فصح التحليلات الغربية المتخبطة، وفي مقدمتها ما يُطرح في الدوائر الصهيونية والأمريكية عن “فخ ترامب للرئيس الصيني”، عن حجم المأزق الاستراتيجي الوجودي الذي تعاني منه الإمبريالية الأمريكية. إن التباكي على “فشل سياسة الضغط الأقصى” واستمرار صمود طهران وحلفائها في الإقليم، يعكس عجزاً بنيوياً في فهم طبيعة المرحلة التاريخية الانتقالية التي يشهدها العالم نحو التعددية القطبية.
​إن محاولة تصوير الصمود الاستراتيجي للدول والساحات المستقلة على أنه مجرد “عابرة وقتية” بفضل الدعم الصيني، هو هروب من الاعتراف بالحقيقة المرة لواشنطن: انكسار الهيبة الأمريكية وسقوط قواعد اللعبة القديمة في الشرق الأوسط.
​ أسطورة الانهيار وسقوط رهان “الحصار الأقصى”
​تراهن الدوائر الغربية دائماً على لغة التجويع والحصار كبديل عن عجزها العسكري المباشر. غير أن الأشهر الماضية أثبتت التالي:
​سقوط نظرية التداعي الذاتي: فشلت العقوبات غير المسبوقة في إخضاع القرار السياسي للجمهورية الإسلامية، وتحولت سياسة الصمود إلى استراتيجية هجومية متكاملة الأركان.
​العمق الاستراتيجي الإقليمي: لم يعد الصمود منسوباً لدولة بمفردها، بل أصبح جزءاً من منظومة اشتباك إقليمية متكاملة تشد بعضها بعضاً، حيث تترابط الساحات من طهران إلى بغداد وسنعا (اليمن) وسائر جبهات الحق.
​إدارة الوقت لصالح السيادة: بينما يعتقد الغرب أن الوقت ينفد، تدرك قوى التحرر أن الزمن يعمل لصالح تآكل الردع الأمريكي، حيث باتت كل ساعة إضافية تكشف هشاشة التحالفات الغربية.
​ السيادة الميدانية: رسائل النار من هرمز إلى باب المندب
​إن التباكي الغربي على أمن الملاحة واهتزاز المصداقية الأمريكية في مياه الخليج والبحر الأحمر يعبر عن الحقيقة الميدانية التي فرضتها قوى المقاومة والإسناد بجرأة واقتدار:
​معادلة الردع البحري: إن السيطرة اليمنية الميدانية على الممرات الاستراتيجية وباب المندب، إلى جانب العمليات النوعية للفصائل العراقية والنشاط المتصاعد في مضيق هرمز، أثبتت أن أمن الطاقة الإقليمي لا يمكن أن يكون مستباحاً لخدمة النهب الغربي طالما بقيت شعوب المنطقة محرومة من أمنها وسيادتها.
​شلل البوارج الأمريكية: إن عجز الأساطيل الأمريكية والغربية عن حماية حركة التجارة الخاصة بالكيان المؤقت أو حلفائه، يعكس التحول الجذري في ميزان القوى لصالح الإرادة الشعبية والعسكرية الحرة في الإقليم.
​ أوهام واشنطن وفخ “المقايضة الفنزويلية” مع بكين
​الرهان الأمريكي على إيقاع إسفين بين بكين وطهران من خلال تقديم “إغراءات فنزويلية” للرئيس الصيني شي جين بينغ يعكس قراءة غبية وسطحية لعقلية القوى الصاعدة الكبرى:
​سقوط السذاجة السياسية: تدرك بكين جيداً أن الولايات المتحدة لا تقدم هدايا مجانية، وأن التخلي عن الشركاء الاستراتيجيين في لحظة مفصلية سيشكل سابقة خطيرة تفقد الصين مصداقيتها كقوة عظمى بديلة في النظام العالمي الجديد.
​تكامل المصالح في عالم متعدد القطبين: تتعاون بكين مع طهران ليس فقط كضرورة طاقوية، بل كجزء من جبهة أوسع ترفض الهيمنة الأحادية والبلطجة العقوباتية للبيت الأبيض. إن أي صفقة مشبوهة تهدف لتركيع إيران ستعني بالنسبة للصين خسارة حليف استراتيجي لا يُعوض في قلب ممرات التجارة العالمية.
​حتمية الفشل الأمريكي: إن محاولات واشنطن ربط ملفات أمن تايوان أو التكنولوجيا المتقدمة بالتنازلات الإقليمية حول إيران، تكشف عن يأس حقيقي في إيجاد مخرج يحفظ ما تبقى من ماء وجه الإدارة الأمريكية.
​ مستقبل الإقليم تصنعه سواعد الأحرار لا صفقات البيت الأبيض
​تريد الإدارة الأمريكية إقناع العالم بأن بإمكانها إعادة تدوير الهيمنة عبر ضغوط دبلوماسية وصفقات تبادلية وهمية. لكن الحقيقة الساطعة التي يجب أن يعيها ترامب وكل أركان الاستعمار العالمي هي أن منظومة السيادة والرفض للهيمنة في الشرق الأوسط قد عبرت نقطة اللاعودة.
​إن مخزونات النفط تتضاءل أو تتكاثر، والصفقات تطرح أو تُرفض، لكن حقيقة واحدة تظل ثابتة: إن شعوب الإقليم وقواها الحية هي التي تكتب بدمائها وصمودها وسلاحها قواعد النظام الإقليمي الجديد، وإن عصر الأوامر الأمريكية المباشرة قد ولى إلى الأبد، لتبزغ شمس استقلال حقيقي لا رجعة فيه.
د. نبيلة عفيف غصن