واشنطن وطهران: تفاوض دقيق على إيقاع التهدئة

ريما فارس

تدخل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حساسة، في ظلّ مشهد إقليمي متشابك وحسابات دولية معقدة، إلا أنّ المؤشرات العامة توحي بميلٍ واضح نحو ضبط الإيقاع وتفادي الانفجار. هذه الجولة لا تبدو مواجهة إرادات بقدر ما هي محاولة متبادلة لإدارة الخلاف، والبحث عن تفاهمات مرحلية تحول دون انزلاق المنطقة إلى صدام واسع لا يريده أحد.
صحيح أنّ الملف النووي لا يزال في صلب النقاش، لكنه لم يعد منفصلاً عن سياقه الأوسع. فالقضايا الإقليمية، والضغوط الاقتصادية، ومصالح الحلفاء، باتت جميعها حاضرة على طاولة غير معلنة، تفرض على الطرفين مقاربة أكثر واقعية وحذراً. واشنطن تسعى إلى احتواء التوتر من دون الدخول في مغامرة عسكرية، فيما تؤكد طهران أنّ أيّ تقدّم يجب أن يقوم على اعتراف متبادل بالوقائع القائمة، لا على صيغ مؤقتة قابلة للانقلاب مع تغيّر الإدارات.
اللافت في هذه الجولة هو انخفاض منسوب التصعيد الإعلامي، في إشارة واضحة إلى إدراك الطرفين لحساسية اللحظة. فالتجارب السابقة، ولا سيما تداعيات الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، كرّست قناعة مشتركة بأنّ الضجيج يعرقل التفاهم، وأنّ الهدوء قد يكون أداة تفاوض بحدّ ذاته. لذلك تُدار المحادثات بعناية، مع التركيز على التفاصيل والخطوات القابلة للتنفيذ، بعيداً عن الشعارات الكبيرة.
إقليمياً، تتابع العواصم المعنية هذا المسار بحذر وترقّب. أيّ تقدّم، ولو محدود، كفيل بخفض مستوى الاحتكاك وفتح نافذة لتهدئة أوسع، تنعكس على أكثر من ساحة توتر. وفي المقابل، يدرك الجميع أنّ التعثّر لا يعني بالضرورة الانفجار الفوري، بقدر ما يعيد الأمور إلى حالة شدّ وجذب محسوبة.
ما يميّز هذه المرحلة هو أنّ الطرفين يعترفان، ضمناً، بأنّ كلفة الفشل أعلى من كلفة التفاوض، وأنّ إدارة الخلاف أفضل من توسيع دائرة الصراع. لذلك يجري العمل بمنطق الخطوات المتدرّجة، التي تحافظ على قنوات التواصل مفتوحة، وتمنع انهيار المسار عند أول اختبار.
في المحصلة، تقف المفاوضات اليوم بين ضغط محسوب من واشنطن، وتمسّك هادئ من طهران بموقعها ودورها، ضمن معادلة تسعى إلى تثبيت الاستقرار النسبي لا كسره. وبين التهدئة الممكنة والتوتر المضبوط، تبدو هذه الجولة محاولة جدية لإبقاء المنطقة خارج سيناريو المواجهة، وداخل هامش سياسي قابل للإدارة في المرحلة المقبلة…