هم يبيعون الأوهام والمقاومة.. بعيونها الخمسة.. ترسم الواقع وتصنع المصير!

الياس فاخوري
ابدأ باسم الله من سورة البقرة:
“اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)” ..

تمّ التوقيع على مذكرة التفاهم الاميركية-الايرانية بتاريخ June 17, 2026 لينقلب عليها الجانب الأميركي من خلال مؤتمر روبيو بتاريخ June 25,2026 مُتوسِّلاً الممر العُماني واتفاق الإطار اللبناني، ومُبَيِّتاً خطة اقتحام صنعاء!
الخُلاصَة: مَآلهم الفشل (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ )وَصمود قوي المقاومة بعيونها الخمسة (ما زالُوا هم المُهْتَدِينَ):
■ العقيدة (العشق الالهي)
■ العقل (كقوة بنائية تنتج المعنى وتعيد تشكيل الواقع – لا للظلم مثلاٍ)
■ العلم (لا لمجرد تفسير العالم، بل لتغييره – اداة للتحرير وتحقيق التمكين الحضاري، لا اداة للتطويع وهندسة الوعي والإدراك)
■ العزيمة (يروم موتاً شريفاً يحمي الحياض بِحَدِّ الحُسامِ)
■ العمل (جزمته تَخلق افقاً، روحه فوق راحتِهْ، دمه يكسو الارض بالإرجوان، والردى منه خائف) ..
هذي العيون الخمسة، قل لي: كيف تقهرْ… عادت أوديسه النار والدم على أبواب المقبرة حيث فشلت الحرب الأميركية /”الإسرائيلية” عن بلوغ أهدافها، ام لم تعد!
قل لي كيف تقهرْ .. هذي العيون الخمسة .. كيف تقهرْ؟
هم يبيعون الأوهام وَفِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ .. والمقاومة، بعيونها الخمسة، ترسم الواقع وتصنع المصير!
وبعد، أتذكرون الشاعر والكاتب الفيتنامي نغوين دوي هين (Nguyen Duy Hien) الذي وصف الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، اثر تخليه عن حلفائه في سايغون، بـ”الأب الذي يبيع جلد أبنائه لصانعي الأحذية” – هكذا يبيع ترامب جلد العرب!
قُل لِي بِرَبِّكَ ما نفع الاتفاقات الأمنية الاميركية مع العرب؟ ألم تسفر عن نهب اموال العرب وحماية اسرائيل وتوسعها توغلاً بأراضي العرب! فكيف ستجدي الاتفاقات الأمنية او اللقاءات الدبلوماسية مع اسرائيل!؟ انها محاولةٌ يائسةٌ بائسةٌ لشقّ الطريق امام “اقامة اسرائيل الكبرى” – المهمة الروحية لبنيامين نتنياهو – بدعم من فقهاء التأويل التوراتي/التلمودي للنص القرآني!؟ ولكن ماذا عن الفشل في استدراج كل من تركيا وباكستان الى الحرب ضد ايران لمصلحة أميركا واسرائيل؟ وماذا عن صفقة تزويد أمريكيا لاسرائيل بقنابل تبلغ زنة الواحدة منها 1000 كيلوغرام وتتجاوز قيمتها الإجمالية 2.8 مليار دولار؟ ماذا ستفعل هذه القنابل – ولقتل من!؟ يريدون لنا الإقامة الدائمة على أبواب المقابر وأرصفة الجحيم! وحشان كل منهما يشكل ظاهرة فرويدية مروعة، ويعملان مكيافيلياً وفوق الجثث للبقاء في السلطة ولإبقاء الأزمات جاثمةً على صدورنا .. انه التقاطع التوراتي/التلمودي بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو .. أَوَلَمْ يُعلّقوا المسيح على الخشبة!؟ افلا يسعون لتعليقنا على جدراننا بعد تهديمها وقد انتزعوا عنوة صلاحيات الله في ادارة الكرة الأرضية!
من “مكان تحت الشمس: إسرائيل والعالم” (A Place Under the Sun)،أشهر كتب بنيامين نتنياهو الذي صدر بالإنجليزية تحت عنوان “مكان بين الأمم” عام 1995/1996 — الى أبرز كتب وزير الحرب/الدفاع الأمريكي الحالي بيت هيغسيث (Pete Hegseth): “الحملة الصليبية الأمريكية: كفاحنا من أجل أن نبقى أحراراً” (American Crusade: Our Fight to Stay Free) الذي نشر عام 2020، وكتاب “الحرب على المحاربين” (The War on Warriors) الذي نشر عام 2024 — من هذا الى ذاك، أنتجت “التوراة المتلمدة” ابشع انواع الذئاب حيث كان الحاخامات قد عقدوا “صفقة أبدية مع الشيطان” كما أعلن الفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ سبينوزا (1632 ـ 1677) الذي “لم يعثر على الله في الكتب المقدسة “، لكنه عثر على “الحاخامات” الذين جعلوا من “يهوه” الاله الذي يتقيأ الدم .. وهكذا ترون أن ملوك “بني اسرائيل” قضوا حياتهم في حروب ضد الآخرين، الى أن إنتهوا بحربهم الأزلية ضد العرب. كل ذلك ضرورة الهية ليظهر “الماشيح” ويقيم مملكته لألف عام .. وما تاريخ الغرب الا تاريخ الدم. أوَلم تقم الأمبراطورية الأميركية والحضارة الأميركية على قبور الهنود الحمر!؟
وهنا لا بد من رسالة الهندي الأحمر التي خَلُدت في الذاكرة العربية والعالمية .. هي الرسالة التى ألهمت محمود درويش في قصيدته الشهيرة “خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض”، ليجعل من مأساة الهنود الحمر رمزاً لمعاناة الشعب الفلسطيني وقضيته في مواجهة الاقتلاع والتهجير وضياع الأرض؛ “العرقبادة والهفلبادة”!

