البنية التركيبية لمبادرة الإنقاذ الوطني المقدمة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

د. عابد الزريعي/ ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
في تونس.

لم تكن المبادرة التي قدمتها الجبهة الشعبية لوفد حركة فتح يوم 24 أغسطس 2026 بالعلمين المصرية، مجرد رد سياسي على قضايا قدمها الطرف الآخر خلال الاجتماع، بما يدرجها في سياق رد الفعل، وإنما كانت حصيلة قراءة دقيقة وعميقة لواقع اللحظة السياسية الفلسطينية وتطوراتها المستقبلية، استناداً إلى الخبرة النظرية والسياسية والنضالية التي راكمتها الجبهة الشعبية على مدى عقود من الزمن. الأمر الذي مكنها من قراءة تحديات وتعقيدات اللحظة بتانٍ وصبر. لقد أدركت الجبهة أن الساحة الفلسطينية، ومنذ بدء طرح موضوع الانتخابات، باتت عالقة بين فكين، الدعوة لمقاطعة الانتخابات كيفما اتفق، والدعوة للمشاركة كيفما اتفق أيضاً.

حتى إن وفد فتح جاء إلى اللقاء باحثاً عن تحالفات لخوض الانتخابات في ظل ما يروج عن تحالفات مضادة يجري نسجها في الساحة الفلسطينية، بينما كانت الجبهة قد ذهبت إلى اللقاء وفي عقلها الخروج باللحظة الفلسطينية من بين فكي الكماشة، بجسد وبنية سليمة تسمح لها بمواجهة مرحلة قادمة سمتها الرئيسة تحديات كبيرة تواجه مستقبل النضال الوطني الفلسطيني. القراءة الموضوعية لمبادرة الجبهة تستدعي الانتباه الشديد لما تنضوي عليه من مستويين رئيسيين متداخلين، لكنهما يشتغلان كبنية تفكير واحدة، وهما المستوى التركيبي والمضموني. فالمبادرة في جوهرها ليست مجموعة من المقترحات المتناثرة والملتقطة من هنا وهناك، بغض النظر إن كانت مقترحات سيئة أو جيدة، وإنما عبارة عن مصفوفة فكرية متساندة تستمد تناسقها من قراءة مسبقة للواقع المستهدف ، ومن دقة التصويب السياسي على جوانب الخلل الذي تعتريه، وهي جوانب في حد ذاتها متناسقة أيضاً وتعمل كمنظومة خراب في الساحة الفلسطينية، على مدى سنوات، وبالنتيجة فإن منظومة الخراب السياسي، لا يمكن مواجهتها إلا بمنظومة عمل فكرية متناسقة قادرة عل الاصطدام الإيجابي مع كل جانب من جوانب الخلل وكل ثغرة في الواقع من أجل إعادة بنائها بشكل سليم.

وفي هذا المفصل بالتحديد تكشف المبادرة عن بنية تركيبية منظمة وتناسق داخلي عميق، يحصنها من أن تكون مجرد تعليقات سياسية على تعليقات سياسية. كما تكشف عن الضمانات الحامية لها من الانزلاق بعيداً عن تحديدها لذاتها كخارطة طريق للإنقاذ الوطني، في كونها من بدايتها إلى نهايتها تسير عبر ثلاثية واضحة ومحددة، تتمثل في المرتكز والمسار والهدف. وتتلخص العلاقة بين هذه المحددات الثلاثة، في أن المرتكز هو الشرط الضابط واللازم للانخراط، وبدء العمل وعبور المسار، إلى أن يتم الوصول إلى الهدف. بما يستدعيه ذلك من إجراءات عملية، من أجل توفير الأجواء لاشتغال المحددات الثلاثة، الأمر الذي يتبدى فيما يلي:

أولاً: المرتكز الأخلاقي والسياسي:

حددت المبادرة مرجعية سياسية وأخلاقية، تتلخص في عاملين، الأول موضوعي ويتمثل في تضحيات الشعب الفلسطيني وصموده كحقيقة لا يمكن القفز عنها. والثاني عامل ذاتي يتمثل في واقع القوى والفصائل الفلسطينية المتعين. وهنا تتحدد ملامح المرتكز في ارتقاء الذاتي (القوى والفصائل) إلى مستوى الموضوعي (تضحيات الشعب الفلسطيني) بما يعنيه ذلك من تأكيد على أن أداء الذاتي سياسياً وحتى اللحظة لم يكن في مستوى الموضوعي. الارتقاء يستدعي تروٍ وتبصر وشعور عميق بالمسؤولية من قبل كل القوى. ومن جهة ثانية فإن من يتخلف أو يتخلى عن السعي (الصادق) من أجل الارتقاء، يضع نفسه في موقع الاتهام التاريخي في سيرورته، بكل ما يعنيه ذلك من معنى. ذلك يعني أن تأكيد المبادرة على المرجعية السياسية والأخلاقية، ليست مجرد دعوة أخلاقية ومناشدة عاطفية، وإنما هي محددات واضحة، وعامل ضبط للمضي في المسار من بداياته إلى نهاياته. بما يعنيه ذلك من إقرار ذهني ونفسي ومعرفي، واستعداد للبحث عن آليات للوفاء لهذه التضحيات والصمود.

