتائجها كارثية على الولايات المتحدة وكيانها وأدواتها في المنطقة.
أو الانتظار والمناورة عبر حرب نفسية وإعلامية قصوى، وهنا سيتعقد المشهد عليه أكثر لأن الوقت ليس في صالحه، لكنه يمني النفس بتقليل تبعات هرمز على الداخل الأمريكي وعلى العالم، ويبقي الأمور فضفاضة مع إبقاء إيران تحت الضغط والعقوبات والحصار، حتى يضمن شرارة داخلية، ولذلك ففي هذه النقطة على إيران أن تكون حذرة جدا.
أو الانسحاب، وإن حصل ذلك فسيكون الأمريكي أمام هزيمة وفضيحة عالمية أكبر من الفضيحة الحالية، وهي فضيحة ستقود إلى تسريع الانهيار الأمريكي على مستوى العالم.
لكنه يريد أن يغلف ذلك بانتصار شكلي من خلال فرض ما يسمى “السلام الإبراهيمي”، واستبدال السيطرة الأمريكية بالسيطرة الإسرائيلية على المنطقة برمتها.
ختاما
اليوم تقف الولايات المتحدة أمام واحدة من أخطر أزماتها الستراتيجية منذ عقود، بعد أن تحولت الحرب التي أرادتها بوابة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وإخضاع إيران إلى مأزق مفتوح يهدد نفوذها العالمي وهيبتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
فواشنطن التي دخلت المعركة وهي تسعى إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، ومحاصرة الصين وروسيا، وتأخير ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب، تجد نفسها اليوم عاجزة عن تحقيق أهدافها، بينما يتآكل نفوذها تحت ضغط الزمن والأزمات والانقسامات الداخلية.
أما إيران فهي تدرك أن المعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع وجودي على شكل النظام العالمي القادم، وعلى مستقبل المنطقة بأكملها.
ولذلك فإن أي تهاون أو سوء تقدير قد يفتح الباب أمام مشاريع التفتيت والفوضى وإعادة رسم الخرائط السياسية بما يخدم المشروع الصهيوامريكي.
وفي المقابل، فإن استمرار فشل واشنطن في فرض شروطها سيعني أن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى غير مسبوقة، لن تقتصر على تبدل موازين القوى فقط، بل ستطال شكل المنطقة بأكملها.
وسنشهد، مع مرور الوقت، زوال هذه الغدة السرطانية من المنطقة، كما سنشهد إنهاء الوجود العسكري الأمريكي فيها، بعد عقود من الحروب والدمار والخراب ومشاريع الفتنة والهيمنة والابتزاز السياسي والاقتصادي.
ولن يتوقف التغيير عند حدود المنطقة، بل سيمتد إلى العالم بأسره، حيث يتشكل نظام دولي جديد تتراجع فيه الهيمنة الأمريكية تدريجيا، مقابل صعود قوى دولية جديدة تفرض معادلات مختلفة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
ولهذا فإن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة أو مواجهة مؤقتة، بل لحظة تاريخية مفصلية ستعيد رسم شكل المنطقة والعالم لعقود قادمة، بين نظام أحادي يترنح تحت وطأة أزماته، ونظام عالمي جديد يولد من قلب الصراع الكبير./ الكاتب والاعلامي العراقي محمد الحمد،
