حكايات عن السجن والحرب
الحلقة 13: سُوقُ الطَّعام
كميل أبو حنيش/ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
نشأت في السجون “الإسرائيلية” أثناء الحرب ظاهرة غريبة، تمثلت ببروز الحاجة إلى مقايضة الطعام بين الأسرى، بهدف التكيّف مع الطعام الشحيح وسياسات التجويع التي مورست بحقهم. وهذه الظاهرة – التي تستوجب الدراسة – عمّت كافة السجون في ذات الفترة، ولا تزال مستمرة حتى اليوم، وذلك من دون تنسيق، حتى كادت ظروفها وملابساتها وتفاصيلها، بما فيها أسعار المقايضة، أن تكون متطابقة. وهذا مؤشر على الحاجة الموضوعية لهذا النظام بهدف البقاء على قيد الحياة.
وبالرغم مما انطوت عليه هذه الظاهرة من مظاهر سلبية، تمثلت باتساعها بين الأسرى وانشغال العديد منهم بـ”تجارة” المقايضة ولساعات طويلة في اليوم، مما أساء للأسرى أمام الإدارة، التي كان ضباطها وشرطتها يسخرون، بل ويشجعون هذه الظاهرة؛ فقد تحوّلت الساحة الاعتقالية من جامعات وميدان للنضال والثقافة الثورية وإنتاج الكادر الوطني الذي يتحمل مسؤوليات جسام، إلى سوق للتبادل ومقايضة الطعام.
وهو ما أحدث توترات بين الأسرى، واحتجاج الكثيرين منهم على هذه الظاهرة وروّادها، خاصة الإزعاجات الناشئة عن استمرار مناداة “تجّار السوق” على بعضهم البعض عبر النوافذ طوال ساعات النهار والليل، لتنسيق المواد والأسعار والمقايضات.
مع ضرورة الإشارة إلى أن معظم “تجّار السوق” هم فئة قليلة في كل قسم، ومعظمهم من الأسرى الجدد الذين يفتقرون إلى الخبرة، ولم يخوضوا يوماً الإضرابات عن الطعام. وكان الكثيرون منهم يمارسون هذا الشكل من النشاط بهدف التسلية وإضاعة الوقت بسبب إغلاق الغرف طوال الوقت، وعدم السماح بالخروج إلى الفورة، الأمر الذي اعتبروه تنفيساً بسبب الاحتجاز الطويل داخل الغرف.
وقد برز انقسام في صفوف قيادات الحركة الأسيرة، الذين باتوا يعملون سراً، بين من يرى ضرورة محاربة هذه الظاهرة، وبين من يبررها ويعتبرها أمراً طبيعياً في ظل الظروف الصعبة والفوضى التي تشهدها السجون، حيث تنامت هذه الظاهرة بعد تفكيك الحركة الأسيرة وعدم السماح لها بالتحرك أو النشاط.
وكان أكثر ما يزعج في هذه الظاهرة هي الأصوات العالية والمناداة بين “التجّار” على بعضهم البعض. وقد خضت شخصياً عشرات الجدالات، وأحياناً حدثت بعض المشادات مع هؤلاء “التجّار”، بغية إقناعهم بالتوقف عن المقايضة والمناداة؛ لأنه لا يليق بالمناضل أن ينحدر إلى هذا المستوى، وأنه يتعيّن علينا احتمال الجوع والتحلّي بالصبر. ولكن معظم جدالاتي معهم كانت تذهب أدراج الرياح.
وفي إحدى المرات، وأثناء انعقاد “اجتماع تجاري” في الليل، ومن خلال المناداة عبر الأبواب، بهدف تنشيط السوق وتحديد الأسعار، ثار غضبي، ووجدت نفسي أقف على الباب صارخاً بغضب على هؤلاء “التجّار”، وموبّخاً إياهم على هذا السلوك المنافي لأعرافنا الوطنية. ولم يعلّق أحدهم، وانفضّ السوق بسرعة.
وعلى ما يبدو، وصلت إلى إدارة السجن ما صرّحت به؛ فأقدمت إدارة السجن في اليوم التالي على نقلي من سجن ريمون إلى سجن نفحة. وهناك وجدت الظاهرة نفسها، ولكن على نحو أوسع.
