محمد محمد:
في مقالها المعنون «ما وراء العناوين: حكاية فلسطينية نادرًا ما نسمعها»، تفتح الكاتبة أو. غارفي-شوارز (O. Garvey-Schwarz) نافذة مختلفة على القضية الفلسطينية، لا من بوابة الأرقام والبيانات والتغطيات العاجلة، بل من المساحة التي غالبًا ما يغيب فيها الإنسان خلف ضجيج الخبر.
إنها محاولة لتفكيك الطريقة التي تُصنع بها الروايات الإعلامية، وكيف يمكن للعناوين، حين تتكرر بالصورة ذاتها، أن تتحول من أدوات لإخبار الجمهور إلى أدوات لتشكيل وعيه وتحديد ما يراه وما لا يراه. ومن هنا، تتجاوز المقالة مجرد نقد التغطية الإعلامية، لتطرح سؤالًا أعمق: ماذا يحدث للإنسان عندما تتحول حكايته إلى رقم، لمأساته إلى خبر عابر؟
حين يتحول الإنسان إلى رقم
لعل إحدى أهم النقاط التي تتوقف عندها غارفي-شوارز هي مشكلة التنميط التي تطبع جزءًا واسعًا من الخطاب الإعلامي حول فلسطين.
ففي كثير من التغطيات، تظهر فلسطين من خلال مجموعة متكررة من الصور: قتلى وجرحى، أنقاض، صواريخ، بيانات سياسية، وتصريحات متبادلة. وبذلك يصبح الإنسان الفلسطيني حاضرًا في المشهد بوصفه إحصاءً أكثر مما هو شخص له اسم وذاكرة وعائلة وأحلام ومستقبل.
ولا تكمن المشكلة في عرض الأرقام بحد ذاته، فهي ضرورية لفهم حجم المأساة، وإنما في أن تتحول الأرقام إلى بديل عن القصة الإنسانية، وأن يصبح الرقم هو الطريقة الوحيدة التي يُعرَّف بها الإنسان.
عندما يُختزل مجتمع بأكمله في مشاهد الدمار، يجري إسقاط جزء أساسي من الحقيقة: حقيقة أن الحياة لا تتوقف بالكامل تحت وطأة الحرب، وأن الناس، حتى في أقسى الظروف، يستمرون في الحب والتعلم والعمل وتربية أطفالهم وصناعة تفاصيل يومهم.
وهنا تبرز واحدة من أخطر نتائج هذا الاختزال: نزع الإنسانية عن الضحية.
فالإنسان الذي يُقدَّم باستمرار باعتباره مجرد «ضحية» يفقد تدريجيًا فرديته في عين المتلقي؛ يصبح جزءًا من كتلة مجهولة، لا شخصًا يمكن التعرف إلى أحلامه ومخاوفه وذكرياته. ومع الوقت، قد تتحول المأساة إلى مشهد مألوف، والمشهد المألوف إلى خبر عابر، والخبر العابر إلى ضجيج سرعان ما يختفي تحت عنوان جديد.
ما وراء الكارثة: يوميات الحياة
في مقابل هذه الصورة، تقترح غارفي-شوارز النظر إلى فلسطين من زاوية أخرى: زاوية الحياة اليومية التي تستمر رغم كل شيء.
هناك تفاصيل صغيرة لا تحظى عادةً بمساحة كبيرة في نشرات الأخبار، لكنها ربما تكون أكثر قدرة على كشف جوهر الحكاية: فنجان قهوة في صباح مثقل بالخوف، طفل يحمل حقيبته، طالب يحاول متابعة دراسته، أم تحافظ على طقوس منزلها، شاب يخطط لمستقبله رغم عدم وضوح الغد، وعائلة تحاول أن تصنع لحظة طبيعية وسط واقع غير طبيعي.
قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة إذا قيست بحجم الأحداث الكبرى، لكنها في الحقيقة تحمل معنى بالغ العمق. فهي تقول إن الإنسان لا يُختزل بما يحدث له، وإنما أيضًا بما يصر على فعله رغم ما يحدث له.
ومن هنا، يصبح الإصرار على الحياة شكلًا من أشكال الصمود.
فالحياة اليومية ليست مجرد هامش إنساني للحكاية السياسية؛ إنها جزء من الحكاية نفسها. أن يستمر الإنسان في التعليم، وأن يحافظ على ذاكرته، وأن يتمسك بعائلته وأرضه وثقافته، وأن يصر على بناء معنى لحياته وسط الخراب، كل ذلك يعبّر عن إرادة في الاستمرار تتجاوز حدود اللحظة السياسية.
إنها مقاومة من نوع مختلف؛ مقاومة لا تحتاج بالضرورة إلى الشعارات العالية، لأنها تظهر في أبسط أشكال الوجود الإنساني.
