لم تعد الولايات المتحدة تخفي طبيعة دورها الحقيقي في لبنان. فخلف شعارات “دعم الاستقرار” و”مساندة الجيش اللبناني”، تتكشف يوماً بعد يوم حقيقة المشروع الأميركي: تحويل المؤسسة العسكرية إلى جهاز مضبوط الإيقاع وفق المتطلبات السياسية والأمنية للكيان الصهيوني، لا وفق مقتضيات السيادة اللبنانية أو ضرورات الدفاع الوطني.
العقوبات الأخيرة التي استهدفت العقيد سامر حمادة ليست حادثة تقنية مرتبطة بـ”ملف أمني”، بل رسالة سياسية مدروسة، عنوانها الواضح: ممنوع على الجيش اللبناني أن يمتلك هامشاً وطنياً مستقلاً عن الإرادة الأميركية. وممنوع على أي ضابط أن يتعامل مع معادلة الصراع مع العدو الصهيوني بوصفها قضية وطنية، لا ملفاً تديره السفارات.
الولايات المتحدة تدرك جيداً طبيعة عمل المكاتب المناطقية في الأجهزة الأمنية اللبنانية، وتعرف حدود إمكانياتها وحجم المعلومات التي تملكها. لكنها لا تبحث عن حقيقة أمنية، بل عن ذريعة سياسية. فالمطلوب ليس إثبات تهمة، بل إنتاج مناخ ترهيب داخل المؤسسة العسكرية نفسها. المطلوب أن يفهم كل ضابط ورتيب أنّ مستقبله المهني وسمعته وربما وضعه المالي يمكن أن يصبح رهينة قرار يصدر من واشنطن إذا خرج عن “الخط المرسوم”.
إنها محاولة لتطويع العقيدة العسكرية اللبنانية تدريجياً، وإعادة تعريف “العدو” و”الصديق” داخل وعي المؤسسة. فالعدو، بحسب الرؤية الأميركية، ليس الكيان الصهيوني الذي يحتل الأرض وينتهك السيادة ويهدد لبنان يومياً، بل كل قوة ترفض الاستسلام للمشروع الإسرائيلي في المنطقة. أما “الصديق”، فهو من يقبل بتحويل لبنان إلى ساحة مراقبة حدود تخدم أمن الاحتلال.
وهنا تكمن خطورة المرحلة. فالأميركي لا يريد فقط نزع سلاح المقاومة، بل يريد أيضاً تفكيك أي بنية وطنية قد تشكل غطاءً معنوياً أو سياسياً لحق لبنان في الدفاع عن نفسه. لذلك تُستهدف المقاومة إعلامياً وسياسياً، وتُخنق الدولة اقتصادياً، ويُضغط على الجيش أمنياً وأدبياً في آن واحد.
إن واشنطن التي تتحدث عن “دعم الجيش اللبناني” هي نفسها التي تفرض عليه شروطاً سياسية غير معلنة، وتحاول رسم حدوده العقائدية والوطنية. وهي بذلك لا تبني جيشاً وطنياً، بل تسعى إلى إنشاء مؤسسة منزوعة الإرادة، وظيفتها حماية التوازن الذي يخدم أمن الكيان الصهيوني ويمنع لبنان من امتلاك عناصر قوته الحقيقية.
غير أن ما تعجز واشنطن عن فهمه هو أن لبنان لم يصمد يوماً بفضل الرضوخ، بل بفضل عناصر القوة الكامنة في شعبه وجيشه ومقاومته. وكل محاولة لعزل هذه العناصر عن بعضها لن تؤدي إلى “الاستقرار”، بل إلى إضعاف الدولة نفسها وفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والهيمنة.
لهذا، فإن الدفاع عن الجيش اللبناني يبدأ برفض تحويله إلى أداة ابتزاز أميركي، ورفض إخضاع ضباطه لمحاكم سياسية خارج الحدود، ورفض اختزال الوطنية اللبنانية بمعايير تصدر من السفارات. فالسيادة لا تتجزأ، والجيش الذي لا يملك حرية قراره الوطني لا يستطيع حماية وطن، بل فقط إدارة أزمة تحت سقف المحتل غير المباشر.
د نبيلة عفيف غصن