وتتلخص ظاهرة السوق أو مقايضة الطعام في السجون أثناء الحرب بقيام بعض الأسرى بمقايضة الطعام فيما بينهم؛ كأن تجري مقايضة بيضة مسلوقة بعلبة لبن، أو ثلاث شرائح خبز مقابل قطعة حبش، والحمص مقابل التونة، والنقانق مقابل المربى.
في البداية كانت تتم هذه العملية داخل الغرفة الواحدة، لكنها انتقلت بالتدريج لتعمّ القسم. وأصبح هناك وسطاء يقومون بتحديد أسعار كل “سلعة” ومعاييرها، وهؤلاء الوسطاء أصبحوا “تجّار السوق”، وتمرسوا وصار لديهم خبرة.
أما “السلعة” التي كانت تتم من خلالها عملية المقايضة، فكانت شرائح الخبز؛ إذ كان يحصل الأسير على 12 شريحة خبز يومياً في سجني نفحة وريمون. فكان ثمن البيضة المسلوقة شريحتين من الخبز، أما خمس ملاعق من المربى فثمنها خمس شرائح، وقطعة الحبش ثلاث شرائح، والحمص ثلاث شرائح، وإصبع النقانق بشريحتين، وهكذا…
وكان يتم تثمين أصناف الطعام ومقايضتها وفقاً لهذه الآلية، كأن تُقايَض البيوض باللبن.
وبالرغم مما حملته هذه الظاهرة من بعض المظاهر السلبية، إلا أنها حلّت مشكلة كبيرة في إدارة الجوع والتغلب على سياسة التجويع التي اتخذتها الإدارة؛ فمثلاً، أحدهم لا يأكل الحبش أو النقانق، فيقوم بمقايضتها بالبيض أو الحمص أو المربى.
وهناك ظاهرة أخرى وُلدت من هذه الظاهرة، وهي ظاهرة تخزين الخبز والطعام حتى يوم السبت؛ بحيث يصبر الأسير نفسه على الجوع ويتناول القليل منه، حتى يحظى بوجبة “دسمة” يوم السبت.
ففي يوم السبت يحصل الأسير على: بيضة مسلوقة، وقطعة شنيتسل، ونصف حبّة بطاطا مسلوقة، وأربع أو خمس ملاعق تونة، ونصف كأس بلاستيكي من الطحينة، وحوالي عشر حبّات زيتون.
ومع الوقت، أخذ الكثير من الأسرى يشترون البيض والحمص والنقانق والطحينة وأشياء أخرى، ويخزنونها إلى يوم السبت. ويقومون أيضاً بتخزين ما بين 20 و40 شريحة من الخبز.
وفي مساء السبت تبدأ عملية التحضير لهذه الوجبة “الدسمة”، وإعداد شرائح “البيض مع التونة” والبطاطا والطحينة والحمص، المخلوطة كلها ببعضها. وكان البعض يتفنن في إعداد هذه “الوليمة” لتناولها بعد عَدِّ المساء.
غير أن إدارة السجن، وفي إطار مسلسلها القمعي والتنكِيلي، وبعدما لاحظت، أثناء المداهمات والفحص الأمني، تكدّس كميات من الخبز والبيض والحمص داخل الغرف استعداداً ليوم السبت، أخذت بمصادرة هذه الكميات، بل ومعاقبة الغرف التي يُعثر بداخلها على كميات من الخبز والبيض.
أما الذريعة المضحكة التي تذرعت بها الإدارة، فكانت أن تكدّس الخبز بهذه الكميات يسبب في انتشار الأسكابيوس. وكأن الاكتظاظ داخل الغرف، وانعدام مواد التنظيف، ومنع غسيل الملابس، والخروج إلى الفورة، لا يتسبب بانتشار الأسكابيوس؟!
أما ذريعة مصادرة البيض والحمص، فكانت أن البيض والحمص يفسدان في حرّ الصيف، وبالتالي يؤثران على صحة وسلامة الأسرى؟!
هذا ما كان يحدث في سجون “إسرائيل” الفاشية، وهكذا كان يجري مواجهة سياسة التجويع في سجون “الديمقراطية الصهيونية” المنحطّة.
انتهى
- عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