الإعلام لا ينقل الحقيقة فقط… بل يصنع زاوية رؤيتها
تتجاوز أهمية المقالة مسألة فلسطين نفسها لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بدور الإعلام في تشكيل الوعي العالمي.
فالإعلام لا يقرر فقط ماذا نقول، بل يساهم أيضًا في تحديد كيف نرى ما نقول.
اختيار الصورة، وانتقاء الكلمات، وترتيب الأولويات، وتحديد من يُستضاف ومن يُستبعد، وما الذي يتحول إلى عنوان رئيسي وما الذي يُدفع إلى الهامش، كلها عناصر تؤثر في الطريقة التي يتلقى بها الجمهور الحدث.
وهنا تكمن خطورة الرواية الأحادية: ليس لأنها تنفي بالضرورة وجود الحقائق الأخرى، وإنما لأنها تجعل الوصول إليها أكثر صعوبة.
حين تُقدَّم مأساة الفلسطينيين باستمرار من خلال عدسة أمنية أو سياسية ضيقة، يصبح من السهل أن يغيب الإنسان عن مركز الصورة. وحين تُعرض فلسطين باعتبارها «ملفًا» أو «نزاعًا» أو «أزمة»، قد تُمحى من الوعي العالمي حقيقة أنها أيضًا مجتمع كامل له ذاكرة وثقافة وتاريخ وحياة يومية.
ومن هذه الزاوية، تصبح معركة الرواية جزءًا من معركة الوعي.
التعاطف الذي لا يكتمل
تطرح غارفي-شوارز، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سؤالًا أخلاقيًا مهمًا: هل يكفي أن نعرف أن هناك معاناة؟ أم أن علينا أن نعرف الإنسان الذي يعيشها؟
فالتعاطف الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها. الرقم يخبرنا عن حجم المأساة، لكنه لا يخبرنا بالضرورة عن معنى الحياة التي يمثلها كل رقم.
وربما لهذا السبب تحتاج الحكاية الفلسطينية إلى أن تُروى من خارج إطار الخبر العاجل، وأن يُسمح للإنسان بأن يستعيد اسمه وصوته وذاكرته، لا أن يبقى مجرد صورة في نشرة أخبار.
إن إعادة الإنسان إلى مركز الرواية ليست ترفًا أدبيًا ولا محاولة لاستبدال السياسة بالعاطفة؛ إنها شرط أساسي لفهم الواقع نفسه.
فحين نرى الفلسطيني كإنسان كامل، تصبح القضية أكثر تعقيدًا وعمقًا من أن تختصر في عنوان سياسي. نرى الأسرة، والطفولة، والتعليم، والذاكرة، والأرض، واللغة، والثقافة، والأمل، والخوف، والإصرار على المستقبل.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا تخسر الإنسانية عندما تعجز عن رؤية الإنسان خلف الخبر؟
فلسطين التي تستمر في كتابة نفسها
في النهاية، تقودنا هذه القراءة إلى حقيقة تتجاوز صخب العناوين: الحكاية الفلسطينية لا تُختصر بما يظهر على الشاشة.
هناك فلسطين أخرى تعيش خلف الصور العاجلة؛ فلسطين الحياة اليومية، والذاكرة، والأحلام، والعلاقات الإنسانية، والإصرار على البقاء.
وقد تكون هذه الحكاية، في بعض الأحيان، أكثر قوة من الصورة التي تصنعها الكاميرا؛ لأنها لا تتحدث فقط عن الموت والدمار، بل عن القدرة الإنسانية على الاستمرار.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الرواية الإعلامية بالإنسان هو أن تحوّله إلى صورة ثابتة. أما الحكاية الحقيقية فتظل متحركة، مليئة بالتناقضات والتفاصيل والأصوات والوجوه.
ولهذا، فإن الإنصات إلى ما وراء العناوين لا يعني تجاهل الحدث السياسي، بل يعني استكماله. يعني أن نبحث عن الإنسان الذي يختبئ خلف الرقم، وعن الحياة التي تستمر خلف صورة الركام، وعن الذاكرة التي لا تستطيع العناوين العاجلة محوها.
ففلسطين ليست خبرًا ينتهي بانتهاء النشرة، ولا رقمًا يُضاف إلى جدول الإحصاءات، ولا صورة عابرة في دورة إخبارية لا تتوقف.
إنها حكاية بشرية مفتوحة على الزمن؛ وكل يوم يستمر فيه الإنسان في الحياة، ويحفظ ذاكرته، ويروي قصته، ويصنع لأطفاله معنى للمستقبل، يضيف فصلًا جديدًا إلى تلك الحكاية.
وربما تكون المهمة الأولى أمام الإعلام والوعي العالمي معًا هي أن يتوقفا قليلًا عن مطاردة العنوان، وأن ينظرا إلى ما وراءه.
هناك، خلف صخب الأخبار، تبدأ الحكاية التي لم تُروَ بعد.
د. نبيلة عفيف غصن
