لماذا تنشر الصين هذه الخريطة في مدارسها؟

قراءة جيوسياسية ، اقتصادية ، عسكرية

اسامة عبدالرحمن جميل

ليست هذه خريطة مدرسية عادية، ولا محاولة بريئة لتغيير إسقاط جغرافي. ما تنشره الصين في مدارسها هو خريطة وعي قبل أن تكون خريطة أرض. أداة لإعادة ترتيب الطريقة التي يرى بها الجيل الصيني العالم، ومن يقف في مركزه، ومن يعيش على أطرافه.

الخريطة لا تبدأ من الأطلسي كما اعتاد العالم منذ قرون، ولا تمنح أوروبا ولا الولايات المتحدة مركز الثقل البصري. المركز هنا آسيوي بامتياز، والصين تقع في القلب الطبيعي للمشهد، بينما تُزاح أوروبا غربًا، وتُدفع الأمريكتان إلى الحواف، وكأنهما امتداد جغرافي بعيد لا محور كوني.

هذه النقلة البصرية ليست تفصيلاً. من يحدد مركز الخريطة، يحدد مركز السياسة والتاريخ والاقتصاد. الصين تقول لأطفالها منذ الصفوف الأولى: العالم لا يدور حول الغرب، ولم يكن كذلك إلا لفترة عابرة.

اقتصاديًا، الخريطة تعكس فلسفة واضحة: آسيا مركز الإنتاج، إفريقيا عمق الموارد، أوروبا سوق استهلاكي، والمحيطات ليست عوائق بل مسارات. هذا يتطابق حرفيًا مع منطق “الحزام والطريق”، ليس كمشروع بنية تحتية فقط، بل كإعادة إحياء ذهني لطريق الحرير القديم، حيث تتحرك التجارة من الشرق إلى الغرب، لا العكس.

الطالب الصيني الذي يكبر على هذا التصور لن يرى الاستثمار في إفريقيا أو الشرق الأوسط كمغامرة خارجية، بل كامتداد طبيعي لمجاله الاقتصادي الحيوي. ولن يرى أوروبا كقائد للنظام العالمي، بل كأحد أطرافه.

عسكريًا، الخريطة أخطر مما تبدو. هي لا تُظهر العالم ككتل منفصلة تحيط بها بحار فاصلة، بل كمساحة دائرية متصلة، تتوسطها أوراسيا. المحيط الهادئ هنا ليس “حاجزًا أمريكيًا”، بل فضاء مفتوح للحركة. والمحيط المتجمد الشمالي يظهر كعنصر محوري جديد، لا كفراغ جليدي منسي.

وهنا تحديدًا يمكن فهم لماذا يهتم دونالد ترامب بجرينلاند.

في هذا النوع من الإسقاطات، لا تعود جرينلاند جزيرة هامشية، بل تتحول إلى مفتاح استراتيجي:

عقدة بين أمريكا الشمالية وأوراسيا

بوابة على طرق الشحن القطبية الجديدة

منصة مراقبة وتحكم في الفضاء القطبي الذي سيصبح مسرح صراع اقتصادي وعسكري خلال العقود القادمة

الصين ترى القطب الشمالي كطريق مختصر بين آسيا وأوروبا، وأمريكا ترى أن فقدان السيطرة عليه يعني خسارة أحد آخر عناصر التفوق الجغرافي. اهتمام ترامب بجرينلاند لم يكن نزوة، بل إدراكًا فجًا لحقيقة أن الخريطة العالمية يعاد رسمها من الأعلى… من الجليد، لا من الصحارى.

حضاريًا، الخريطة تسحب البساط من سردية “القرن الأمريكي” ومن فكرة أن صعود الصين استثناء تاريخي. الرسالة العميقة هي: الصين لا تصعد، بل تعود. وآسيا ليست هامشًا جديدًا، بل الأصل الذي انزاح مؤقتًا ثم عاد إلى مكانه.

الأخطر أن هذا الخطاب لا يُقدَّم في مراكز أبحاث أو خطابات رسمية، بل في المدارس. الصين تفهم أن الصراع الحقيقي ليس في حاملات الطائرات وحدها، بل في العقول التي ستقرر لاحقًا متى ولماذا تُستخدم تلك الحاملات.

من ينشأ على هذه الخريطة لن يرى الهيمنة الغربية كقدر طبيعي، ولن يشعر بالدونية الحضارية، ولن يتردد في إعادة توزيع القوة عندما تتاح الفرصة.

الخلاصة:
هذه الخريطة ليست مجرد ورقة معلقة على جدار فصل دراسي. إنها إعلان صامت عن عالم يُعاد ترتيبه، وعن نهاية مركزية الأطلسي، وبداية زمن أوراسي جديد… بينما لا يزال كثيرون في الغرب يظنون أن المسألة مجرد “اختلاف في طريقة الرسم”.