مقدمة: عندما تُرسم الحدود بالحبر… وتُمحى بالإرادة
ليس كل ترسيمٍ للحدود عملاً سيادياً، ولا كل اتفاقٍ دوليٍّ انتصاراً قانونياً. في الحالة اللبنانية، تحوّلت اتفاقية تشرين الثاني 2025 مع قبرص من خطوة تقنية يفترض أن تُنهي نزاعاً مزمناً، إلى محطة مفصلية تكشف عمق الأزمة البنيوية في مفهوم الدولة نفسها: دولة تتصرف تحت الضغط، تفاوض من موقع الضعف، وتوقّع وهي تعلم أن ما تُثبّته اليوم قد يُقيّد أجيالاً كاملة غداً.
المسألة لم تعد مجرد خلاف حول “نقطة 1” أو “نقطة 23” أو حتى “الخط 29″، بل صارت صراعاً على معنى السيادة ذاته: هل هي قرار حرّ مبني على أقصى الحقوق، أم إدارة خسائر ضمن توازنات دولية مفروضة؟
أولاً: من الخطأ التقني إلى التثبيت السياسي
في عام 2007، ارتكب المفاوض اللبناني خطأً فادحاً حين اعتبر “النقطة 1” نهاية حدوده البحرية الجنوبية، متجاهلاً معايير قانون البحار التي كانت تتيح للبنان التمدد إلى ما هو أبعد. هذا الخطأ لم يكن مجرد زلّة تقنية، بل فتح الباب أمام اتفاق قبرصي–صهيوني عام 2010 استغل هذا الفراغ ليُرسّخ واقعاً جغرافياً على حساب الحقوق اللبنانية.
لاحقاً، ومع تصاعد الوعي التقني والعسكري، برز “الخط 29” كحد أقصى لحقوق لبنان البحرية، مستنداً إلى دراسات قانونية وجيولوجية أكثر دقة. لكن ما حدث في 2022 شكّل نقطة الانعطاف الحاسمة: تم اعتماد “النقطة 23” كحد نهائي في اتفاق الترسيم مع الكيان الصهيوني، تحت ضغط الوساطة الأمريكية والانهيار الاقتصادي الداخلي.
ثم جاءت اتفاقية 2025 مع قبرص لتفعل ما هو أخطر: لم تكتفِ بقبول الأمر الواقع، بل قامت بتدويله وتثبيته نهائياً.
ثانياً: شرعية الدولة أم شرعية الحق؟
هنا يتفجّر التناقض المركزي:
الدولة اللبنانية تعتبر أن اعتماد النقطة 23 هو “قرار سيادي قانوني”، لأنه ناتج عن اتفاق دولي معترف به. لكن في المقابل، يرى خبراء وتقنيون أن هذا القرار نفسه يُشكّل تنازلاً عن حق مثبت وفق قانون البحار.
بمعنى آخر، نحن أمام ازدواجية خطيرة:
قانونية رسمية تستند إلى ما وقّعته الدولة.
قانونية موضوعية تستند إلى ما يتيحه القانون الدولي من حقوق.
هذا التناقض ليس نظرياً، بل يترجم بخسارة فعلية تُقدّر بحوالي 1430 كلم² بين الخط 23 والخط 29. إنها مساحة ليست مجرد أرقام على خريطة، بل قد تختزن ثروات غازية قادرة على تغيير مصير اقتصاد بأكمله.
فأيّ شرعية تُقدَّم هنا؟
شرعية التوقيع… أم شرعية الحق؟
ثالثاً: الترسيم كأداة جيوسياسية لا كحل تقني
من السذاجة النظر إلى اتفاق 2025 كخطوة تقنية بحتة. في الواقع، هو جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل شرق المتوسط كمركز طاقة يخدم مصالح الغرب.
قبرص، المدعومة أوروبياً وأمريكياً، تسعى إلى لعب دور “البوابة” التي تمر عبرها غازات المنطقة نحو أوروبا. ولبنان، المنهك اقتصادياً، وجد نفسه مدفوعاً للانخراط في هذا المسار بشروط ليست بالضرورة في مصلحته.
