أمٌّ تكبر بين الحروب

بقلم:صمود غزال_لبنان

حين بدأت الحرب الإسرائيلية على لبنان، لم يكن صوت الطائرات وحده ما عاد إلى حياتي. كانت ذاكرة كاملة تنهض من مكان بعيد في داخلي. فجأة عاد وميض المُسيّرات، ومشاهد النزوح، وأصوات الأخبار المُتلاحقة التي تعلن بداية زمن آخر من الخوف.
بالنسبة لي، بدأت الحرب بإغلاق المدارس. توقّفت الحياة المدرسية فجأة، وطُلب من الأهالي التوجّه إلى الصفوف لتسلّم أغراض أبنائهم. بدا المشهد مألوفاً على نحوٍ مؤلم، كأنّه نسخة أخرى من حروب مررنا بها سابقاً. كأنّ الزمن في هذا البلد لا يسير إلى الأمام، بل يدور في دائرة بطيئة وقاسية.
أنا أمٌّ لثلاثة أطفال الآن. لكنّني كنت، ذات يوم، طفلة أيضاً. طفلة شهدت الخوف في حروبٍ سابقة، في عام 1996 ثم في 2006، حين كنت أراقب وجه أمي وهي تحاول أن تبدو قوية أمامنا. يومها لم أفهم تماماً معنى أن تعيش في بلدٍ يفتح عينيه كلّ بضع سنوات على حربٍ جديدة. كنت فقط أرى الخوف يمرّ في عيني أمي كظلّ سريع، وأفهم أنّ شيئاً خطيراً يحدث.
اليوم، وأنا أقف في مدرسة أطفالي لأجمع دفاترهم وحقائبهم، أدركت فجأة أنّ المشهد نفسه يتكرّر. الطاولات مُغطاة بالكتب، والصفوف صامتة كأنّها مهجورة منذ زمن. حملت دفاتر أطفالي، لكنني لم أستطع أن أحمل ذلك الحزن الذي بقي على الطاولات.
بكيت.
لم يكن بكائي فقط لأن المدارس أُغلقت، بل لأنّ هذا المشهد بدا مألوفاً أكثر ممّا يجب. كأنّ الطفولة نفسها تُقاطع مراراً بالحرب.
يقول عالم النفس سيغموند فرويد إنّ الذكريات لا تختفي، بل تبقى في اللاوعي، وتعود إلى السطح عندما تجد ما يوقظها. ربما لهذا شعرت أنّ الحروب كلّها عادت دفعة واحدة. طفولتي القديمة نهضت فجأة، كأنها لم تغادرني يوماً.

في الحروب لا يُقتل الجسد فقط. تُصاب الروح أيضاً بندوبٍ لا تُرى

لكن هذه الحرب تبدو مختلفة.
ليست لأنها أقرب زمنياً، بل لأنها جاءت بعد هدنة حرب 2024 وأيضاً بعد كلّ ما شاهدناه في غزّة. بعد صور الخيام المُحترقة، والمجاعة التي بدت كأنّها تسير في وجوه الأطفال، والموت الذي صار خبراً يومياً. لم تكن غزّة مجرّد حرب بعيدة نشاهدها على الشاشات، بل كانت شيئاً انكسر في داخلنا جميعاً. كأنّها استنزفت قدرتنا على الاحتمال، وكسرت ما تبقى من طمأنينةٍ هشّة.
لهذا تبدو هذه الحرب أثقل.
ما أبكاني أكثر من مشهد الصفوف الفارغة هو أنّ طفلي، المُشخّص باضطراب التوحّد، سيكمل تعليمه عبر منصة “تيمز”. قد تبدو الفكرة بسيطة لغيرنا، لكنّها عنده عالم كامل ينهار. جلسات التدريب والدمج أُلغيت، والروتين الذي يحتاج إليه ليشعر بالأمان اختفى فجأة.

 بلد يفتح عينيه كلّ بضع سنوات على حربٍ جديدة

كيف يمكن أن أشرح له أنّ الحرب تستطيع أن توقف كلّ شيء؟
كيف أشرح لحواسه الحسّاسة أنّ عليه البقاء في المنزل، بينما أصوات القصف تملأ السماء؟ كيف أشرح له أننا سنفتح النوافذ عند كلّ إنذار كي لا يتحطّم الزجاج؟
وكيف أشرح أنّ علينا أحياناً أن نختبئ في غرفةٍ ضيقة، تشبه قبراً صغيراً، فقط لأنّ الموت قد يمرّ في الخارج؟
في الحروب لا يُقتل الجسد فقط. تُصاب الروح أيضاً بندوبٍ لا تُرى.
أتذكر دائماً قول محمود درويش عن الحروب: “رأيتُ مَنْ دفعَ الثَمَنْ”. والثمن ندفعه نحن الأمهات والأطفال، والمرضى، وكلّ من يحتاج فقط إلى حياة عادية.
أفكّر كثيراً في تلك المقارنة الغريبة بين الأمس واليوم. كنت طفلة أرى الخوف في عيون أمي، والآن أنا أمّ أرى الخوف نفسه في عيون أطفالي. كأنّ الحروب تنتقل بين الأجيال مثل ميراثٍ ثقيل، لا نملك خيار رفضه

.
امتلأت الذاكرة وجعاً، حتى لم يعد فيها مكان لحرب أخر

ومع ذلك نحاول أن نقنع أنفسنا أنّنا بخير. نقول إنّنا ما زلنا أحياء، وإنّ هذا أفضل من الذين فقدوا أحباءهم أو تهجّروا من بيوتهم.
لكنني لا أعرف حقّاً ماذا سيحدث بعد ذلك.
أحياناً أفكّر: إذا عشت، فهل سأكتب يوماً عن تهجيري أيضاً؟
لا أعلم.
كل ما أعرفه أنّ الذاكرة امتلأت وجعاً، حتى لم يعد فيها مكان لحرب أخرى.