سقوط التسطيح أمام صلابة الفكر: ردّ على الاتهامات الجاهلة بأنطون سعادة
تتكرر النغمات السطحية ذاتها في كل محطة ثقافية أو منبر فكري، حيث يخرج علينا من يستسهل قراءة التاريخ والفلسفة، ليُسقط قوالب جاهزة ومستهلكة على أحد أهم المشاريع النهضوية والعلمية التي عرفها المشرق: فكر أنطون سعادة. إن محاولة اتهام القومية السورية الاجتماعية بالنازية أو الشوفينية العنصرية، واستغلال مواقف تاريخية واجتماعية خارج سياقها العلمي، ليست سوى دليل قاطع على العجز عن استيعاب العمق الفلسفي والسوسيولوجي الذي أتى به سعادة.
فيما يلي نفكك هذا الخطاب السطحي ونعري هشاشته بمنهجية علمية وفكرية.
أولاً: القومية السورية ليست عرقاً دموياً.. بل تفاعل بيئي وجغرافي
إن السقوط الأكبر الذي يقع فيه النقاد السطحيون هو الخلط المتعمد أو الجاهل بين القومية العضوية الاجتماعية عند سعادة وبين القومية العنصرية البيولوجية النازية الفاشية.
النازية الألمانية قامت على أساس “الدم النقي” والتفوق العرقي الآري، واستبعدت الآخرين بناءً على الجينات والأصل البيولوجي.
القومية السورية الاجتماعية قامت على أساس وحدة البيئة الجغرافية والتفاعل الاجتماعي الطويل الذي تولّد عنه وحدة أمة ومزاج نفسي واحد. السوري عند سعادة ليس هو ابن عرق معين، بل هو كل من صهرته هذه الأرض عبر تاريخها الطويل، بغض النظر عن لونه أو عرقه أو دينه الأصلي.
لقد صرح سعادة بنفسه مراراً وتكراراً قاطعاً الطريق أمام هذه الافتراءات، مؤكداً في خطابه عام 1935 أن نظام الحزب وقوميته ليسوا “هتلريين ولا فاشيين، بل قوميون اجتماعيون خلصاء” نابعون من صميم واقع أمتنا وحاجتها للنهوض.
ثانياً: قراءة تاريخية علمية في كتاب “نشوء الأمم”.. لا عدوانية عرقية
عندما يتحدث سعادة عن القبائل التي هاجمت سورية الجنوبية في كتاب “نشوء الأمم”، فإنه يقدم تحليلاً سوسيولوجياً تاريخياً لحركة الهجرات والصراعات القديمة بين الكنعانيين أصحاب الأرض وتلك القبائل، مشيراً إلى ظاهرة “الانكماش على الذات” التي حالت دون اندماج تلك الجماعات في عملية التفاعل الاجتماعي الكبرى التي صنعت الأمة السورية.
هذا التحليل ليس حكماً عنصرياً بيولوجياً، بل هو تفسير علمي لتشكل الأمم. فالأمم تُبنى بالتفاعل والانصهار والإنتاج المشترك للحياة، وليست استثناءً لمكون دون آخر بدافع الحقد، بل هو وصف تاريخي لمسار ومآلات تلك الجماعات في ذلك العصر القديم.
إن إخراج هذا النص من سياقه التاريخي والعلمي واستخدامه كـ “دليل” على معاداة السامية بالمفهوم الأوروبي المعاصر هو تزوير فكري فج.
الثالث: الصراع مع الصهيونية.. صراع وجود لا صراع أديان
يحاول المنتقدون تصوير معركة سعادة والقوميين السوريين على أنها حرب ضد مكون ديني أصيل في المنطقة، متجاهلين تماماً جوهر القضية: الصراع ضد المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيو-استعماري.
سعادة لم يعادِ أحداً لدينه، بل كان رائداً في إرساء دعائم العلمانية الجذرية التي تفصل الدين عن الدولة وتجعل الولاء للأمة لا للطائفة أو المذهب.
الشهادة التاريخية القاطعة هي أن العدو الحقيقي الذي حدده سعادة هو المشروع الصهيوني الاستيطاني الذي زرعته الإمبريالية العالمية لتمزيق وحدة المشرق وتهجير سكانه وتدمير حضارته. محاولة اتهام سعادة بمعاداة اليهود كمكون ديني محلي هي محاولة خبيثة لخلط الأوراق وتبرير المشروع الصهيوني عبر اتهام مناهضيه بالعنصرية!
رابعاً: الأرمن والأكراد والشركس.. دليلاً على شمولية المشروع
إذا كان المتوهمون يزعمون أن سعادة يستبعد جماعات عن أصل الأمة السورية، فلماذا نرى الأرمن والأكراد والشركس وكل المكونات التي لجأت إلى هذه الأرض أو عاشت فيها جزءاً لا يتجزأ من نسيج الحركة القومية الاجتماعية ونضالها؟
لأن المعيار عند سعادة ليس العرق أو المذهب، بل الانتماء الفاعل للوطن والتفاعل الوجداني والمصير المشترك.
المسيحي، المسلم، الدرزي، العلوي، وكل طيف حضاري في هذه الأرض، وجدوا في الفكر القومي الاجتماعي مظلة حقيقية تحرص على كرامتهم وحقوقهم وتجمعهم في بوتقة المواطنة الحقيقية ووحدة المصير، بعيداً عن دكاكين الطائفية والعشائرية التي تفتت المجتمعات.
خلاصة: آن أوان كنس التسطيح
”إن الأمة التي لا تستطيع أن تفرق بين الفلسفة الاجتماعية العلمية وبين الشعارات الاستعمارية السطحية، هي أمة تحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى ثورة فكرية وثقافية تقتلع الجهل من جذوره.”
إن محاولات تشويه فكر أنطون سعادة عبر اجتزاء النصوص وممارسة “النسخ واللصق” الفكري لن تنجح في النيل من صلابة هذا النهج. فبدلاً من إغلاق “الدكاكين” الفكرية، فإن ما نحتاجه حقاً هو العودة الجادة إلى قراءة “سلسلة المحاضرات العشر” و”نشوء الأمم” بعيون واعية، لندرك أن سعادة لم يكن سوى مصلح نهضوي عميق أراد لشعوبنا أن تنهض من ركام التخلف والتبعية لتصنع تاريخها بيدها.
القومية السورية الاجتماعية باقية، فاعلة، ومتجذرة في وجدان أحرار الأمة، كاشفةً زيف كل نقد سطحي لا يملك سوى ترديد الصدى دون وعي أو بصيرة!
د. نبيلة عفيف غصن
