لم يكن تصريح رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو مجرد موقف إعلامي عابر، بل جاء كاشفًا لبنية كاملة من الخداع السياسي، ولمنظومة عدوانية تحاول إعادة تعريف الوقائع على الأرض وفق ميزان القوة لا ميزان الحق. حين يدّعي العدو أن المقاومة هي من يقوّض وقف إطلاق النار، فإنه لا يكتفي بقلب الحقائق، بل يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة: معادلة تُجرّم الدفاع المشروع وتُشرعن العدوان المستمر.
هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها الكيان الصهيوني إعادة كتابة الرواية، لكنها لحظة فارقة لأن التزوير هذه المرة يترافق مع محاولة توريط لبنان رسميًا في اتفاق لم يكن له فيه لا رأي ولا قرار. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس فقط في القصف والتدمير، بل في محاولة فرض وقائع سياسية تُستخدم لاحقًا كغطاء دائم للعدوان.

الهدنة كأداة خداع: كيف يُدار العدوان تحت سقف “السلام”
منذ الإعلان عن الهدنة المؤقتة، بدا واضحًا أن العدو لا يتعامل معها كالتزام، بل كتكتيك. أكثر من خمسمائة خرق برّي وبحري وجوي ليست مجرد أرقام، بل دليل على استراتيجية ممنهجة تقوم على استنزاف الأرض والإنسان تحت غطاء “وقف إطلاق النار”.
الهدنة، وفق هذا السلوك، لم تكن سوى غطاء لإعادة التموضع، ونافذة زمنية لفرض وقائع ميدانية جديدة، عبر تدمير البيوت وتجريف الأراضي واستهداف المدنيين. وهنا يظهر التناقض الصارخ: كيف يمكن لاتفاق يفترض أن يوقف النار أن يتحول إلى مظلة لتوسيع العدوان؟
الإجابة تكمن في طبيعة هذا الكيان، الذي لا يرى في الاتفاقات إلا أدوات مرحلية، ولا يعترف بأي التزام إلا بقدر ما يخدم أهدافه الاستراتيجية. ومن هنا، فإن كل حديث عن “خرق المقاومة للهدنة” يصبح محاولة مكشوفة لتبرير ما هو قائم أصلًا: عدوان مستمر لا يتوقف.

حق المقاومة بين القانون والاتهام: من يحدد الشرعية؟
في جوهر الصراع، يبرز سؤال الشرعية: من يملك حق تعريفها؟ هل هو المحتل الذي يخرق كل القوانين الدولية، أم الشعب الذي يدافع عن أرضه؟
إن استهداف مواقع العدو على الأراضي المحتلة، والرد على اعتداءاته، ليس خروجًا عن القانون، بل تطبيق مباشر لحق أصيل تكفله كل المواثيق الدولية: حق الشعوب في مقاومة الاحتلال. لكن المشكلة لا تكمن في النصوص، بل في ازدواجية تطبيقها.
حين يمارس العدو القصف والتدمير، يُقال إنه “يدافع عن نفسه”. وحين ترد المقاومة، يُتهم بأنها “تقوّض الاستقرار”. هذه الازدواجية ليست خطأً، بل سياسة مقصودة تهدف إلى نزع الشرعية عن أي فعل مقاوم، وتحويل الضحية إلى متهم.

السلطة بين العجز والتواطؤ: أزمة الموقف الرسمي
إذا كان العدوان الخارجي متوقعًا من عدو تاريخي، فإن ما يثير القلق هو هشاشة الموقف الداخلي. الصمت الرسمي، أو الاكتفاء بعبارات دبلوماسية فضفاضة، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لمحاولة فرض “اتفاقات” تُمرر دون موافقة فعلية.
إن الحديث عن لقاءات في واشنطن، دون شروط واضحة وصريحة تتعلق بوقف العدوان والانسحاب من الأراضي المحتلة، يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذا المسار. فالدبلوماسية التي لا تستند إلى قوة، تتحول إلى مجرد غطاء للضعف، بل وربما إلى أداة لتكريسه.
الأخطر من ذلك هو المشهد الرمزي: صورة تجمع ممثلي لبنان مع ممثلي كيان يحتل أرضه ويقتل شعبه. في السياسة، الصور ليست تفاصيل، بل رسائل. وهذه الرسالة تحديدًا تعكس خللًا عميقًا في تعريف السيادة نفسها.

