من مادية السياسة إلى ميتافيزيقا الدين

مرزوق الحلبي

يندرج الأمر ضمن لجوء دول وأنظمة إلى التمثيلات الدينية كآلية لكسب شرعية أو للتجييش والتعبئة أو لتبرير حرب أو إجراء سلطوي أو قرار أو سياسات..

ضجّت الشبكات بالتندّر على وزير الحرب الأميركي الذي اقتبس أمام الجمهور نصًّا من فيلم نسبه إلى النبي حزقيا. وضجّت المحافل الدينية حينما ظهرت صورة مدبلجة للرئيس الأميركي ترامب على شاكلة السيد المسيح. ورأينا من قبل حلقة من المشعوذين الدينيين متحلّقين حول ترامب في صلاة لاستجلاب النصر. ورأينا المسؤولة عن التعبئة الإيمانية في إدارة ترامب وهي تتوسّل الملائكة أن يتركوا مواقعهم في أنحاء العالم ويأتوا لمؤازرة أميركا في حربها العدوانية على إيران، ورأينا التوتر بين إدارة الرئيس الأميركي وبين حاضرة الفاتيكان والبابا الذي دعا إلى وقف الحرب ورفض مباركة الجنود الأميركيين الذاهبين إليهنا وهو التوتر الذي انتقل إلى المحافل السياسية الإيطالية كلها، لا سيما الكنيسة الكاثوليكية التي رأت في استغلال الإدارة الأميركية للدين حدثًا مستنكرًا ومستهجنًا. وهذه مسألة تذكّرنا بما يفعله المسؤولون الإسرائيليون عبر عقود من استغاثة بالنص الديني لتبرير جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني. بمعنى أن هناك التقاءً وتطابقًا بين ما يفعله الطرف الأميركي والطرف الإسرائيلي في محور الحرب ـ وهو محور حرب قائم منذ عقود.

يندرج الأمر ضمن لجوء دول وأنظمة إلى التمثيلات الدينية كآلية لكسب شرعية أو للتجييش والتعبئة أو لتبرير حرب أو إجراء سلطوي أو قرار أو سياسات. ومع هذا، فهناك باعتقادنا اختلاف في حالتنا عن الحالات الأخرى؛ فاستناد الخطاب السياسي كله إلى المقدس يأتي لعدة أسباب، أهمها الآتي:

ـ المحور الأميركي – الإسرائيلي؛ يُريده ـ خطاب المقدس ـ بديلًا لأحكام الشرعية الدولية والقانون الدولي فيما يتعلق بشرعية حرب أو مصداقيتها، فالمحور يُدرك أنه يشن حربًا خلافًا لكل المواثيق والأعراف، وأن معظم دول العالم، بما فيها حلف شمال الأطلسي، يناهضها ويقول ببطلان شرعيتها، وهذا بالذات ما يدفع “المحور” إلى الانقلاب على الشرعية الدولية بنص يقبلها وهو الدين. التوراة تحديدًا بوصفها “عهدًا قديمًا” و”عهدًا جديدًا” يدمج بينهما المسيانيون من أتباع اليهودية وأتباع المسيحية. ولهؤلاء، كما رأينا، تأثيرهم على صنع القرار في هذا المحور، في تل أبيب وفي واشنطن. إنها عملية التفاف على الشرعية الدولية التي أعلى شأنها هذا المحور عندما خدمت أهدافه بعد الحرب العالمية الثانية، ويسعى إلى هدمها الآن بالحرب وباستقدام أسانيد دينية لها تعدمها “الشرعية الدولية”!

ـ إن لجوء إسرائيل إلى الإبادة ضد الشعب الفلسطيني بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتطهير العرقي وارتكاب سلسلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، قوّض شرعية إسرائيل كدولة قامت بموجب قرار التقسيم ـ الشرعية الدولية ـ وأظهرها بمظهر النظام النازي المسؤول عن المحرقة بحق أوروبا والشعب اليهودي نفسه. وهو الأمر المحدد الذي جاءت الشرعية الدولية لمنع تكراره. من هنا، فإن لجوء “المحور” إلى النص المقدس هو محاولة أخيرة لإضفاء شرعية لإسرائيل تجاه نفسها وتجاه الآخرين، بالقول إن كل ما تفعله منصوص عليه في التوراة المقدسة والمدونة الدينية. ويُراهن المحور على كسب شرعية ما أو تحييد أحكام الشرعية الدولية لدى جمهور المؤمنين اليهود والمسيحيين والمسلمين، كون الأساطير والرؤى متشابهة في التوراة وفي الإنجيل وفي القرآن بخصوص شعب إسرائيل وأرض إسرائيل ونهاية العالم.