الشركات الكبرى مثل “توتال” و”إيني” لم تكن تنتظر نقاشات السيادة، بل كانت تحتاج إلى حدود واضحة تضمن استثماراتها. وهكذا، تحوّل الترسيم من أداة لحماية الحقوق إلى أداة لطمأنة الشركات.
المعادلة كانت واضحة:
الاستقرار القانوني للاستثمار مقابل المرونة في السيادة.
رابعاً: تثبيت الإحداثيات… وتجميد المستقبل
أخطر ما في اتفاق 2025 ليس ما أعطاه، بل ما قيّده.
فمن خلال تثبيت “النقطة 23” كنقطة ثلاثية نهائية، أصبح أي تعديل مستقبلي شبه مستحيل دون كلفة سياسية وقانونية باهظة.
صحيح أن الاتفاق تضمّن بنداً يتيح التعديل في حال ظهور معطيات جديدة، لكن هذا البند أقرب إلى “نافذة نظرية” منه إلى أداة فعلية. لأن أي تعديل سيصطدم بشبكة من الاتفاقيات الدولية والمصالح الاقتصادية التي يصعب تفكيكها.
بذلك، لم يعد لبنان فقط قد خسر مساحة محتملة، بل قيّد قدرته على المطالبة بها مستقبلاً.
خامساً: بين البحر والبر… سيادة مُخترقة
ما يزيد المشهد تعقيداً هو التناقض بين النصوص والواقع الميداني.
في الوقت الذي تُوقّع فيه الاتفاقيات لضمان “استقرار بحري”، تستمر الخروقات في الجنوب، كما يظهر من إسقاط الطائرات المسيّرة والتوترات المتكررة.
هذا التناقض يطرح سؤالاً حاداً: كيف يمكن لدولة أن تثبّت حدودها على الورق، بينما حدودها في الواقع عرضة للاختراق؟
السيادة ليست خطوطاً مرسومة، بل قدرة على فرض هذه الخطوط.
وعندما تغيب هذه القدرة، تتحول الاتفاقيات إلى مجرد أدوات لإدارة الضعف، لا لتكريس القوة.
سادساً: الاقتصاد كذريعة… أم كفخ؟
لا يمكن إنكار أن لبنان كان بحاجة ماسّة إلى أي أفق اقتصادي، خاصة في ظل الانهيار المالي. لكن السؤال الجوهري هو:
هل استُخدم ملف الغاز كفرصة إنقاذ، أم كذريعة لتمرير تنازلات؟
الرهان على الثروة الغازية تم تسويقه كطوق نجاة، لكن التجارب العالمية تُظهر أن الموارد الطبيعية قد تتحول إلى نقمة إذا لم تُدار ضمن إطار سيادي قوي.
وفي الحالة اللبنانية، يبدو أن:
القرار السياسي ضعيف،
البنية المؤسساتية هشّة،
والضغوط الخارجية كثيفة.
ما يعني أن الخطر ليس فقط في خسارة المساحة، بل في خسارة القدرة على إدارة ما تبقى.
خاتمة: السيادة لا تُستعاد بالتبرير بل بالمواجهة
إن اتفاق تشرين الثاني 2025 ليس حدثاً معزولاً، بل هو مرآة لمرحلة كاملة من التراجع السياسي، حيث تُقدَّم التنازلات تحت عناوين “الواقعية” و”الضرورة”.
لكن التاريخ لا يُكتب بلغة الضرورة وحدها، بل بإرادة الشعوب وقدرتها على إعادة تصحيح المسار.
المعركة اليوم ليست فقط حول خطوط بحرية، بل حول استعادة مفهوم السيادة من أيدي من اختزلوه بتوقيع، وأفرغوه من مضمونه كحق.
فإما أن يبقى لبنان أسير الإحداثيات التي فُرضت عليه،
وإما أن يتحول هذا الجدل إلى نقطة انطلاق لوعي وطني جديد يعيد طرح السؤال الأساسي:
هل نريد دولة تُدير خسائرها… أم دولة تُدافع عن حقوقها؟
هذا هو الترسيم الحقيقي الذي لم يُنجز بعد.
د.نبيلة عفيف غصن
