لحظة السويس البريطانية… وتلك التي تنتظر أمريكا
ميشيل شحادة
نادرا ما يعلن التاريخ عن نفسه لحظة انعطافه. فالإمبراطوريات لا تنهار في لحظة درامية واحدة؛ بل تتآكل بهدوء، وغالبا من دون أن يلاحظ ذلك، إلى أن يأتي حدث واحد يكشف ما كان قائما منذ زمن. بالنسبة لبريطانيا، جاءت تلك اللحظة في تشرين الثاني 1956. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد تكون أقرب مما يرغب كثيرون في الاعتراف به.
ad
في عام 1956، كانت بريطانيا لا تزال تعد على نطاق واسع قوة عالمية. كان علمها مرفوعا في قارات عدة، وأسطولها يجوب البحار، وطبقتها السياسية تتصرف كما لو أن عصر الإمبراطورية قد توقف مؤقتا لا أنه انتهى. غير أن هذا الوهم انهار خلال أحد عشر يوما فقط في أزمة السويس. لا لأن بريطانيا خسرت حربا، فهي لم تخسرها، بل لأنها اكتشفت، فجأة وبقسوة، أنها لم تعد تسيطر على الأسس المالية لقوتها.
ad
كانت الشرارة قرار مصر تأميم قناة السويس. فأطلقت بريطانيا، بمشاركة فرنسا و”إسرائيل،” تدخلا عسكريا لاستعادة ما اعتبرته أصلا استراتيجيا ورمزيا. وعلى أرض المعركة، أدت القوات البريطانية أداء جيدا. لكن النجاح العسكري تبيّن أنه بلا قيمة. فالولايات المتحدة، التي أصبحت القوة المالية المهيمنة، عارضت الغزو. وهددت واشنطن ببيع ما تملكه من الجنيهات الإسترلينية، ومنع بريطانيا من الحصول على قروض طارئة من صندوق النقد الدولي، وترك العملة تنهار. نزفت الاحتياطيات الأجنبية البريطانية بسرعة. وفي غضون أيام، واجهت الحكومة كارثة اقتصادية. فأمر رئيس الوزراء أنتوني إيدن بانسحاب فوري.
كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها: لم تعد بريطانيا قادرة على التصرف باستقلالية عن دائنيها. لم تهزم الإمبراطورية على يد جيش معاد، بل على يد الدَّين والتبعية.
ومع ذلك، لم تكن السويس سبب تراجع بريطانيا، بل كانت كاشفة له.
فطوال عقود سبقت عام 1956، كانت بريطانيا تعيش على مجدٍ مُستدان. ففي القرن التاسع عشر، كانت قد استحقت فعلا هيمنتها العالمية. كان الجنيه الإسترليني عملة الاحتياط في العالم. وكانت التجارة الدولية، واحتياطيات البنوك المركزية، والعقود العالمية، كانت قيمتها تُحتسب وفق الجنيه الإسترليني. ومنح ذلك بريطانيا امتيازات استثنائية: اقتراضا رخيصا، وعجوزات تجارية مزمنة، وقدرة على تمويل الحروب والإمبراطورية من دون عواقب فورية.
لكن بحلول أواخر القرن التاسع عشر، تغير الواقع العميق. فقد تجاوزت الولايات المتحدة بريطانيا اقتصاديا. تفوقت الصناعة الأمريكية على نظيرتها البريطانية، وتسارع الابتكار الأمريكي، ونما الثراء الأمريكي بوتيرة أسرع. ومع ذلك، ظل الجنيه مهيمنا، لا لأن بريطانيا بقيت الأقوى، بل لأن النظام العالمي اعتاد عليه. يسمي الاقتصاديون هذه الظاهرة بـ “القصور الذاتي”. فالأنظمة المالية تتغير ببطء، حتى عندما تتآكل مبرراتها.
جاءت الحرب العالمية الأولى لتقوض الموقع المالي لبريطانيا. فلتغطية تكاليف الحرب، اقترضت بريطانيا على نطاق هائل، فتحولت من أكبر دائن في العالم إلى واحد من أكبر المدينين فيه، ولا سيما للولايات المتحدة. كان ينبغي لذلك أن يفرض وقفة حاسمة ومراجعة جذرية. لكن بريطانيا اختارت الإنكار.
في عام 1925، عادت بريطانيا إلى معيار الذهب بسعر الصرف السابق للحرب، مصرة على أن يُقيم الجنيه كما لو أن الاقتصاد البريطاني لم يتعرض للإنهاك. لم يكن القرار اقتصاديا بقدر ما كان قرارا نابعا من الكبرياء. فالحفاظ على قيمة متضخمة للجنيه تطلب معدلات فائدة مرتفعة، خنقت النمو، ورفعت البطالة، وجعلت الصادرات البريطانية غير قادرة على المنافسة. وحتى مع تراجع الصناعة المحلية، واصلت الحكومة الإنفاق وكأن التفوق الإمبراطوري لا يزال قائما.
لم يكن هذا التناقض قابلا للاستمرار. خلال الكساد العظيم، هاجم المضاربون الجنيه بعد أن أدركوا أن مالية بريطانيا لم تعد تسند عملتها. وفي عام 1931، تخلت بريطانيا عن معيار الذهب، وفقد الجنيه قرابة ثلث قيمته. ومع ذلك، احتفظت العملة بدور دولي، لا بفضل قوة اقتصادية حقيقية، بل لأن بريطانيا أجبرت مستعمراتها على الاحتفاظ باحتياطاتها بالجنيه. فحلت القوة الإمبراطورية محل المصداقية المالية.
