بين “الأسلمة” و“الصدّامية”: تفكيك نموذج السلطة الصاعدة في سوريا الشام بين السوسيولوجيا السياسية والهندسة الإقليمية

د.نبيلة عفيف غصن

مقدمة
يطرح تحليل الكاتب حسام جزماتي إشكالية مركزية تتجاوز ثنائية “الإسلام السياسي” و“العلمانية” إلى مستوى أعمق: طبيعة السلطة المتشكّلة في سياق ما بعد الانهيار. فالسؤال لم يعد: هل تتجه سوريا الشام نحو “دولة دينية” أم لا؟ بل: أي نوع من التسلط سيملأ الفراغ؟
في هذا الإطار، يقدم المقال أطروحة مركّبة مفادها أن ما يتبلور ليس “حكم الشريعة” بالمعنى الكلاسيكي، بل نموذج هجين يجمع بين الصدّامية كمنطق ممارسة والإسلام الحركي كغطاء شرعي وهوياتي.
هذا المقال يسعى إلى إعادة بناء أطروحة جزماتي ضمن إطار أكاديمي تحليلي، مع توسيعها عبر ثلاثة مستويات:
البنية السوسيولوجية المنتجة للنموذج،
دور الفاعلين الإقليميين والدوليين،
تحولات الخطاب الديني كأداة ضبط سياسي.

أولاً: “الأسلمة” بوصفها قشرة سياسية – قراءة في الظاهر والباطن
ينطلق جزماتي من تفكيك ما يبدو كمسار “أسلمة” تقوده هيئة تحرير الشام، مشيراً إلى أن هذا المسار لا يمكن فهمه بوصفه انتقالاً عقائدياً صافياً، بل باعتباره تكتيكاً سياسياً مرناً.
فعلى مستوى الجذور، لا يمكن تجاهل الامتداد التاريخي للهيئة من “جبهة النصرة” المرتبطة بالقاعدة، وهو ما يمنحها إرثاً جهادياً صلباً. غير أن هذا الإرث، وفق القراءة المطروحة، لم يعد يُستخدم كبرنامج حكم، بل كـرأسمال رمزي يتم توظيفه عند الحاجة.
أما على مستوى الممارسة، فإن القرارات “المؤسلِمة” لا تعكس بالضرورة التزاماً فقهياً صارماً، بل تؤدي وظيفة ضبط اجتماعي محافظ، يهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء العام بما يضمن الطاعة والاستقرار.
هنا تبرز فكرة “التقية السياسية” كآلية تفسير: أي أن التخفف من الخطاب الجهادي لا يعني التخلي عنه، بل تأجيله أو إعادة صياغته بما يتلاءم مع شروط اللحظة. لكن هذا التفسير، رغم وجاهته، يبقى قاصراً إذا لم يُربط بالبنية الأعمق التي تحكم سلوك السلطة.

ثانياً: “الصدّامية” كمنطق حكم – من بغداد إلى سوريا الشام
أحد أبرز إسهامات المقال هو نقله النقاش من حقل “الإسلام السياسي” إلى حقل السلطوية العربية المقارنة، عبر استدعاء نموذج “الحملة الإيمانية” في العراق خلال التسعينيات.
في هذا السياق، لا تُفهم “الصدّامية” كأيديولوجيا بعثية فحسب، بل كنمط حكم يقوم على ثلاث ركائز:
العنف المؤسَّس بوصفه أداة إدارة يومية،
تديين السلطة لا بوصفه التزاماً، بل كأداة تعبئة،
إعادة تعريف العدو ليصبح داخلياً وقريباً.
هذا التحول من “العدو البعيد” إلى “العدو القريب” يشكّل نقطة تقاطع جوهرية بين الجهادية المتحوّلة والسلطوية التقليدية. فبدلاً من مشروع “الخلافة”، يصبح الهدف هو السيطرة المحلية عبر تعبئة هوياتية حادة.
وبذلك، فإن ما يحدث ليس “أسلمة للسلطة”، بل إعادة إنتاج للسلطوية بأدوات دينية، حيث يتحول الدين إلى لغة، لا إلى مرجعية حاكمة.

ثالثاً: النظام التسلطي المحافظ – قراءة في البنية الاجتماعية للسلطة
يتقاطع جزماتي مع طرح ياسين الحاج صالح في توصيف النظام الناشئ بوصفه “تسلطياً محافظاً”، وهو توصيف يكتسب دلالته من الجمع بين عنصرين:
التسلط السياسي: احتكار القرار، قمع المعارضة، تذويب المؤسسات.
المحافظة الاجتماعية: فرض معايير أخلاقية صارمة تضبط السلوك العام.
غير أن العنصر الأكثر حساسية هنا هو ما يسميه المقال “الطائفية النشطة”، أي استخدام الهوية الدينية ليس كإطار انتماء، بل كأداة تعبئة وصراع. في هذا السياق، لا تكون “السنّية” منظومة قيمية، بل تتحول إلى هوية سياسية مُسيَّسة.
هذه البنية تتيح للسلطة تحقيق معادلة دقيقة:
من جهة، ضبط المجتمع عبر منظومة أخلاقية محافظة،
ومن جهة أخرى، تعبئته عبر خطاب تهديد وجودي مستمر.