الرسالة هي الخطاب التاريخي الذي ألقاه الزعيم الهندي الأحمر (سياتل)، زعيم قبيلتي السكواميش والدواميش، عام 1854، متوجهاً إلى الرئيس الأمريكي (فرانكلين بيرس) وحاكم ولاية واشنطن (إسحاق ستيفنس) رداً على طلب الحكومة الأمريكية شراء أراضيهم وتخصيص محمية لهم. تتلخص هذه الرسالة في فلسفة عميقة تركز على قدسية الأرض، والدفاع عن البيئة، والتنديد بـ “عمى القوة” وجشع الاستعمار الاستيطاني.
ومن أبرز محاور الرسالة:
■ الرابطة الروحية والوجودية بالأرض وتقديسها: اعتبر الزعيم سياتل الأرض أماً مقدسة، وما الإنسان الا جزء منها. اذن الارض ليست مجرد عقار يُباع ويُشترى، بل هي “الأم” اذ يتساءل الزعيم سياتل باستنكار: “كيف يمكن بيع أو شراء السماء أو دفء الأرض؟”. فالماء المتلألئ في الأنهار هو “دم الأجداد”، والحيوانات والأشجار والصخور هم “إخوة وأفراد من عائلة واحدة”، مشيراً إلى أن الهواء والماء هما ملك لكل كائن حي.
■ ارتباط الروح بالطبيعة: تحدث بأسلوب بليغ عن ارتباط شعبه بتراب أجدادهم، وعشب البراري، وأصوات الطبيعة التي تمثل جزءاً من روحهم وذاكرتهم.
■ التناقض بين حضارة الاستهلاك وحضارة التناغم حيث تُبرز الرسالة فجوة عميقة بين رؤيتين للحياة:
رؤية الهندي الأحمر: تعتمد على التعايش مع الطبيعة، فلا يقتل الحيوانات (كالجاموس البري مثلاً) إلا ليبقى على قيد الحياة.
رؤية الرجل الأبيض: تعتمد على السيطرة، وتدمير البيئة، وإبادة الكائنات (مثل إطلاق النار على آلاف الجواميس من نوافذ القطارات لمجرد التسلية)، وتقديم الآلة الحجرية والحديدية على قيمة الحياة الفطرية.
■ التحذير البيئي الاستشرافي: حذر الرجل الأبيض (المستعمر) من عواقب جشعهم وتدميرهم للطبيعة، مؤكداً أن الأرض ستنتقم لنفسها، وأن مصير المستعمرين سيكون مرتبطاً بتدميرهم للبيئة. صيغت الرسالة بنبرة تنبؤية حذرت مبكراً من الدمار البيئي؛ حيث أكد الزعيم أن “ما يصيب الحيوانات سرعان ما يصيب الإنسان، وإذا هلكت الحيوانات سيموت الإنسان من وحشة الروح”. وهذه نبوءة تجسد أزمات التلوث المناخي والبيئي المعاصر.
■ التفوق الأخلاقي للمهزوم:
رغم اعتراف الرسالة باختلال موازين القوى المادية لصالح المستعمر، إلا أنها صاغت “وصايا” أنبل وأقوى أخلاقياً. اشترط الهندي الأحمر في حال قبول صفقة البيع (المفروضة بقوة السلاح) أن يُعامل الرجل الأبيض أنهار الأرض وحيواناتها كإخوة له، وأن يعلّم أطفاله احترام هذه القدسية.
وهنا نعود لما كتبته المفكرة القومية العربية ديانا فاخوري منذ نيف وعقد من الزمن:
“ان الولايات المتحدة الامريكية انما قامت علی ما غرسه البيوريتانز (الطهرانيون) الانجليز – وقد تمثلوا التوراة المتلمدة، في اللاوعي الامريكي من ثقافة الغاء الاخر علی طريقة داعش وابن تيمية .. فأين ذهب أصحاب الارض الأصليون، وكانوا يعرفون بالهنود الحمر، بعد ان تم طردهم من الاقتصاد والتاريخ!؟ ان اغتصاب البيض لامريكا الشمالية يتماهى مع اغتصاب الصهاينة لفلسطين نفيا لانسانية الفلسطيني وتغريبا لهوية العربي تمهيدا لإلغائه وتفريغ فلسطين من الفلسطينيين و من كل اخر .. وامريكا، زعيمة الدول المارقة
(The Chief-Rogue-State, the United States of America – CRS)
والعضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، لا تتورع عن فرض عقوبات على من يلتزم بقرارات مجلس الأمن الذي كان قد اقر التفاهم النووي، مثلا، مع ايران بالإجماع – اي رسالة مارقة هذه: يعاقب من ينفذ القرارات الأممية!! .. وها هم، الغاصبون في الكيان المحتل، يحاكون النموذج الامريكي ويُطَبِّقون أصول القمع والذبح في كل فلسطين”!
وينسجم هذا الجنون “الاسرائيلي” بالهاجس التلمودي، والجنون الأميركي بالإطباق العسكري على الكرة الأرضية مع مزاعم بعض القيادات اليهودية حول قرب تحقيق حلم “اسرائيل الكبرى”، ايديولوجياً من النيل الى الفرات، واستراتيجياً من حدود الصين الى ضفاف المتوسط، وبدعم أميركي بانتظار وصول الصراع الأميركي ـ الصيني، حول قيادة العالم، الى نقطة الانفجار!