“حرية العمل” الصهيونية: محاولة لتكريس الاحتلال كأمر واقع
حين يتحدث نتنياهو عن “حرية العمل” في لبنان، فإنه لا يطرح مجرد مطلب أمني، بل يسعى إلى تثبيت مبدأ خطير: أن يكون للعدو حق دائم في انتهاك السيادة اللبنانية متى شاء.
هذا الطرح، إن مرّ، يعني عمليًا تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للعدوان، وإلغاء أي مفهوم فعلي للسيادة. وهو أيضًا محاولة لتوسيع نطاق الاحتلال من حالة ميدانية إلى حالة قانونية مفروضة.
لكن هذا المشروع يصطدم بحقيقة أساسية: السيادة لا تُمنح من الخارج، بل تُفرض بإرادة الداخل. وأي محاولة لتكريس “حرية عمل” للعدو ستبقى مرفوضة طالما هناك من يرفض تحويل الأرض إلى ساحة مستباحة.

بين الدبلوماسية والمقاومة: من يحمي الأرض؟
التجربة أثبتت أن الدبلوماسية، حين تُفصل عن عناصر القوة، تصبح عاجزة عن حماية الحقوق. لا يكفي أن يُطلب من العدو الالتزام، بل يجب أن يكون هناك ثمن لخرقه.
هنا تبرز معادلة واضحة: المقاومة ليست خيارًا أيديولوجيًا، بل ضرورة فرضها عجز النظام الدولي عن إنصاف الشعوب. وحين تفشل المؤسسات الدولية في وقف العدوان، يصبح الدفاع الذاتي هو الخيار الوحيد المتبقي.
لكن هذا لا يعني إلغاء دور الدولة، بل العكس: المطلوب هو تكامل بين الموقف الرسمي والقوة الشعبية، لا أن يتحول أحدهما إلى عبء على الآخر.

لبنان أمام مفترق حاسم: إما السيادة أو الاستباحة
ما يجري اليوم ليس مجرد جولة تصعيد، بل لحظة اختبار حقيقية لمفهوم السيادة في لبنان. هل يبقى البلد قادرًا على فرض حدوده وقراره، أم يتحول إلى مساحة تُدار من الخارج؟
الإجابة لا تُكتب في البيانات وحدها، بل في المواقف الفعلية. في وضوح الخطاب، في صلابة القرار، وفي القدرة على رفض الإملاءات مهما كان مصدرها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو التكيف مع العدوان، أو اعتباره أمرًا واقعًا. لأن ما يُقبل اليوم كاستثناء، يتحول غدًا إلى قاعدة.

خاتمة: حين تتكلم الأرض
في النهاية، تبقى الحقيقة أبسط من كل التعقيدات السياسية: هناك أرض محتلة، وعدو يعتدي، وشعب يرفض الخضوع. كل ما عدا ذلك تفاصيل.
قد تنجح القوة في فرض روايتها مؤقتًا، وقد تنجح الدبلوماسية في تأجيل الانفجار، لكن ما لا يمكن تغييره هو معادلة التاريخ: الاحتلال لا يصبح شرعيًا مهما طال، والمقاومة لا تفقد مشروعيتها مهما اشتدت الضغوط.
لبنان اليوم أمام لحظة وضوح نادرة: إما أن يُعاد تثبيت حقه الكامل في السيادة، أو أن يُفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستباحة المقنّعة.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الحقيقي: هل يُكتب مستقبل البلاد في غرف التفاوض، أم على حدودها حيث تُرسم موازين القوة؟

د.نبيلة عفيف غصن