رابعاً: القاعدة الشعبية وشرعية “الصدّامية” – لماذا ينجح هذا النموذج؟
يقدّم المقال تفسيراً سوسيولوجياً لانتشار هذا النمط، معتبراً أنه ليس مفروضاً من الأعلى فقط، بل يجد قابلية عميقة في القاعدة الاجتماعية.
تتجلى هذه القابلية في عدة عناصر:
أولاً، تمجيد القوة بوصفها قيمة عليا في سياق الانهيار، حيث يُنظر إلى القانون كترف، وإلى العنف كضرورة.
ثانياً، العشائرية المعاد إنتاجها، حيث تعود الروابط الأولية لتكون الإطار الحاكم للعلاقات الاجتماعية والسياسية.
ثالثاً، الفوضى المنظمة، التي تسمح بظهور “أمراء محليين” يمارسون سلطتهم ضمن منطق “الديكتاتور الصغير”.
بهذا المعنى، فإن “الصدّامية” لا تُفرض فقط، بل تُطلب اجتماعياً، لأنها توفّر إحساساً بالأمان في بيئة فاقدة للاستقرار.

خامساً: العامل الدولي والإقليمي – الغائب الحاضر
رغم قوة التحليل السوسيولوجي، فإن الاكتفاء به يُخفي بعداً حاسماً: هندسة الاستقرار إقليمياً ودولياً.
فالنموذج الذي يتشكل لا يُفهم فقط كنتيجة داخلية، بل أيضاً كاستجابة لشروط خارجية تفضّل:
سلطة قادرة على ضبط الحدود،
منع تشكّل تهديدات عابرة للحدود،
إنتاج حد أدنى من الاستقرار القابل للاستثمار.
في هذا السياق، يصبح “التحول نحو المحافظة المحلية” ليس خياراً أيديولوجياً، بل شرطاً للاعتراف والتمويل. وهنا تتقاطع مصالح الداخل والخارج:
الداخل يبحث عن البقاء،
الخارج يبحث عن الاستقرار.

سادساً: جدلية الفراغ والهندسة – هل “الصدّامية” حتمية؟
السؤال المركزي الذي يطرحه التحليل هو: هل هذه الظاهرة حتمية نتيجة غياب الدولة، أم أنها نتاج مقصود؟
الإجابة الأرجح أنها بنية هجينة:
من جهة، يخلق غياب الدولة فراغاً يُملأ تلقائياً بروابط أولية وسلوكيات عنيفة.
من جهة أخرى، تقوم القوى المسيطرة بـتأطير هذا الفراغ عبر خطاب تعبوي يعيد تشكيله وفق مصالحها.
بهذا المعنى، لا تكون “الصدّامية” مجرد فوضى، بل فوضى مُدارة، تُستخدم كأداة حكم.

سابعاً: الخطاب الديني بين الغيبية والعلمنة التسلطية
في دور التعليم والخطاب الديني، تبرز مسألة جوهرية:
هل لا يزال الدين يحتفظ ببعده الغيبي، أم أنه تحول إلى أداة سياسية؟
المؤشرات التي يقدمها هذا النموذج تميل نحو ما يمكن تسميته “العلمنة التسلطية للدين”، حيث:
يتم تفريغ الدين من أبعاده الروحية العميقة،
وإعادة توظيفه كأداة شرعنة للسلطة،
مع الحفاظ على لغة دينية كثيفة تمنح الممارسة السياسية غطاءً أخلاقياً.
هذا لا يعني اختفاء البعد الغيبي، بل إعادة ترتيبه بحيث يصبح خادماً للسياسي، لا موجهاً له.

خاتمة
يكشف تحليل جزماتي، عند توسيعه، أن ما يتشكل في سوريا الشام ليس انحرافاً طارئاً، بل نموذج حكم متكامل يقوم على تزاوج بين البنية الاجتماعية المتصدعة والهندسة السياسية المتعمدة.
إن “الصدّامية” هنا ليست استعادة لنموذج تاريخي، بل إعادة إنتاجه في شروط جديدة، حيث تتداخل العشائرية مع الإسلام الحركي، ويتقاطع المحلي مع الإقليمي، ويتحوّل الدين من غاية إلى أداة.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في توصيف هذا النموذج، بل في فهم آليات استدامته:
كيف يتحول إلى ثقافة؟
كيف يُعاد إنتاجه عبر التعليم والإعلام؟
وكيف يصبح “الطبيعي الجديد” في وعي الأجيال؟
هذه الأسئلة تفتح المجال أمام بحث أعمق يتجاوز السياسة إلى سوسيولوجيا السلطة، حيث لا تكون الدولة مجرد مؤسسات، بل انعكاساً لبنية مجتمع أُعيد تشكيله تحت ضغط الحرب والخوف والهندسة المستمرة.