تفكيكُ المُعتَرَك المُحتدم بينَ إيران وأمريكا

محمود وجيه الدين – كاتب يمني

في قلبِ “الشرق الأوسط” أو ما يُسمّى-حسبَ التصويبِ السياسيِّ المُقاوم- غربُ آسيا، حيثُ تتقاطعُ الجغرافيا مع التاريخ، يَحتدمُ مُعتَرَكٌ بينَ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران وأميركا، ليسَ توتّرًا آنِيًّا، فهو صراعٌ متجذِّرٌ يتجاوزُ حدودَ السياسة التقليديّة.
إنَّهُ ساحةٌ مفتوحةٌ تتصارعُ فيها الإراداتُ بينَ معسكرٍ شرقيٍّ إسلاميٍّ ومُعسكرٍ غربيٍّ أميركيٍّ. فأصلُ المواجهةِ ليستْ عسكريّةً أو دبلوماسيّةً فحسب، بل متعدِّدةُ الأبعاد، فمِنها: دينيًا وهو المنشأُ الرئيسيُّ في الصِراع، إذْ يُنظر بأنَّها معركةٌ بينَ الحقِّ والباطل، وفلسفيًّا في جدليّةِ القوّة الغاشِمة والهويّة المُقاوِمة، ومعرفيًّا في إنتاج السرديّات المتناقضة بينَ المُستكبِر والمُستضعف، ولسانيًّا- حسبَ الدراساتِ التأويليّة واللُّغوية- في حُمولةِ المُفرداتِ والرموزِ الَّتي تتجاوزُ الواقع إلى دلالاتٍ أعمق. فإنَّ تفكيكَ هذا المُعتَرَك يعني الدخولَ إلى طبقاتِ الصراع المُحتدِمة والجاريّة لفهمِ كيفَ تتحوّلُ المواجهةُ إلى معركةٍ وجوديّة تُهدِّدُ استقرارَ المنطقة والعالم.

الجذور التاريخية والاحتدام الراهن

منذُ انتصارِ الثورةِ الإسلاميةِ وأزمةِ الرهائنِ عام (1979م)، بدأ الشرخُ الكبيرُ بين إيران وأميركا، إذْ كانت إيران قبل الثورةِ في عهدِ الشاهِ شرطيًّا لأميركا في المنطقة. ولاحقًا، فرضتْ أميركا عقوباتٍ متتاليةً على إيران (1980م–1990م) بسبب دعمها لحركاتِ المقاومة، وفي عام (2002م) وضعَ الرئيسُ الأميركيُّ جورجُ بوش الجمهوريةَ الإسلاميةَ في دائرةِ “محورِ الشرِّ”، أي الدول التي تعتبرها أميركا تهديدًا للأمنِ العالميِّ.
إجمالًا، يُظهر تتبُّعُ جذورِ العداء أن هذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل امتدادًا لِما بعد منتصفِ القرن العشرين، وما تلاها من أحداثٍ شكلت السياسةَ الإقليمية. فالشرخُ الأساسيُّ بدأ منذ انتصارِ ثورةِ الإمامِ الخمينيِّ (قدس سره)، وما تلاها من تطوراتٍ أعادت التوترَ إلى ذروته. فإنَّ كلُّ محطةٍ تاريخيةٍ في هذهِ السنين (1979، 2015، 2018، 2020، 2024، 2025) قد ساهمتْ في تكوينِ الوضعِ الحاليِّ، وما نشهده اليومَ من احتدامٍ لا يعني أنّه أزمةً منفصلةً، إنَّما فصلٌ جديدٌ في معركةٍ ممتدةٍ.

ويظهرُ ذلك من خلالِ مؤشراتٍ رئيسيةٍ مهمة: التصعيدُ العسكري، كما في حرب الاِثني عشر يومًا، والمفاوضاتُ الدبلوماسيةُ المتعثرةُ اليوم، في وسط ضغوطٍ إسرائيليةٍ ووساطاتٍ عربيةٍ، مع ترقّبِ احتمالاتِ نشوب حربٍ جديدةٍ.

