الكنيسة الإنجيلية الأميركية: التأثير الديني في مسار الدعم الأميركي لـ «إسرائيل»

عماد ياغي

على مدى العقود الأخيرة، لم تعد الكنيسة الإنجيلية الأميركية محصورة في دورها الوعظي والتبشيري، بل تحوّلت تدريجياً إلى لاعب مؤثّر في الحياة السياسية الأميركية، يمتلك قدرة فعلية على التأثير في القرار الداخلي والخارجي للولايات المتحدة. هذا التحوّل جعلها حاضرة بقوة في ملفات كبرى، في مقدّمها العلاقة الأميركية مع “إسرائيل”، وما يترتّب عليها من انعكاسات مباشرة على الشرق الأوسط وشعوبه.
فالتيار الإنجيلي في الولايات المتحدة ليس تجمّعاً دينياً عابراً، بل حركة واسعة التنظيم، تمتلك قاعدة جماهيرية ممتدة من المدن الكبرى إلى الأرياف، وتشارك بفاعلية في الانتخابات وصناعة الرأي العام. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت هذه الحركة بلورة حضورها السياسي عبر أطر منظمة مثل “الأغلبية الأخلاقية” و“التحالف الإنجيلي”، فانتقلت من التأثير الأخلاقي إلى التأثير السياسي المباشر، وسعت إلى مواءمة السياسات العامة مع رؤيتها الفكرية والدينية.
ولم يقتصر هذا النفوذ على الشأن الداخلي الأميركي، بل امتدّ إلى السياسة الخارجية، حيث بات للكنيسة الإنجيلية دور واضح في مقاربة واشنطن لقضية “إسرائيل”. فالكثير من الإنجيليين ينظرون إلى “إسرائيل” من زاوية دينية مرتبطة بتفسيرات كتابية ونبوءات خاصة، ويرون في دعمها التزاماً عقائدياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً. هذا المزج بين الإيمان والسياسة منح الحركة الإنجيلية قدرة كبيرة على تحويل القناعات الدينية إلى مواقف رسمية داخل مؤسسات القرار الأميركي.
كما لعب الإعلام التابع للكنائس الإنجيلية دوراً محورياً في ترسيخ هذا التوجّه، عبر منصات وقنوات ومراكز أبحاث تقدّم سرديات سياسية ملبوسة بلغة دينية وأخلاقية، تُظهر “إسرائيل” كحليف دائم يحتاج إلى حماية مستمرة. وهكذا لا يقتصر الخطاب على الوعظ، بل يتحوّل إلى صناعة رأي عام يؤثر في الناخب الأميركي وفي خيارات السياسيين.
وفي المشهد السياسي، يدرك المرشحون وأعضاء الكونغرس ثقل الصوت الإنجيلي، فيحسبون له حساباً قبل تبنّي أيّ موقف قد يُفسَّر على أنه تراجع عن دعم “إسرائيل”. وقد انعكس ذلك في ملفات حساسة مثل الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، دعم الاستيطان، والتمويل العسكري المفتوح. وهنا يظهر أنّ جزءاً أساسياً من السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط لا يُبنى فقط على المصالح الاستراتيجية، بل يتأثر أيضاً بثقل ديني ـ شعبي منظّم داخل المجتمع الأميركي.
أما العلاقة بين التيارات اليهودية والكنيسة الإنجيلية الأميركية، فهي من أكثر التحالفات السياسية المعاصرة تعقيداً. فعلى الرغم من التباينات العقائدية الواضحة، نشأت شراكة قائمة على المصالح المتبادلة. ترى الإنجيلية في “إسرائيل” عنصراً محورياً في تصورها الديني للتاريخ، بينما تسعى النخب اليهودية إلى ضمان استمرار الدعم الأميركي للكيان العبري. هذا التلاقي أنتج تحالفاً عملياً يجمع بين القوة الجماهيرية الإنجيلية والخبرة السياسية والاقتصادية اليهودية، بما يؤثر في توجهات واشنطن الإقليمية.
وتعتمد الكنيسة الإنجيلية كذلك على أدوات تعليمية وثقافية لترسيخ هذا التصوّر في أذهان الأجيال الجديدة، عبر المدارس والجامعات والبرامج الشبابية، بما يضمن استمرارية التأثير لعقود مقبلة. كما تشارك في الحملات الانتخابية بتعبئة الناخبين وتوجيههم نحو مرشحين يلتزمون بتحويل المعتقدات إلى سياسات عملية.
وفي المقابل، يترك هذا التداخل بين الدين والسياسة أثره على المجتمع الأميركي نفسه، حيث يتعمّق الجدل بين من يدعو إلى الفصل بين الإيمان والقرار السياسي، ومن يرى في التيار الإنجيلي قوة ضغط مشروعة تعبّر عن قناعات شريحة واسعة من المجتمع. هذا الجدل يجعل أيّ محاولة لإعادة النظر في الدعم الأميركي لـ “إسرائيل” مسألة معقّدة داخلياً، لأنها تمسّ شبكة نفوذ شعبية ومؤسساتية مترسخة.
ومن المهمّ التمييز بين الكنائس الإنجيلية الأميركية ذات الطابع السياسي، وبين الإنجيليين التاريخيين في الشرق، الذين شكّلوا جزءاً أصيلاً من نسيج المنطقة وثقافتها وحضارتها. فالإنجيليون في الشرق كانوا وما زالوا دعاة عدالة وعيش مشترك، ولم يكونوا يوماً جزءاً من مشاريع الهيمنة أو توظيف الدين في الصراعات الدولية. لذلك فإنّ نقد الدور السياسي لبعض التيارات الإنجيلية في الغرب لا يستهدف الإيمان، بل يركّز على تحويل العقيدة إلى أداة ضغط سياسي تخدم مصالح دول بعينها.
في المحصّلة، لم تعد الكنيسة الإنجيلية الأميركية مجرد مؤسسة روحية، بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في صياغة السياسة الأميركية تجاه “إسرائيل” والمنطقة. إنها نموذج لتحويل الإيمان إلى فعل سياسي، والموعظة إلى قرار رسمي، حيث تتداخل القناعات الدينية مع المصالح الاستراتيجية، فتُصاغ سياسات تمسّ مصير شعوب الشرق الأوسط من داخل مؤسسات واشنطن، لا من داخل واقع المنطقة واحتياجات أهلها…