ـ القول بـ”سلام إبراهيمي” يأتي من المنطق ذاته، من الفرضية أن دلالات “إبراهيم” كأب الديانات التوحيدية ستجعل من أبنائها وحدة واحدة متفقة لا متحاربة، وأنه ـ هذا الأب ـ يُريد لأبنائه أن يعيشوا بسلام يُفصّله “المحور” و”تلبسه” الشعوب. ترسم طبيعته القوى المتنفذة وتستهلكه المجتمعات المستضعفة. أما المعارضون فإلى جهنم وبئس المصير، كما حصل في غزة التي حوّلها “المحور” إلى جهنم حقيقية! هنا، يُستخدم النص الديني لاستبدال السياسة المعروفة القائمة على مفاهيم حقوق الشعوب وأولها حق تقرير المصير. بل أكثر من ذلك، إذ يتم طرح النص الديني كأرض بديلة للجغرافيا السياسية والأوطان والانتماءات الأخرى. وهذا وعي ميتافيزي مفارق للواقع يعيش فيه الإنسان مطمئنًا لمشيئة الخالق وتعاليمه ورؤى مرسليه، فيتسنى للحكام الأوغاد أن يقودوا العالم إلى حيث مصالحهم!

ـ لا يكتفي “المحور” بما أوردناه، بل يقصد باستحضار النص الديني أن يُحقق هدفين إضافيين، الأوّل؛ إضفاء شرعية ميتافيزيقية على مشروع الهيمنة المتصل بفلسطين وأرض إسرائيل الكبرى، وهو المشروع قيد التنفيذ بتغطية من الجانب الأميركي للمحور. ولا تزال في آذاننا تصريحات السفير الأميركي في تل أبيب التي يستند فيها إلى النص التوراتي ـ الإنجيلي ليمنح إسرائيل حق الاستحواذ على كامل فلسطين وأرض الشام من النيل إلى الفرات. هنا، يصير الدين مشروع هيمنة وتوسع لا يمكنهما أن يتمّا بدون حروب لا نهائية. والثاني؛ يسعى “المحور” في العمق إلى الالتقاء بنصوص دينية إسلامية تشرعن هذه التوجهات وتوفر لها غطاء دينيًا من المدونة الإسلامية، وهو ما رأينا بعض أبواق إسرائيل في الحيز العربي يفعلونه مستعملين منصات التواصل الاجتماعي للدعوة إليه.

ـ أخطر ما في الأمر لدى الاستناد إلى النصوص الدينية في الحالة التي نحن بصددها هو أن النص الديني في مثل هذه الحالات يخدم الحروب المطلقة التي لا تترك مجالًا لأي ترتيبات أخرى. تأتي لتبرير حروب وحشية إباديّة كالتي نشهدها في غزة، أو كالتي شنها المحور على إيران. تأتي النصوص الدينية هنا لتشرعن التوحش وغياب أي منطق للحرب ووقائعها، كأن هناك “غيبًا” يبرر أو يُتيح للمعتدي أفعاله كلها، بما فيها الأفظع.

ـ أخيرًا، يمكننا تفسير هذا اللجوء العصابي إلى النص الديني على أنه محاولة لتبرير العنصرية التي يتعامل بها “المحور” مع الشعوب، بما فيها الأوروبية التي لا تتفق مع هذا التوجه العدواني لهذا “المحور”؛ فمسؤولوه يحاولون وضع أنفسهم فوق منزلة البشر العاديين بالانتساب إلى أنبياء ورسل ورموز مقدسة حد التطابق ـ ترامب ينتحل تمثيل السيد المسيح! ـ وفي علاقة مباشرة مع الله بالظهور بمظهر تنفيذ مشيئته على الأرض!

يمكننا أن نقول إنها أساليب وألاعيب لا تنطلي على الناس، لكن رأينا أن هناك من الناس في كل أنحاء العالم من يُصدّقون، فيتّبعون المحور أو يتردّدون، فيصمتون عن شره وحروبه.