2 ــ المسار والحوار الشامل:

المسار هو الطريق الذي ستعبره القوى والفصائل، ممثلاً في انخراطها في الحوار المنبثق من معطيات اللحظة (تضحيات شعبنا وصموده في غزة والضفة و القدس والشتات) وهو حوار مرتبط بالواقع المأزوم الذي تعيشه الساحة الفلسطينية، والذي يشكل الانقسام أحد أهم أسبابه. وهو حوار وطني شامل بين سائر القوى لإنهاء الانقسام والانتقال إلى شراكة وطنية حقيقية، يتجسد من خلالها التلاحم بين الموضوعي والذاتي. حوار يسعى نحو هدف محدد، ويستمد قوته الدافعة من المرتكز الأخلاقي والسياسي من ناحية، ومن الوعي بضرورة تفادي تجارب الماضي من ناحية ثانية، أي إنه لا ينطلق من عدم، ولكن مجرد إدارته بشكل شامل كفيل بأن يفتح المجال نحو تحقيق الهدف. كما أن مجرد انطلاقه واندفاعه إلى الأمام يقوم بدوره كأداة تكسير وإزالة لكل العقبات الثقيلة التي سادت على مدى سنوات وشكلت سدوداً ومسارب جعلت من إدارته في فترات سابقة نوعاً من رفع العتب وطريقاً للتهرب، إذ يكفي الجلوس في عاصمة ما أو بلد ما وإصدار بيان أو تصريحات ثم الانقلاب عليها في اليوم التالي بالإعلان أو التناسي.

3 ــ الهدف السياسي والتنظيمي:

الهدف السياسي للمبادرة ليس أي هدف وإنما هو ذلك القصد والغاية من النضال الوطني الفلسطيني المرتبط بكل التضحيات التي قدمت، وبالنتيجة لن يكون إلا هدفاً مرتبطاً بغايات الشعب الفلسطيني الوطنية، دون ذلك تفقد المبادرة معناها، لذلك ربطت المبادرة في صيغتها الأولية بالجانب الأخلاقي بحيث يشكل المرتكز السياسي والأخلاقي ضمانة إسناد لا بد منها. كما أن الوصول إليه لا يتأتى إلا بعبور المسار المتمثل في الحوار الوطني الشامل الذي يفضي إلى رؤية سياسية وبرنامج وطني متفق عليهما، وحماية منظمة التحرير وإعادة بناء مؤسساتها على قاعدة الشراكة، المتجسدة سياسياً في بلورة برنامج سياسي مشترك يقوم على إنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وضمان حق اللاجئين في العودة. واتخاذ القرارات القادرة على حماية الشعب وتعزيز صموده، ووقف حرب الإبادة وحماية الشعب الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية طبيعة المرحلة المقبلة، وأشكال المقاومة المناسبة، وكيفية إدارة المواجهة مع الاحتلال، والمتجسدة تنظيمياً في تشكيل مجلس وطني انتقالي جامع، مهمته توحيد التمثيل الفلسطيني، والمساهمة في إعادة بناء منظمة التحرير والمؤسسات الوطنية على قاعدة الشراكة الوطنية ووحدة التمثيل الفلسطيني وتهيئة انتقال منظم نحو نظام سياسي متوافق عليه يحفظ وحدة الشعب والأرض والقضية.

4 ــ الإجراءات العملية الحاسمة:

هي أدوات الاختبار والمقياس المادي للنوايا المعنوية (البرنامج والحوار) باعتبارها قرارات يجب أن تتخذ من أجل توفير المساحة الزمنية والنفسية للشروع في الحوار من أجل صياغة البرامج بمستوييها السياسي والتنظيمي. والتقرير بشأن الانتخابات ارتباطاً بظروف إجرائها والوظيفة السياسية التي ستؤديها، والنتائج المترتبة عليها. ذلك أن اجراءها دون توافقٍ وطني وضماناتٍ سياسية وأمنية واضحة، سيترتّب عليه تعميق للانقسام وبالنتيجة العودة إلى ما هو أسوأ من اللحظة الراهنة. توفير هذه المساحة يستدعي بالضرورة مرحلة انتقالية تسبق (الانتخابات) من أجل الشروع في الحوار. آخذين بعين الاعتبار أن المبادرة تقترح الإجراءات، ولكن من يتخذ القرار ليست الجبهة، ولكنه طرف محدد في الساحة الفلسطينية، فهو الذي أعلن عن الانتخابات واتخذ القرار بتركيبة المجلس الوطني، ودعته المبادرة إلى توفير المساحة الزمنية اللازمة لذلك. ومن الواضح أن الطرف المعني باتخاذ القرار يتجاذبه موقفان، الأول: لم يرتق إلى مستوى المبادرة وأن بعضاً منه لا يريدها أصلاً، يتأكد ذلك من خلال المضي في عقد المجمعات الانتخابية واختيار أعضاء للمجلس الوطني، وإطلاق التصريحات والمواقف الاستفزازية تجاه الجبهة الشعبية وحماس، وهو أميل إلى إعادة إنتاج الواقع المهترئ بذات القوى، وفرض واقع محدد على مستوى المجلس الوطني، بينما يميل الثاني إلى المبادرة ويدفع باتجاه التبديل. ارتباطاً بذلك وحتى لا تكون المبادرة مجرد قوة اقتراح أخلاقية في لحظة مفصلية وهي مسألة مهمة لا بد أن تحصن نفسها بالاعتماد على حالة الزخم الجماهيري التي تشكلت في مختلف الأوساط الفلسطينية والعربيةــ حالة الزخم الجماهيري التي تتشكل في الشتات رفضاً للمجمعات الانتخابية والمواقف الصادرة. والعمل على توحيد هذه الأطر على قاعدة عدم الاعتراف بالمجمعات الانتخابية، وخوض الصراع السياسي والتنظيمي من أجل انتزاع منظمة التحرير وإعادتها إلى جوهرها الأصلي المحدد في تمثيل الشعب الفلسطيني في كل مواقعه وكل شرائحه وقيادة نضاله على طريق العودة وتقرير المصير.

المصدر: بوابة الهدف الإخبارية