السرديات المتضادة بين الإمام علي الخامنئي ودونالد ترمب

إذا كانت الجذورُ التاريخيةُ قد رسّخت الشرخَ بين إيران وأميركا، فإنَّ الاحتدامَ الراهنَ لا يُفهمُ فقط من خلال الوقائعِ العسكريةِ والدبلوماسيةِ، بل إنَّما كذلك من خلال السردياتِ التي يصوغها قادةُ الطرفين. فالماضي يُلقي بظلاله على الحاضر، لكنَّ اللغةَ والخطابَ هُما ما يمنحان الصراعَ معناهُ العميق، ويحوّلانه إلى معركةٍ وجوديةٍ بين اتجاهين متضادّين. وهنا تتقاطع سرديةُ الإمام السيّد علي الخامنئي، الَّتي تُؤطرُ المواجهةَ في ثنائية المستكبر والمستضعف، مع سرديةِ ترمب، التي تُعيد إنتاج الصراعِ بلغة الصفقةِ والوعيد بالحرب وتهديدِ شخصِ قائد الثورة.

تكشف هذه السردياتُ أن المعتركَ ليسَ مجردَ تاريخٍ ممتدّ، بل إنّه خطابٌ متجددٌ يعيدُ تشكيل صورةِ كل طرفٍ أمام شعبه والعالم. فسرديةُ السيّد الخامنئي تعيدُ تأطير الصراعِ كمعركةٍ وجودٍ وإرادة، ورفضٍ للتهديدِ والذلّ، بينما سرديةُ ترمب ترى الصراعَ كتطبيقٍ للقوةِ والردع لضمانِ مصالح أميركا وأمنها. ومن هُنا، كانَ يقولُ الإمام الخامنئي في المُعترك المحتدمِ الجاري بين إيران وأميركا:
“إذا شَنّوا الحربَ هذه المرة، فستمتدّ إلى كامل المنطقة… الشعبُ الإيراني لا ينبغي أن يخافَ من هذه التهديدات.”
“يجب أن يعرف الأميركيون أنّ الحربَ ليست لعبة… وإذا بدأوها ستتحول إلى مواجهةٍ كبرى، ولن نستسلم تحت أي ظرفٍ من الظروف.”

تفكيك الملفات الخلافية والأبعاد المتشابكة

وإذا كانتِ السردياتُ المتناقضةُ بين السيدِ الخامنئي وترمب قد أظهرتْ أن الصراعَ يتجاوز السياسةَ إلى معركةٍ خطابيةٍ وقيمية، فإنَّ هذه السردياتِ لا تبقى محصورةً في اللغةِ وحدها، كذلك تنعكس مباشرةً على الملفاتِ الخلافيةِ الملموسةِ التي تُشكّلُ جوهرَ المواجهة. فتنتقلُ المواجهةُ من مستوى الجذور والسرديات إلى مستوى الملفاتِ العملية: البرنامجُ النوويّ، الصواريخُ الباليستيةُ، محورُ المقاومة. وإنَّ فهمَ هذه الملفاتِ ضروريٌّ لمعرفة كيف تتشابكُ الأبعادُ العسكريةُ والسياسيةُ في معتركٍ واحدٍ متواصل.

فإنّ الملفَ النووي هو أول ملّف خلاف، فإيران تعلن دومًا أنها مستعدةٌ للتخلي عن صناعةِ القنابل النووية، لكنها تصرُّ على حقِّها في تخصيبِ اليورانيوم للأغراضِ السلمية، بينما تستخدمُ أميركا البرنامجَ النوويّ كذريعةٍ للضغطِ السياسيّ، ما يربطه بالبعدِ السياديّ واستقلالِ القرار الوطني في إيران. والملف الصاروخي، تُعدُّ الصواريخُ أداةً دفاعيةً في ظل التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي، وتعتبرها إيران من الخطوط الحمراء التي لا تُساوم بشأنها، فهي ضمانةٌ لردع أي اعتداءٍ محتمل.

