توقف القطار ساعةً كاملة هذه العشية بسب عطلٍ على السكة الحديد أمامنا.
سمعتُ أحد المسافرين يتكلم عن بقرة ضالة على الطريق.
لم أسأله أن يبيّن لي ما هي، “صفراء فاقع لونها، تسرُّ الناظرين”، فالبقر – بقر الألمان – تشابه عليّ منذ سنين.
فتحتُ باب العربة قسراً، ونزلتُ إلى الأرض.
هذا مخالف للقانون. ولكنني منذ 2011 متخصص في انتهاك القوانين.. الدولية خاصة.
التقطتُّ صورةً للسكة المعدنية الباردة.
خطر عليّ: لو ظل هذا الحديد المتشابك والمرتب ترتيباً هندسياً بديعاً، يمشي إلى آخر الأفق، هل يصل ضرورةً إلى ليبيا؟
أم أن حديد ليبيا الساخن من طينةٍ أخرى، محشوّاً بالبارود مثلاً، أو متمترساً في شظايا الموت، أو مرسوماً على هيئة (وشهوة) قذائف الهاون الغادرة.
الليبيون يسمون السلاح على أنواعه: الحديد.
وكذلك السيارات.
“باهي اللي جت في الحديد”، هو التعبير الليبي الخالد، والمواساة الليبية التقليدية حين يخرج الليبي سالماً من حادث سيارة.
“احمِد ربك يا راجل، جت في الحديد”
ولكن فبراير الناتوية يا ليبيين “جت في اللحم”.
لحم الليبيين، ودمّهم، وروحهم العربية المسلمة، المنهكة بهيمنة الأجنبي، وتخاذل المحلي، ودوخة الأهليّ!
الأهليّ، نسبةً للأهل… الناس .. وليس للنادي الطرابلسي الشهير.
نحتاج يا ليبيين، ويا عرب، للاتحاد.
الاتحاد، نسبةً للوحدة والتكاتف، وليس للنادي الطرابلسي الآخر.
الليبيون، في نوادي الكرة، مبدعون في التسمية:
الأهلي، الاتحاد، الوحدة، النصر، الأمل، التعاون، الإفريقي، البشائر، الأنوار، الأنصار.
يا عيني!
تحسّها مقامات للسعادة الليبية، والطمأنينة الطرابلسية البرقاوية الفزانية.
ما فيش نادي ليبي اسمه “السِّكّة”، بس فيه طريق في العاصمة اسمه “طريق السكة”، لأن سكة حديد طليانية كانت تخترقه بالطول.
كنت فيه شهر 8 سنة 2011 أعقد مؤتمرات صحفية تحت القصف الناتوي العنيف.
أذكر شاباً حسن الهيئة، فتح لي بوابة مقر اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء) بابتسامةٍ طرابلسية أصيلة، ترسخت في ذاكرتي.
الابتسامة الطرابلسية غير الحق! فيها ملامح زناقي البلاد.
قيل لي بعدها أنه استشهد في قصف ليلي عنيف.
لم أحفظ اسمه.
أشعر بالحشم والله لأني لم أحفظ اسمه.
أنا الآن هذا المساء، لا أعرف اسم المحطة التي وقفنا قسراً قبلها، ولا اسم البقرة الضالة التي أقفلت السكة، ولا اسم هذه القرية الريفية الصغيرة التي تبدو في الأفق.
حتى أني لا أتذكر لماذا ركبت القطار أصلاً، هل لدي موعد عمل، أم زيارة للطبيب، أم جلسة مساءلة مع ضباط “هيئة حماية الدستور” الألمانية الذين يحققون معي هذه الأيام؟
لا يهم، أريد فقط أن أتذكر اسم الشاب الطرابلسي الجميل الذي ابتسم لي في طريق السكة، ثم مات.
أريد أن أدعو له بالاسم، اسمه هو واسم أمه وأبيه اللذين أحسنا تربيته.
،
سأفعل هذا في صلاتي التي لم يدخل وقتها بعد.
صلاتي التي لا تصح إلا وضوءً بماء ليبيا، أو تيمّماً بترابها الذي دُفِن فيه الرجال: جثامينهم وقلوبهم .. والأسماء. د, موسى ابراهيم
