الحرب القادمة… بأصابع الأسد وبالوكالة
لم تكن الأحداث التي شهدتها سوريا والمنطقة في السنوات الأخيرة مجرد صراع عابر، ولا نتيجة لحظة غضب أو ثورة عفوية كما صُوِّر للرأي العام. ما جرى، وما يجري، هو جزء من مشهد أكبر، رُسمت ملامحه مسبقًا، وتداخلت فيه المصالح الدولية، والحسابات الإقليمية، وأوهام الانتصار السريع.
ما زال الأسد، رغم كل ما قيل ويقال، يتحكّم بمفاصل قوى عديدة على الأرض، بشكل مباشر أحيانًا، وغير مباشر في معظم الأحيان. كثيرون اعتقدوا أن الصفحة طُويت، وأن النظام سقط أو انتهى فعليًا، لكن الواقع يقول إن ما سقط هو الشكل، لا الجوهر، وإن ما تغيّر هو الواجهة، لا مركز القرار.
ولو سُئل نتنياهو – بعيدًا عن خطابه الإعلامي – لكان جوابه مختلفًا عمّا يُقال على الشاشات. فهو يدرك أن الأسد لم يُهزم كما أُريد له أن يظهر، بل إن حالة القلق لديه تضاعفت بعد ما سُمّي بـ“سقوط سوريا”. لأن الفوضى، حين لا تكون مضمونة المسار، تتحول من أداة إلى خطر، ومن فرصة إلى تهديد.
المشهد الحالي لم يُولد من فراغ، ولم يكن وليد سنوات قليلة. أوروبا، ومعها قوى غربية أخرى، تخطّط لهذه المنطقة منذ زمن طويل، وتتعامل معها كمساحة تجارب جيوسياسية، لا كأوطان وشعوب. خرائط النفوذ، وخطوط الغاز، وأمن الكيان، وتوازنات الشرق الأوسط الجديد، كلها كانت حاضرة على الطاولة.
لكن الخطأ القاتل كان الافتراض أن الأسد كغيره من الحكّام العرب: يسمع، يساير، ثم يُقصى عند انتهاء الدور. هذا لم يكن دقيقًا. فالأسد، منذ البدايات الأولى للأزمة، لم يكن يتعامل معها بوصفها نهاية، بل بوصفها مرحلة انتقالية قاسية، تسبق إعادة التموضع.
لقد خطّط لمرحلة ما بعد وهم سقوط سوريا.
خطّط لليوم الذي تُستنزف فيه القوى المعادية، وتُسحب جيوشها إلى ساحة رسمها لهم بعناية، بالتنسيق مع حلف خفي، وبإيهام جماعي بأن الشرق الأوسط بات على أعتاب إعادة تشكيل نهائية.
في تلك الأثناء، كانت ماكينة الإعلام تعمل بلا توقف.
فُبركت الروايات، وضُخّمت الأحداث، وصُنعت صور البغض والكراهية، ونُسبت المجازر والإجرام، ليس فقط لإدانة النظام، بل لضرب أي تعاطف شعبي محتمل، ولتثبيت صورة ذهنية واحدة في وعي الجماهير: هذا نظام ساقط أخلاقيًا ولا مستقبل له.
لكن السياسة لا تُدار بالأخلاق وحدها، ولا بالصورة الإعلامية.
القادة، لا الشعوب، هم من يعرفون التفاصيل الفعلية. وهم يعلمون أن الأسد لم يخرج من اللعبة، بل غيّر قواعدها. يعلمون أن كثيرًا من الملفات ما زالت تُدار من خلاله، أو تمرّ عبره، أو تتقاطع مع حساباته، من دون ظهور علني، ومن دون خطاب استفزازي.
تم تسويق صورة أخرى للرأي العام: رئيس سابق منشغل بالتجارة، أو بلعبة البلايستيشن، أو بحياة بعيدة عن السياسة. صورة مريحة، تُطمئن الخصوم، وتُخدّر المتابعين. لكنها، في أحسن الأحوال، ليست سوى واجهة.
هذه هي الصورة التي يُراد لها أن تبقى في الأذهان.
أما ما يجري خلف الستار، وما يُحضَّر للمنطقة، وما يُعاد ترتيبه بهدوء، فهو شأن آخر.
في السياسة، لا شيء ينتهي فجأة، ولا أحد يسقط نهائيًا ما دام يمتلك أوراقًا، وحلفاء، وقدرة على الانتظار. والحرب القادمة، إن وقعت، قد لا تُخاض بوجه مكشوف، بل بأصابع تتحرّك بالوكالة، وبصراعات تُدار عن بُعد، وبأثمان تدفعها شعوب اعتادت أن تكون خارج الحسابات.
أما القضايا الكبرى،
فليست للضجيج الإعلامي،
ولا للتحليلات السطحية،
بل تُترك – كما كانت دائمًا –
لرجالها.

أسد نصر_الساحل السوري/سورية الكبرى