عمقت الحرب العالمية الثانية الأزمة. فبحلول عام 1945، تجاوز دين بريطانيا قيمة إنتاجها الاقتصادي السنوي بالكامل. ولم تبق البلاد صامدة إلا بفضل القروض الأمريكية. ومع ذلك، ظل قادتها متشبثين بأداء دور القوة العظمى، محافظين على التزامات عسكرية عالمية، ومقاومين الاعتراف بحقيقة التراجع. ولم تكن أزمة السويس سوى اللحظة التي انتهى فيها هذا الأداء المسرحي.
إن أوجه الشبه مع الولايات المتحدة اليوم يصعب تجاهلها.
فالولايات المتحدة تشغل الآن الموقع الذي شغلته بريطانيا يوما ما. الدولار هو عملة الاحتياط العالمية. تستطيع واشنطن الاقتراض بكلفة منخفضة، وتشغيل عجوزات تجارية مزمنة، وتمويل حضور عسكري عالمي لأن العالم يحتاج إلى الدولار. وكما استفادت بريطانيا سابقا، تستفيد أمريكا اليوم من القصور الذاتي، إذ بني النظام المالي العالمي حول عملتها واعتاد العالم عليه، وتبقى البدائل مكلفة وصعبة.
غير أن الشروط الأساسية آخذة في التغير. فالدين الأمريكي يرتفع بسرعة، مقتربا من مستويات ارتبطت تاريخيا بضغوط مالية خطيرة. ومن المتوقع أن تتجاوز مدفوعات الفوائد وحدها تريليون دولار سنويا خلال العام الحالي، متخطية حتى الإنفاق الدفاعي. وتحافظ الولايات المتحدة على مئات القواعد العسكرية في عشرات البلدان، ممولة هيمنتها العالمية عبر الاقتراض لا الإنتاج.
وكما فعلت بريطانيا، تحافظ أمريكا على هيمنة عملتها عبر البنية لا عبر القوة الحقيقية. فنظام «البترو-دولار»، الذي يسعر النفط بالدولار، يفرض طلبا عالميا على العملة الأمريكية. لكن هذا النظام يتآكل. فالقوى الكبرى باتت تتبادل التجارة بعملاتها الوطنية. ويتم بناء أنظمة دفع بديلة. وحتى الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة بدأوا بالاحتياط من الاعتماد الكامل على الدولار.
غير أن أخطر أوجه الشبه هو النفسي. فقد اعتقد قادة بريطانيا أن تاريخهم يمنحهم حقا في المستقبل. وخلطوا بين السمعة والواقع، وبين الهيبة والمتانة والجدارة المالية. رفضت تحذيرات الاقتصاديين وكبار الموظفين بوصفها تشاؤما. وقاوم الرأي العام فكرة التراجع. وتحول الإنكار إلى سياسة.
وتُظهر الولايات المتحدة اليوم النزعات ذاتها. فالعجوزات البنيوية باتت أمرا طبيعيا. ويتعامل مع تراجع التصنيع على أنه يمكن تجاوزه. ويفترض أن تعوّض القوة والمغامرات العسكرية اختلالات الاقتصاد. وكل من يشكك في هذه الرؤية يوصم بالمبالغة أو التهويل وحتى الانحراف عن القيم الامريكية.
التاريخ يشير إلى الكيفية التي تنتهي بها هذه المسارات.
فانهيار عملة الاحتياط ليس حدثا نظريا مجردا. حين فقدت بريطانيا هيمنتها المالية، دفع المواطنون العاديون الثمن. ارتفعت كلفة الواردات. وتآكلت المدخرات بفعل التضخم. وتراجعت مستويات المعيشة خلال جيل واحد. وكان التكيف سريعا ومؤلما، لأنه تأجل طويلا.
نادرا ما تسقط الإمبراطوريات تدريجيا في نهاياتها. بل تسقط فجأة، بعد عقود من تجاهل الحسابات لصالح الأساطير.
الاعتقاد عند الخبراء، وانا ارجح دلك، لم تبلغ الولايات المتحدة بعد لحظة السويس الخاصة بها. لكن الشروط التي جعلت بريطانيا هشة، الدَّين المفرط، والالتزامات العسكرية المتمددة، وتراجع القدرة الإنتاجية، والإنكار السياسي، باتت حاضرة بشكل متزايد. وعندما ينكسر عامل الثقة، فلن يحدث ذلك بلطف ولا على نحو يمكن التنبؤ به.
وعليه، فالسؤال ليس ما إذا كان التاريخ سيعيد نفسه، بل كيف سيعود، وبأي قافية.
لقد اعتقدت بريطانيا أنها أكبر من أن تفشل. وكان ذلك الاعتقاد آخر أوهامها.
يبقى السؤال المطروح، لا بوصفه تأملا نظريا بل باعتباره استحقاقا سياسيا وتاريخيا: هل ستتعلم الولايات المتحدة من تجارب الإمبراطوريات التي سبقتها قبل أن تفرض الوقائع لحظة انكشاف لا رجعة عنها؟ وإذا لم تفعل، فأين ستكون “السويس” الأميركية؟ أفي فنزويلا، أم في إيران، أم في تايوان، أم في مغامرة عسكرية أخرى ستكشف حدود القوة حين تنفصل عن الواقع؟
المؤكد أن ملامح هذه اللحظة لم تعد بعيدة، وأن تجاهلها لم يعد مجرد خطأ في التقدير، بل مخاطرة استراتيجية تتسارع تداعياتها على النظام الدولي بأسره.
كاتب فلسطيني