وفي كتابه (كما عَرَضَهُ الاستاذ علي محمود هاشم في “الاخبار”)
“Stealing America: The Hidden Story of Indigenous Slavery in U.S. History”,

يركز المؤرّخ لينفورد د. فيشر على حقيقة وواقع ان “القارة” لم تكن أرضاً تنتظر من يستوطنها، ولم يكن السكان الأصليون مجرد جماعات أُزيحت تدريجياً أمام تقدّم المستوطنين. لقد تعرّضوا، إلى جانب الاستيلاء على أراضيهم، لعملية واسعة من الأسر والاستعباد والبيع والترحيل وخطف الأطفال، بحيث أصبح أخذ الإنسان وأخذ الأرض وجهين لعملية استعمارية واحدة .. فالاستعباد في نظره لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه نظاماً للحصول على اليد العاملة، بل كذلك بوصفه وسيلة لتفكيك المجتمعات الأصلية وإضعاف قدرتها على البقاء فوق أرضها.

السكان الأصليون اختبروا العبودية باعتبارها «سرقة الأقارب»: اختفاء ابن أو امرأة أو رجل لم يكن مجرد خسارة فرد، بل جرحاً يصيب شبكة القرابة والسلطة والتكاثر والذاكرة والسيادة في المجتمع كله. ولهذا ظل الاستعباد متداخلاً مع سرقة الأرض وتجاهل السيادة الأصلية .. ربما كانت أكثر أفكار الكتاب إزعاجاً هي أن الاستعمار لا يحتاج دائماً إلى إبادة شعب دفعة واحدة. يمكنه أن يعمل ببطء، عبر الحرب والقانون والسوق والسجلّ السكاني والمدرسة والأسرة البديلة. يمكنه أن يأخذ الأرض اليوم، والطفل غداً، والاسم بعد غد، ثم يأتي التاريخ بعد قرن ليقول إن هؤلاء لم يكونوا موجودين أصلاً .. لكنّ الوجه الآخر لهذه الحكاية أن المحو لم يكتمل. فالشعوب التي أريد لها أن تختفي بقيت، والأنساب التي مُحيت من الوثائق استمرت في الذاكرة، والأطفال الذين اقتُلعوا بحث بعضهم عن أهله، والجماعات التي فقدت أراضيها استمرت في المطالبة بها. وهكذا لا يصبح تاريخ «سرقة أميركا» مجرد تاريخ للسرقة، بل أيضاً تاريخاً طويلاً لمقاومة النسيان.

