اتفاق غزه_ اتفاق الضرورة
سحر الأيوبي
قبل ان نبدأ في سن أقلامنا ضد المقاومة لقبولها بالمرحلة الثانية من خطة وقف اطلاق النار بغزه وقبل ان ينبري الكثيرون منا لتفنيد بنود الاتفاق وقبل ان يسيل حبر كثير في وسائل التواصل رثاء لاهالي غزه اللذين تم المغامره بهم وبمستقبلهم حسب اصحاب هذا الرأي، قبل كل هذا يجب اولا أن نتحلى ببعض المسؤوليه ونسأل انفسنا سؤالا يبدو لي جوهريا؛ ماذا قدمنا كجمهور عربي عريض خلال ما يقرب من ثلاث سنوات لاهل غزه ولمقاومتها!
هل شكلت مساندة غزه دافعًا والتزاما لنا حتى ولو بالقيام ببعض ابسط اشكال الإحتجاج؛ هل امتنعنا عن شراء البضائع المقاطعة مثلا؟ هل قمنا بالتبرع ولو بالقليل او هل استجبنا لحملات التوقيع على العرائض؟
هذا قبل ان ننتقل إلى طرق الفعل الأشمل والتي تحتاج إلى تنظيم جهودنا وتأطير حراكنا الشعبي كالنزول إلى الشارع والاحتجاج والضغط على الحكومات للتحرك لإيقاف الابادة؟
انا بالطبع لا اشكك ابدا بان الاغلبيه الساحقة من الجمهور العربي تعاطفت بصدق وغضبت بشدة وهي تتابع المجازر التي حدثت وتحدث في غزه ولكنه غضب ظل حبيس الصدور في اغلب الاحيان ولم يجد له تعبيرا مستداما في شوارع المدن العربية ولذا لم يتمكن من احداث اي تغيير يذكر حتى ولو بادخال الادوية والطعام. بعكس الشارع الغربي الذي انتفض في طوفان هائل واستطاع ان يحدث تغييرا جذريا في السردية والصورة الذهنية وبدأ بالضغط الفعلي على البرلمانات والحكومات.
وانا هنا لا اعطي لنفسي اي حق بتوجيه اللوم لاي طرف وادرك ان هامش التعبير في اوطاننا في اسوأ أحواله وان كلفة التحرك في واقعنا الحالي اثمانها عاليه. ولكن هذه الثلاث سنوات يجب ان تكون درسا مهما لنا جميعا وان تشكل منعطفا في طريقة تعاملنا مع أنفسنا ومع واقعنا.
ففي الوقت الذي اثر معظمنا التعاطف الصامت مع غزه واختار الكثيرون ان يبقوا بعيدين عن كل ما يمكن أن يجلب المشاكل ووجع الراس واكتفى اخرون بالدعاء مع ادراكهم ” ان الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”!
في نفس هذا الوقت اختارت غزه ان تقاوم “الجيش الأكثر لا اخلاقية في العالم” ليس لأن اهلها لا يحبون الحياة وليس لأنهم يؤمنون بثقافة الموت ولكن لانهم اختاروا ان يعيشوا احرارا في وطن يعشقونه بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
قاتلت غزه شبه وحيده بعد أن عز الرجاء إلا من إسناد شبه وحيد ايضا ولذلك جاء الثمن باهظا جداً!
نعم غزه والجنوب اللبناني سددتا حساب الأمه كاملا!
أنا بكل صدق لا اريد لهذا المقال ان يبدو ككشف حساب لاني بكل بساطة لا املك هذا الحق، كما وانني لا ادعي ان هذا الاتفاق فاق التوقعات وحقق كل امال واهداف اهل غزه، ولكني اشعر بصعوبة بالغة في تقبل ان البعض قد اعطى لنفسه الحق للانقضاض على المقاومين دون ادنى شعور بالحرج في حين أنه اما سكت او عجز أو تخاذل!
فمنذ ما يقرب من ثلاث سنوات والمقاومة تقدم صورا أسطورية للبطولة ونماذج فريده للتضحية وهي تقاتل من شارع الى شارع مستميته لفرض معادلة جديدة وفتح أفق وحياه مختلفة لاهل القطاع.
وماذا كانت النتيجة؟
فتحت ساعات البث في وسائل الإعلام لتمرير سردية واحدة تقوم على تكريس فكرة ان المقاومة وكل من وقف الى جانب غزه واسندها لم يكن الا مغامرا عبثيا في احسن الاحوال او ذراعا لخدمة اجندات الاخرين!
لولا التخلي عن غزه لكانت المقاومة في موقع فرض الشروط ولكنا الان في وضع مختلف تماماً ولكان للتضامن الشعبي العربي الكلمة العليا ولوقف كسد منيع امام كل محاولات البعض لتصفية قضية غزه وفلسطين وشعبها.
قد اتفق مع من يقول ان هذا الاتفاق لا يليق بغزه وتضحياتها الجسام، لا يليق بأطفال غزه ولا نساء غزه الصامدات ولا رجالها الاشاوس وبالتأكيد لا يليق بشهدائها العظام ولا بمقاومتها وصمودها الأسطوري.
وان الاتفاق كان يجب أن تكون نتيجته الانسحاب الكامل من قطاع غزه وفتح المعابر والإدخال اللا مشروط للمساعدات وبدء عملية الإعمار.
ولكن .. ولكن
هذا الاتفاق يليق بكل من سكت او تخاذل أو غض الطرف وهم للاسف كثيرون.
هذا الاتفاق يكشف دون مواربة اختلال ميزان القوى الفادح في منطقتنا بين الاقليه المتحكمة والاغلبية المقهورة بما فيها الكثير من النخب التي أحجمت عن دفع الثمن.
ولذا فان الأجدر بنا كما التزمنا الصمت مسبقاً ان نتحلى على الاقل بالكثير من الصدق والكثير الكثير من التواضع ونحن ننبري ونرفع الصوت عاليا ونلوم من جابه وننكر عليه حقه في اختيار شكل الحل حتى ولو كان هذا الحل كأبغض الحلال في نظر البعض.
من كان منا بلا فعل لا يحق له ان يرجم المقاومة.