وملف قوى المقاومة، تجد الجمهورية الإسلامية في إيران أن وجودها الإقليمي امتدادٌ طبيعيٌّ لسيادتها وحمايةِ حلفائها ضمن محور المقاومة، ويربط هذا الملف المهم بين السياسةِ والأيديولوجيا، كونه جزءًا من هويتها الإسلامية الثورية. فعند تفكيكَ هذه الملفاتِ يُظهر أن المعترك الإيراني الأميركي هو معركةٌ متعددةُ الطبقات، حيث يُستخدم كل ملفٍّ كأداةٍ ضغطٍ أو ردعٍ أو ورقةِ تفاوضٍ في سياقٍ متشابكٍ ومعقّد.

الانعكاسات الدولية والسيناريوهات المستقبلية

وإذا كان تفكيكُ الملفاتِ الخلافية قد كشف عن تشابكِ الأبعاد، فإنَّ هذه الملفاتِ لا تبقى محصورةً في حدود الثنائية بين واشنطن وطهران، إذْ أنّها تمتدُّ انعكاساتها إلى الساحةِ الدولية بأسرِها. فكلُّ ملفٍّ من النوويّ إلى الصواريخِ ومحورِ المقاومة يتحوّل إلى ورقةِ ضغطٍ تتداخل فيها مصالحُ القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين، لتصبح المواجهةُ جزءًا من معادلةٍ أوسع تتعلق باستقرارِ منطقتنا والعالم كذلك.

ومن هُنا، يفتحُ البابُ أمام قراءةِ الانعكاساتِ الدولية ورسمِ السيناريوهات المستقبلية التي قد تحدد مآلات هذا الصراع. ففي ظلِّ الوساطات العربية التي تُدرك خطورة الوضع القائم، تشيرُ تقاريرُ حديثة إلى أنّ سلطنةَ عُمان وقطرَ ومصرَ تلعب دورًا في محاولة منع الانفجار عبر قنواتٍ خلفية، لكن لا زال تأثيرَها يبقى محدودًا أمام تصلب المواقف.

علاوةً على ذلك الموقفُ الروسي والتركي والصيني؛ فيُدرك الجميع ذلك في ظلِّ غياب دورٍ أوروبي، والضغوطُ الإسرائيلية، كما توضحُ تقاريرُ أمنية وإعلامية إسرائيلية، مشيرةً إلى أن العدوَّ الإسرائيلي يرى أيَّ تأجيلٍ أميركي للحسم تهديدًا مباشرًا لأمنه، ويدفع ذلك أميركا نحو مواجهةٍ صارمةٍ.

فالسيناريوهات المرتقبة في المعتركِ مثل: احتمال مواجهة محدودة في الخليج، أو تهدئة مشروطة عبر اتفاق وساطة عربية، بجانب إجماعِ معظمُ الخبراء السياسيين على أن السيناريوهات المستقبلية تتراوح بين التهدئة المشروطة، أو التصعيد المحدود، أو المواجهة الشاملة، ما يجعل المنطقةَ في حالةٍ ساخنةٍ من عدم اليقين الاستراتيجي، إلى النظر في نهاية المطاف لتحديد مسار الأمور.

في محصِّل المقال.. يتضِّح أنّ المعترك الإيراني الأميركي ليس أزمةً آنيةً، بل معركةً وجوديةً ممتدةً تتشابك فيها الجذور التاريخية، السرديات الخطابية، الملفات الخلافية، والانعكاسات الدولية. وإنّ إدراك هذه الأبعاد يبيّن أن المواجهة ليست فقط بين قوتين متقابلتين، إنّما بينَ رؤيتين للعالم، رؤيةٌ تُصرُّ على المقاومةِ والهويةِ والسيادة والاستقلال، وأخرى ترى نفسها وصيًّا على المجتمع الدولي. وهكذا، يبقى استقرارُ المنطقةِ والعالمِ رهينًا بقدرةِ الطرف الأميركي على تجاوز منطقِ الهيمنةِ والردع، وإلا فإنّ المستقبلَ سيظلُّ مفتوحًا على احتمالاتِ التهدئة أو التصعيد أو الانفجار الشامل.