وهذا ترمب يمثّل تجسيداً دقيقاً للرأسمالي الإمبريالي المتأزم بكل ما اوتي من بشاعات نفسية. فما الجماعات البشرية في عرفه سوى عبيد في خدمة استثماراته الرأسمالية او هم مجرد فائض حمولة. يرى أبناء غزة مثلاً (تحتها عدة خطوط) أهلاً ل”العرقبادة والهفلبادة” فليبادوا او يجوعوا ويعطشوا ويهجروا! جغرافيا غزة هي الأساس، وما يعنيه هو موقعها السياحي ونفط أرضها وغازها. لا ملكية الا الملكية الرأسمالية، فلا اعتراف بالملكية الوطنية (ملكية شعب تاريخي لأرضه التاريخية). فأرض غزة ليست ملكاً لشعبها، بل هي ملك الرأسمال الاحتكاري الذي بمقدوره ان يُحوِّلها إلى منتجع سياحي بجوار آبار الغاز والنفط. نعم هو ذا الرأسمال يتجلى بأقبح صوره كما كشف سرها كارل ماركس في كتابه “رأس المال” (Das Kapital, Kritik der politischen Ökonomie)!

وهنا أُكرر بعضاً مما سبق لي كتابته: “وصفها كارل ماركس بمنتهى الدقة مُشهداً عيون التاريخ كيف وُلِدَت الرأسمالية العالمية وهي تقطر دماً وقيحاً من جميع مسامها حيث اقتضى صعود المركز الغربي تحطيم كافة الأنماط الاقتصادية والاجتماعية السابقة التي كانت تتيح للبشر علاقة حرة مباشرة، وغير مشوهة، مع أدوات إنتاجهم ومع الطبيعة المحيطة بهم ومع ذواتهم. وهكذا يتبيّن لنا بوضوح تام كيف ان العمليات العسكرية وحملات الغزو عبر التاريخ لم تكن مجرد وسيلة لحيازة الجغرافيا والسيطرة على خطوط التجارة ومصادر الموارد فحسب، بل كانت في جوهرها حرب إبادة شاملة وممنهجة بالمعنى الأنطولوجي الواسع الذي يستهدف محو القيمة، وتفكيك النسيج الاجتماعي، واقتلاع كل تعبير رمزي أو مادي يعزز كرامة الإنسان وتفوقه على منطق السلعة .. وعليه نرى وبوضوح تام ايضاً كيف يتحرك المشروع الصهيواوروبيكي كآلة إبادة وسحق وافناء ومحق واجتثاث منظمة تهدف لتجريد الإنسان من إنسانيته وإعادة هندسة العالم بأسره وفق منطق البضاعة والتراكم الرأسمالي المتوحش. وجاءت المقاومة، بعيونها الخمسة، لتُعلِّم هذه المنظومة الاستعمارية أن الشعوب التي تمتلك ثقافة حية، وعلاقات إنتاج تكافلية، وارتباطاً جمالياً وأخلاقياً ببيئتها وتاريخها، هي شعوب يستحيل تدجينها أو تحويلها إلى مجرد أرقام طيعة في سلاسل التوريد وسوق العمالة الرخيصة”.
نعم، بعيون المقاومة الخمسة، يُبَلِّغُ هذا الزمن (“الزمنُ ذا”) المقاومةَ “ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفْسِهِ الزَّمَنُ”: زوال كيان الاحتلال وسقوط الرأسمالية المتغطرسة والهيمنة الأميركية!

قل لي كيف تقهرْ .. هذي العيون الخمسة .. كيف تقهرْ؟
الله (ﷻ) هو المقاوم الاول بحسنى أسمائه وكمال افعاله وله كتائبه وحزبه وانصاره ..
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائم هو لبنان بجنوبه، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..
سلام الأقصى والمهد والقيامة والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إجلال وإكبار وتوقير لغزة واهلها ولجبهة المقاومة بنصرهم الدائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..