لم تكن أمـال خليل اسماً عابراً في نشرةٍ عابرة، ولا صوتاً يمرّ ثم يذوب في ضجيج هذا الزمن المتعب. كانت، كما يبدو الآن بعد الغياب، شيئاً أعمق من سيرةٍ صحافية، وأثقل من مجرد خبر. كانت واقفة هناك… حيث لا يقف إلا من اختار أن يرى الحقيقة عارية، بلا وسطاء، بلا تبرير، بلا خوف.

سبع ساعاتٍ تحت الردم…
سبع ساعاتٍ والعمر يُسحب من بين الحجارة كما تُسحب الكلمات من حنجرةٍ تختنق.
سبع ساعاتٍ لم تكن زمناً عادياً، بل كانت امتحاناً فاضحاً لكل شيء: للسلطة، للضمير، للإنسان، ولتلك المسافة القاتلة بين من يموتون ومن يكتفون بالمشاهدة.

أيها الغياب الثقيل…
كيف لامرأةٍ كان سلاحها صوتاً، وميدانها الكلمة، أن تُترك وحيدةً إلى هذا الحد؟
كيف لصوتٍ كان ينقل الوجع أن يُترك ليصير وجعاً بلا من ينقله؟

لم أكن أعرفكِ…
لم أتابعكِ يوماً، ولم أحفظ اسمكِ بين الأسماء التي تمرّ سريعاً في نشرات الأخبار.
لكن هذا لا يُنقص شيئاً من الفاجعة.
يكفي أنكِ كنتِ هناك… على تراب الجنوب، على التخوم التي لا تعرف الحياد، حيث الحقيقة تُكتب بالتراب والدم معاً.

كنتِ مزروعةً كما اسمكِ… أمـال.
وكأن القدر أراد أن يكون الاسم نقيض المصير، أو ربما خلاصته.
فالأمل ليس دائماً نجاة، أحياناً يكون موقفاً…
وأحياناً يكون اختياراً بالبقاء، حين يهرب الآخرون.

رفيقة الزهر الوحيدة…
وشقائق النعمان التي لا تزهر إلا حيث سقط الدم يوماً.
كأنكِ كنتِ تعرفين الطريق، أو كأن الطريق هو الذي اختاركِ، لتكوني شاهدةً لا تُشترى، ولا تُروَّض، ولا تُعاد صياغتها بما يناسب الروايات الجاهزة.

مذياعكِ لم يكن أداةً…
كان قلباً مفتوحاً على الهواء،
وكان الكلمات حين تُقال بلا خوف تصبح أكثر من صوت… تصبح موقفاً.

يقولون إن من يختبئون لا يُرون…
“ما بعرفن ما شايفن…
خبّوا وجوهن بالقهر…”
لكنكِ لم تختبئي.
كنتِ في العلن، في الضوء، في الخطر ذاته.
ولذلك… رأوكِ.
ولذلك… صرتِ هدفاً.

يا أمـال…
الذين يرحلون هكذا لا يُختصرون برثاء، ولا يُغلق عليهم بنص.
هم يتركون سؤالاً مفتوحاً في وجه هذا العالم:
من يحمي من يحمل الكلمة؟
ومن يحاسب حين تُترك الأرواح بين الركام؟

ليس الرثاء هنا لتأبينكِ فقط…
بل لفضح هذا العجز الذي يتكرر، وهذا الصمت الذي يقتل ببطء، وهذا الاعتياد المخيف على أن تتحول المأساة إلى رقم.

سلامٌ لكِ…
لا كتحية وداع، بل كاعترافٍ متأخر بأنكِ كنتِ في المكان الصحيح، في الزمن الخطأ، في وطنٍ لا يزال يتعلم كيف يحمي أبناءه.

سلامٌ لكِ…
يا من خبأتِ الكلمات في صدركِ، ومضيتِ بها إلى أقصى الحقيقة.

د.نبيلة عفيف غصن