من الانكسار السياسي إلى المعركة حتى النهاية: حين تقرر الجبهات القتال بلا سقوف
د. نبيلة عفيف غصن
لم تكن السنوات الأخيرة سهلة على قوى المقاومة في المنطقة، وخصوصاً في لبنان وإيران. فالمسار الذي خاضته هذه القوى لم يكن عسكرياً خالصاً بقدر ما كان مساراً مثقلاً بالاعتبارات السياسية، والحسابات الإقليمية، والقيود التي فرضتها موازين القوى الدولية. هذه الاعتبارات، التي قُدِّمت في كثير من الأحيان على أنها «حكمة استراتيجية» أو «صبر تكتيكي»، تحولت في نظر كثيرين إلى سلسلة من الانكسارات المؤلمة التي بدّدت فرصاً، وأضاعت لحظات تاريخية كان يمكن أن تغيّر موازين الصراع.
لقد عاشت قوى المقاومة، خلال العقد الأخير، مرحلة طويلة من ضبط النفس السياسي. قرارات كبرى كانت تُتخذ في العواصم، لا في الميدان. كانت الجبهات تُجمَّد حين تشتعل، وتُخفَّف الضربات حين تتصاعد، ويُعاد رسم خطوط الاشتباك وفق حسابات تفاوضية أو دبلوماسية. وفي كل مرة كان المقاتل على الأرض يلتزم بالسقف الذي تفرضه السياسة، حتى عندما كان هذا السقف يحدّ من قدرته على تحويل الإنجازات العسكرية إلى تحولات استراتيجية.
لكن ما تكشف اليوم هو أن هذه المرحلة قد تكون وصلت إلى نهايتها.
فالضربات المتراكمة، والاعتداءات المتواصلة، والاستهداف المباشر للبنى العسكرية والقيادية، دفعت قوى المقاومة إلى إعادة النظر في المعادلة التي حكمت سلوكها طوال السنوات الماضية. فحين تتحول السياسة إلى قيد دائم على الفعل العسكري، وحين تصبح التسويات المؤجلة ذريعة لتعطيل الردع، فإن النتيجة الطبيعية تكون انفجار الميدان خارج تلك القيود.
المشهد الحالي يوحي بأن الجبهات بدأت تتحرك وفق منطق مختلف: منطق المعركة المفتوحة حتى النهاية.
لم يعد السؤال المطروح في غرف العمليات: ماذا تسمح به السياسة؟ بل أصبح السؤال: ماذا يتطلبه ميزان المعركة؟ هذه النقلة ليست تفصيلاً تكتيكياً، بل تحوّل في فلسفة القتال نفسها. فحين تنفصل القرارات الميدانية عن حسابات المساومة السياسية، يصبح الصراع أكثر حدّة وأكثر خطورة، لكنه في الوقت نفسه أكثر وضوحاً.
إن المعركة التي تُخاض اليوم ليست مجرد جولة إضافية في صراع طويل، بل محاولة لإعادة فرض معادلة ردع جديدة بعد سنوات من التآكل التدريجي في قواعد الاشتباك. فالقوى التي شعرت بأنها خسرت الكثير بسبب الحسابات السياسية، قد ترى أن الطريق الوحيد لاستعادة التوازن يمر عبر المواجهة القصوى، حتى لو كان ثمنها مرتفعاً.
غير أن هذا التحول يفتح أيضاً على أسئلة مصيرية.
فالمعركة التي تُدار خارج القيود السياسية قد تتحول سريعاً إلى حرب شاملة تتجاوز حدود الجبهات التقليدية. كما أن تجاهل الاعتبارات السياسية بالكامل قد يقود إلى نتائج لا تقل خطورة عن تلك التي سببتها القيود السابقة. فالحرب، مهما بلغت شدتها، تبقى في النهاية امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، ولا يمكن لأي صراع طويل أن يُحسم بالسلاح وحده.
ومع ذلك، فإن اللحظة الراهنة تبدو لحظة كسر للمعادلات القديمة. فالقوى التي قبلت طويلاً بالقتال ضمن حدود مرسومة سلفاً، قد تكون قررت الآن أن تلك الحدود لم تعد موجودة.
وهنا يكمن جوهر التحول:
من مقاومة مقيدة بالسياسة، إلى مقاومة تقاتل وكأن المعركة هي الأخيرة.
إنها لحظة تختلط فيها الرغبة في استعادة الردع مع شعور عميق بأن التراجع لم يعد خياراً. لحظة يرى فيها المقاتلون أن خسارة المعركة أخطر من خوضها حتى النهاية.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تعود الحروب مجرد صراع على الأرض أو النفوذ، بل تتحول إلى صراع على الإرادة نفسها: إرادة الاستمرار، أو إرادة الانكسار.
